النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11722 الأربعاء 12 مايو 2021 الموافق 30 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

المسرح.. القلب المشترك للإنسانية لعبدالله السعداوي..

كتاب يسيل بين الأصابع قلقًا وشكًا وخلقًا..

رابط مختصر
العدد 11686 الثلاثاء 6 ابريل 2021 الموافق 23 شعبان 1442

في كتابه (المسرح.. قلب الإنسانية المشترك) الذي تصدت الهيئة العربية للمسرح لإصداره ضمن سلستها الطباعية للدراسات والبحوث والقراءات المسرحية والذي أخضعته للحوار والمناقشة ضمن برنامج (اقرأ كتب الهيئة) بإشراف الصديق الفنان عبدالجبار خمران، يجوس الصديق المخرج المتفلت المبدع عبدالله السعداوي عالم المسرح الذي اختبره وجربه وشاكس رؤاه وأنتج من معين قراءاته للباحثين عن وهج جديد ومغاير ومؤسس لرؤى جديدة فيه، أنتج رؤيته الفكرية المسرحية المحايثة الاشتباكية التي شكلت منعطفًا تجريبيًا جديدًا متكئًا على البحث والأسئلة الشائكة في فلسفة المسرح النوعي الخلاق التي لا تروم الوقوف على حالة المستقر والمطمئن وإن اشتعل في بعض جوانحها لهب الاستنفار للبحث عن حالة جديدة في التجربة.

إنه كمن يدخل في أتون الشك الصارخ حين يحتدم في كل مرة جديدة أوار اشتغاله في تجربة مخبرية جديدة، وكما لو أنه يعلن في الآن نفسه موت الكتاب الذي احتوى هذه التجربة بين ضفتيه، ذلك أنه يمعن في كل سانحةِ قراءةٍ جديدة في تدشين قلق موارب ومخاتل لها، ليصبح المسرح لديه هذا (القلق المشترك للإنسانية)، ولعل ذلك يقترب كثيرًا من تطلعاته الفلسفية لمسرح ما بعد الإنسانية الذي اقترحه ذات مهرجان مسرحي أقيم في البحرين ليكون عنوانا رئيسا للندوة الفكرية المصاحبة له، فالقلق حالة ملازمة للسعداوي بوصفه مخرجًا وإنسانًا ورائيًا، ولا يمكن أن يكون المسرح قلبًا مشتركًا للإنسانية طالما القلق يزحف بشيطانه نحو إغواء السؤال وإثارة فتنته في كل ما هو مشترك في هذا القلب، وكما لو أنه يروم توليد قلق يشترك في تدشينه كل من تمرد على مرتكز المحور المشترك في الإنسان وهو القلب، أو كما لو أن هذا القلب هو محور الشك الأبدي في معمل التجربة المسرحية. 

 وتتكثف لحظات القلق في هذا الكتاب في الباب الأول (تعب المسرح)، حيث لحظات القلق لدى السعداوي هي لحظات التخلق الناجمة عن «تفلت النيازك»، حيث اللحظات الهاربة العصي على المشتغل في نسيج ذراتها الإمساك بها بسهولة ويسر، وهي اللحظات التي أرقت شياطين الفكر والرؤية والخلق لدى غروتوفسكي فراح يبحث عن صوت آخر لا يصدر من بطن التجربة ورئتها، وهو الصوت الذي استفز شياطين السعداوي في مسرحياته (الجاثوم) و(اسكوريال) و(القربان)، والتي راحت تبحث عن مناطق خفية مثيرة في روح وجسد ممثليه (مصطفى رشيد) في مونودراما الجاثوم و(سلمان العريبي) في (اسكوريال) و(ياسر القرمزي) في (القربان) أكثر تحديدًا، وهي اللحظات التي دفعت بالسعداوي بأن يعيد تشكيل صلصال جسده الزمني والمكاني والبشري والتخيلي في المسرح، ويضفي عليه روحًا أنثربولوجية تتجاوز حالة المستقر في الكائن الاعتيادي المنتمي، ممعنا في الارتحال بلا هوادة وبمشقة تتجاوز مشقة ارتحالات جلجامش في سديم الكون والأسئلة والخلود. 

السعداوي في (تعب المسرح) لا يقف عند ما تلقاه من رؤى وأفكار من خلال قراءته لها ولمنتجيها، إنما هو يتمثلها ويتماهى معها أحيانًا، وأحيانًا أخرى يضيف إليها قراءته الخاصة بالتجربة التي يعتمل ويعترك فيها، ليكون واحدًا من الرؤى والأفكار التي تستحق القراءة بوصفها منتجًا موازيًا أو مشاكسًا أو ندًا لقراءاته ذاتها، فهو يركز على التفاني في كل شيء والاحتراق والموت والتماهي والانصهار والقربان وشساعة الرؤية والممثل الأفعى وتناسخ الجلود، فهو أقرب ما يكون إلى جملة أشخاص في تراكم الجلود.

في هذا الكتاب تكون انتقائية السعداوي لتمثلاته أو للمحاربين الحقيقيين في المسرح، مرتهنة بالاشتغالات المعملية التي يخوضها في مخبره المسرحي، وليست بوصفها نموذج مطلوب تسليط الضوء عليها، لذا نلحظ السعداوي من خلال هذه الاشتباكات كمن يبني النص الضمني للتجربة أو خطابها فوق النص المستعار أو المستدل به، ليذهب بهذه التجربة كفراشة ذاهبة للضوء، وهنا تتجلى في هذا الضوء رؤاه الشفيفة في المسرح والفكر والفلسفة والموفولوجيا والميثولوجيا والتي تشتغل جميعها ومن خلال نسيجها الحريري المركب ضد الحلول السهلة، فهي كقشرة الأستكوزا وتبدلها والتي على ضوئها تقفز ذؤابات الأسئلة الحادة المرعبة في المسرح وكيفية الاعتمال فيه، ذلك أنه يشتغل في المسرح عبر مقاومة الزمن المميت فيه، محصنا برؤى المقاومة ذاتها في الفكر والفلسفة، معضدًا بنيتشه وهايدغر وداريدا وغادامار وبول ريكو ومن حاوروا النص خارج إطار المستقر والمفسر، موغلاً في روح القارئ والمؤول في معمل التجربة، لذا نلحظ السعداوي يذهب في تجاربه المسرحية كما في قراءاته ومستدلاته الفكرية والفلسفية إلى مسرح بلا حدود، تتزاوج وتشتبك فيه الأزمنة والأمكنة لتشكل في نهاية الأمر روحًا أخرى تنتمي للتجربة ذاتها وليس إلى بيئة الاشتغال عليها، كما في مسرحياته الجاثوم والكمامة واسكوريال والقربان. 

إن السعداوي يتماهى في قراءاته إلى درجة يصبح معها كائنًا حيًا من حروفها المبعثرة، أو حالة من الفراغ كما يذهب السعداوي إلى ذلك ينبغي أن نمنحه إلى فراغ آخر كي يبتلعه، وهنا نقترب جدًا من منطقة تأويل المخيال في منتج العرض المختبر، حيث لا شيء قار أو رهن مكان محدد، إنما هو رهن حرية مفتوحة على آخرها حيث لا سياج ولا حدود، حرية تشبه الماء الذي يسيل من بين أصابعه، حيث يصعب الإمساك به وحيث الكائن السائل المنتج. 

في كتابه المنفتح على مخبر التجربة بوصفها متسع ومشغل الفكر والرؤية والمخيلة التي تتجاوز حدود البروفة المرتهنة بالعرض في الغالب وبتمثلات رؤاه الاشتباكية بالرؤى الأخرى لمفكري المسرح في العالم، يذهب في باب آخر من أبواب هذا الكتاب (شغل الإخراج)، إلى نماذج رؤى أخرى ليحتفي بها بوصفها ركائز لازمة في التفكير والانزياح نحو مناطق الخلق المؤسس لرؤى مسرحية جديدة جديرة بالاهتمام، من أمثال الناقد الروسي (بيلنسكي) وغوتهلد ليسنغ صاحب دراماتورجية هامبورغ وستانسلافسكي ودانشنكو وفاختانجوف ومايرهولد وأدولف آبيا وتاييروف ومسرح الحجرة غوردن كريج وأنطونين أرتو والذي كنت أتمنى أن يمنحه السعداوي جل جهده لأنه مخبره الحقيقي في أغلب تجاربه المسرحية، وبيسكاتور وبريخت وارسطوأوغستو بوال وكانتور وبيتر بروك والبارا مسرحي وأريان نوشكين ومسرح ما بعد الدراما، إنه احتفاء عرضي لهذه الرؤى وليس احتفاء حواريًا اشتباكيًا معها. 

أما في بابه الثالث والأخير، فيقف على قراءاته الإخراجية من خلال ملاحق تناول فيها بإيجاز شديد بعض تجارب شاهدها للشباب، كأخبار المجنون للمخرج خالد الرويعي واستفاقات للفنان حسين الرفاعي وكاريكاتير وميلاد شمعه لكاتب السطور، وهي ملامسات للتجربة تستحق الاهتمام، وقد تسنى لي كناقد أن تناولت هذه العروض، بل أغلب عروض الشباب التي قدمت من خلال فرقة الصواري نقديًا، وقد تكون لي بعض ملاحظات حول ما أثاره بالنسبة لتجربتي في هذين العرضين، تحتاجان إلى متسع آخر للحوار حولها مع السعداوي.  أخيرًا.. مثل هذا الكتاب التجربة الثري المهم نطمح في أن يجد طريقه نحو الترجمة إلى لغات أخرى لما يتضمنه من رؤى جديرة بالقراءة والتأمل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها