النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11803 الأحد 1 أغسطس 2021 الموافق 22 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:35AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:25PM
  • العشاء
    7:55PM

كتاب الايام

دول مجلس التعاون.. في عين العاصفة

رابط مختصر
العدد 11686 الثلاثاء 6 ابريل 2021 الموافق 23 شعبان 1442

  • ظلَّت بذراعها الإعلامي (قناة الجزيرة) تواصل إساءتها لمملكة البحرين والتدخل في شؤونها الداخلية

 

بعد تجربة طويلة في العمل السياسي والدبلوماسي الرسمي بدأته منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى (مارس 2015م)، وعاصرتُ البذرة الأولى لتأسيس (مجلس التعاون) ومراحل تطوره بكل تفاصيلها، وعشتُ الانجازات التي حققها والإخفاقات والتحديات التي واجهها، وعايشتُ واقع الأحداث الجسام التي مرَّت على الوطن العربي والعالم وانعكسَت تأثيراتها على دول المجلس، ما زلتُ متابعًا لشؤون مجلس التعاون، الذي وصل في السنوات الأخيرة إلى حالة من القطيعة والتوتر في العلاقات السياسية بين دولة قطر وعدد من دول الخليج، لم تنفع معها الوساطة التي قام بها المغفور له الشيخ صباح الأحمد أمير دولة الكويت، ولا الوساطات التي قامت بها عدد من الدول الصديقة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية! 

إلا أنها (انتهت) بصورة مفاجئة ودون مقدمات في (5 يناير 2021م) في (قمة العُلا) بلا غالب ولا مغلوب، وأصبح الحل ثنائيًا بين الدول الثلاث ومصر من جانب وقطر من جانب آخر، ومعلّقًا حتى الآن بين قطر وعدد آخر منها. 

ولا أعتقد أن قطر في عجالة لحل مشاكلها مع مملكة البحرين؛ لأن المهم لديها من (المصالحة) هو فتح الأجواء للطيران القطري لسببين: 

1. وقف الملايين التي تدفعها قطر إلى إيران، نظير استخدامها للأجواء الإيرانية، وذلك جزء من خطة الحصار الاقتصادي التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفائها على إيران. 

2. منح مزيد من الثقة في نجاح قطر في استقبال طائرات الوفود الرياضية التي ستحضر تصفيات كأس العالم لكرة القدم في الدوحة عام (2022م)، حيث تشكِّل المقاطعة الجوية مشكلة أمام قطر وهي الدولة المستضيفة لهذا الحدث الرياضي العالمي. 

لقد مرَّت منطقة الخليج العربي بتحديات عظيمة على كافة المستويات، وتعدَّت المنطقة لتصل إلى العالم العربي والأقاليم القريبة جدًا، وأدَّت إلى تحولات جذرية وتغيير شامل لبعض الأنظمة العربية، وصمدت بعضها كدول مجلس التعاون التي استطاعت أن تواجه موجة (الربيع العربي) المزعوم، لسببين هما: 

دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين في (مارس 2011م)؛ لوقف التصاعد الإرهابي وصَدّ خطر التدخل الخارجي من إيران التي تبعد (150 كيلومترًا) عن السواحل البحرينية، والتي لعبت دورًا واضحًا جدًا في تلك الأحداث المؤسفة التي تغطَّت بغطاء المظلومية وحماية حقوق الإنسان، ووجدت دعمًا من إدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما بقيادة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ما اضطر البحرين في مرحلة معينة من التوتر السياسي القائم بين البلدين إلى اعتبار وكيل العمل وحقوق الإنسان بروجنسكي شخصًا غير مرغوب فيه، وكانت تلك خطوة سياسية شجاعة رغم أنها كانت محفوفة بالمخاطر مع دولة كبرى وحليفة مهمة للبحرين ودول المنطقة.

مشروع المارشال الخليجي، والذي تمّ باتفاق وزراء خارجية دول مجلس التعاون خلال الاجتماع الطارئ الذي عُقد في (مارس 2011م)، وتضمَّن منح مملكة البحرين وسلطنة عُمان (عشرة مليارات دولار) خلال عشر سنوات قادمة بواقع مليار دولار لكل سنة لمساعدتهما على تنفيذ المشاريع التنموية والبنى التحتية ومواجهة أوضاعهما الاقتصادية والاجتماعية، والتخفيف من حدّة المطالبات الشعبية وتجنب تعرّضهما لشرارة الربيع العربي، ورغم المباركة الخليجية لهذا المشروع إلا أن دولة قطر هي الدولة الوحيدة التي لم تدفع حصتها المُتفق عليها لمملكة البحرين لأسباب معروفة! 

كانت صور التضامن الخليجي جميلة جدًا على مدى ثلاثة عقود من عمر المجلس، وكانت الطرق والفرص مهيئة تمامًا للوصول إلى التكتل الخليجي الواحد، والتحوّل إلى الاتحاد والكيان الموحَّد في مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية التي لا يمكن أن تتحمّلها دول المجلس فرادا، إلا أن تلك الصورة الجميلة تمزَّقت بعد أزمة (يونيو 2017م)، ولم يعد التحوّل إلى الاتحاد الفاعل وتقوية المجلس به هدفًا لدوله، التي ازدادت تباعدًا وزادت هوة الخلاف والشقاق بينها، نتيجة تراكمات تاريخية مؤجلة فجّرتها أزمة (يونيو 2017م). 

إلى أن عاد الهدوء النسبي من خلال (قمة العُلا)، التي لم تُحدِّد آلية حل المشاكل الثنائية العالقة، فأصبح على كل دولة البحث عن الحل ثنائيًا مع قطر، التي بدورها قامت بانتقاء من ترغب في إنهاء أزمتها معه حسب مصالحها المباشرة، فظلَّت بذراعها الإعلامي (قناة الجزيرة) تواصل إساءتها لمملكة البحرين والتدخل في شؤونها الداخلية وإثارة المشاكل بين فترة واخرى تحت غطاء حرية الرأي والتعبير. 

لا شك أن مجلس التعاون -منذ تأسيسه- قد مرَّ بتجارب غنية في كافة المجالات، تمثَّلت في الخطوات المهمة التي اتخذتها دوله للوصول إلى المواطنة الخليجية المتكاملة التي تمهِّد عمليًا إلى الوصول إلى الاتحاد الذي تنص عليه المادة الرابعة من النظام الأساسي، والحَد الأدنى من الاتفاق على المواقف السياسية التي تهم دوله، إلا أن القرارات السياسية المتَّفق عليها بشأن العلاقات مع إيران ظلَّت في ملفات الأمانة العامة السرية، ولم يتم تنفيذها لوجود اختلافات فعلية على أرض الواقع فيما يخص هذه العلاقات سواء كانت سياسية أو تجارية. 

إن (الاتحاد الخليجي) في حال تحقّقه، سيمثّل قوة كبيرة جدًا على الصعيد السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، تساعد دول المجلس على مواجهة التحديات والتهديدات بكافة أنواعها ومصادرها، إلا أن حلم الاتحاد تبخَّر لحظة إعلان المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في قمّة الرياض (ديسمبر 2011م) فكرة الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتّحاد، وبعد أن وجَّه القادة إلى تشكيل هيئة متخصصة بواقع ثلاثة أعضاء من كل دولة توكل إليها مهمة دراسة المبادرة، فضاعت الرؤية وضاع الحلم الجميل الذي كان جاهزًا للتنفيذ، وأصبح بدلاً من ذلك بندًا دائمًا على جداول أعمال المجلس الوزاري، ليبقى حاضرًا في ذاكرة العمل الخليجي المشترك بناءً على طلب المغفور له الأمير سعود الفيصل، فكان يمرّ عليه المجلس الوزاري في اجتماعاته السنوية الأربعة مرور الكرام، رغم الدراسات المتعددة التي قدَّمتها الدول الأعضاء والهيئة الاستشارية لمجلس التعاون التي كانت تقدم تقريرها مباشرة إلى المجلس الأعلى. 

إن التوازن الاستراتيجي يتطلَّب من دول مجلس التعاون اتخاذ مواقف واجراءات حاسمة تجاه التطورات المتسارعة في العالم، بعد أن حسمت الولايات المتحدة السباق لصالحها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وأصبحت هي القطب الوحيد الذي يتحكَّم في العالم، لذلك فإن من أهم التهديدات التي تواجه مجلس التعاون والتي تستدعي منها إعادة النظر في مواقفها الآنية بعد (قمة العُلا) ما يلي:

الأخطار الداخلية التي تقوم على أسس طائفية، وتسعى لخَلق حالة من الفوضى المسلَّحة أو التوتر السياسي الداخلي للقضاء على الدولة الوطنية وإقامة الدولة الموالية لإيران تحت مظلة حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، وهذا ما تدعمه وتعتمد عليه إيران لتحقيق أطماعها وتمددها داخل دول المجلس.

الخطر الأمريكي وسياسة التعامل (الوقحة) التي تعامل بها الولايات المتحدة دول مجلس التعاون، فبعد سياسة ترامب وتصريحاته العلنية التي كان هدفها جذب الاستثمارات وتعزيز الاقتصاد الأمريكي، تأتي إدارة بايدن لتثير من جديد قضية خاشقجي وترفع الجماعة الحوثية من قوائم الإرهاب، ليتضح من ذلك أن الولايات المتحدة لم تعد حليفًا لدول مجلس التعاون، بل تسعى بكل قوتها إلى تفكيكه من خلال سياسة نشر الاضطرابات والانقسامات الطائفية في المجتمعات الخليجية التي تدفع إلى العنف والإرهاب وتشكيل الخلايا الإرهابية لإنهاء الأنظمة الشرعية القائمة باعتبارها لم تعد مقبولة في عالم اليوم، رغم كل الانجازات التي تحقَّقت على صعيد بناء الدولة الحديثة ورفاهية المواطن الخليجي والتسامح وحرية الأديان وخطط بناء النظام الديمقراطي القائم على سيادة القانون، والعمل الجاد للتغيير التدريجي نحو المشاركة الوطنية في الحكم بإنشاء المجالس النيابية المنتخبة كمرحلة أولى في طريق بناء المجتمع الخليجي القائم على المساواة والعدالة وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز. 

الخطر النووي الذي أصبح قريبًا من الأبواب، ولم يعد له فكاكًا بعد فشل الاتفاق النووي الإيراني الموقَّع في (يوليو 2015م) وانسحاب الولايات المتحدة منه، وتصاعد الضغوط الإيرانية من خلال الصواريخ الباليستية واستخدام طائرات الدرونز المهدِّدة لأمن الطاقة، وعدم وجود قوة تردع التصرفات الإيرانية، سواء المباشرة أو غير المباشرة منها عن طريق حلفائها الحوثيين، الذين قامت إدارة بايدن برفعهم من قوائم الإرهاب دون مقابل ودون شروط تحقّق السلام في اليمن بموجب قرارات مجلس الأمن وقرارات مجلس التعاون المتعلقة بهذا الشأن.

إنها في الحقيقة لصورة قاتمة ومؤسفة للوضع في المنطقة، صورة تهدِّد أمنها واستقرارها رغم القدرات العسكرية المتزايدة لدول مجلس التعاون والتسلّح القوي ودخول منظومات جديدة في الخدمة زادت من القدرات الدفاعية وقلَّلت من نقاط الضعف من أجل حماية مكتسباتها الوطنية. 

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن في الخليج على استعداد للتضحية بكل هذه الانجازات الحضارية والتقدّم في كل المجالات، والدخول في حرب نتائجها انتحارًا ونهاية لأحلامنا الجميلة في بناء مجتمعات الحب والتسامح والتقدم لشعوبنا ولمن يقيم على أرضنا من الوافدين؟ لا أعتقد أننا على استعداد لذلك!

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها