النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11762 الإثنين 21 يونيو 2021 الموافق 11 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

ثقافة الاستقالة..!!

رابط مختصر
العدد 11686 الثلاثاء 6 ابريل 2021 الموافق 23 شعبان 1442

«ان اضطراري الى العمل بجدية اكبر جعلني أشعر بالقلق لأنني لم اعد استطع تحمل ذلك»

بهذا نعود الى الحديث الى كلام ربما يكون ثقيلاً على النفس عند البعض، تحدثنا عن الموضوع سابقاً

وها نحن نعود اليه اليوم، وهذه المرة على وقع استقالة رئيس وزراء اليابان شنيزو آبي التى اعلن عنها فى 27 اغسطس من العام الماضي..

الرجل الذي ضرب الرقم القياسي لأطول فترة كرئيس للوزراء في اليابان ( 9 سنوات ) قال ذلك الكلام ضمن حيثيات استقالته المفاجئة، وهو أمر لا يستغرب ان يحدث في اليابان، ولا اي دولة اخرى لم يجرِ فيها العبث بقيمة المسؤولية العامة، وجعلت هذه القيمة لها كل الاعتبار والحضور في مجمل القيم المجتمعية السائدة، وأهمها تلك التي ترتكز على ثقافة تعي وتلتزم بمعاني الانضباط واحترام القانون وأداء الواجب وإتقان العمل، بالاضافة الى تلك المتعلقة بقيم المساءلة والمحاسبة، وهذا أمر يحتفى بها وبقدر لا يستهان به، وهي ثقافة ربما لليابانيين نصيب الأسد منها مقارنة بالعديد من مجتمعات شرق آسيا، ناهيك عن مجتمعات اخرى آمنت والتزمت وتمسكت بهذه الثقافة التى جعلت الاستقالة تكون أحياناً أروع مثل في تحمل المسؤولية..!

المعلن ان الحالة الصحية هي التي اضطرت الرجل للاستقالة من منصبه، وهذا امر يحسب له لانه عندما وجد ان قدرته على ادارة الدولة اليابانية لم يشأ ان يؤثر ذلك سلباً على مسؤولياته العامة، لم يرد ان ينسب اليه تقصير فى الأداء، لم يتمسك بالمنصب ويحافظ على وجاهته السياسية والأدبية والاجتماعية، ولم يجعل احداً يحركه من خلف الستار كي يبقى في المشهد باعتبار ان بقاءه يخدم الشعب، ولم يجعل المنصب تشريفاً، او يفرض وجوده على الناس من خلال اهدار او الاستهتار بتلك القيّم، لم يفعل اي شيء من ذلك القبيل، بل قدم استقالته طوعاً خشية ان تتأثر قراراته كرئيس للوزراء بمرضه، وبشجاعة صارح شعبه من خشيته عدم تقديم المزيد من العطاء..!!

ثقافة الاستقالة لها حضور، واي حضور في المجتمع الياباني، وهي مرتبطة بقيمة المسؤولية التي لم تكن غائبة يوماً عن الوعي العام، لذا لم يكن غريباً ان تجد بعض من هم من فئة مسؤولين رفيعون المستوى من وزراء وغيرهم وهم يقدمون استقالاتهم على خلفية اكثر من ملف او قضية، وهناك حالات عديدة لا زالت شاخصة أمام الأعين، ومنها حالات تبعث على الدهشة حقاً، على الأقل بالنسبة لنا، فوزير العدل الياباني استقال من حكومة شنيزو آبي بعد أقل من اسبوع على استقالة وزير التجارة،

كلاهما استقالا لاتهامهما بانتهاك قانون الانتخابات من خلال تقديم هدايا للناخبين في دائرتيهما الانتخابيتين، تصوروا هذه الهدايا تمثلت بالنسبة للأول في هدايا تمثلت في بطاطس وذرة وفاكهة، والثاني قدم بطيخ، نعم بطيخ، وسرطان البحر، وهناك مسؤول ثالث، نائب وزير استقال من منصبه لأنه استخدم بطاقة مجانية لركوب القطارات، ولم يكن في مهمة رسمية، وفهم ذلك على انه استغلال للمنصب، هذا يحدث في اليابان، والشواهد فيها كثيرة وكلها تثبت الى اي مدى هي حاضرة

في اليابان حضوراً فاعلاً ومميزاً ثقافة تقديم الاستقالة واعتبارهاً جزءاً من تحمّل المسؤولية..!!

يمكن ان نذكّر ايضاً بما حدث في تايلند القريبة من اليابان قبل سنوات، فقد قدم وزير الصحة استقالته بعد ان مُثل للتحقيق بسبب منشآت وشراء مستلزمات اعتبرتها اللجنة المكلفة بالتحقيق «غير ضرورية»، وتحمل شبهة فساد، الوزير بادر واعلن على الملأ فى مؤتمر صحفى استقالته، مؤكداً انه يريد ان يظهر للمواطنين تحمله للمسؤولية..!، وفي كورنا الجنوبية شهدنا استقالة المدعى العام فيها بسبب اعتقال شقيقه واتهام هذا الشقيق بتلقى رشوة من رجل اعمال متهم بالفساد..!

الأمر لا يتوقف عند تلك العينة من الأمثلة، فهناك الكثير منها في العديد من الدول الأوربية وغيرها، التي لم نجد فيها مسؤولين يسارعون الى التبرير والتنصل من المسؤولية عند وقوع اي خطأ، او مشكلة، حتى وان لم يكونوا مسؤولين عنها بشكل مباشر، هناك يعترفون بالأخطاء ويقرون بالتجاوزات حتى وان لم تكن في نطاق اختصاصاتهم المباشرة، قيمة الحساب والعقاب لها وجود، وثقافة الاستقاله حاضرة بالطول والعرض والعمق..!

في منطقتنا العربىة، ثقافة الاستقالة على اي مستوى لم تعرف كما يجب، حتى وان كان هناك ليس استهانة بقيمة المسؤولية، بل هتك مروّع لأبسط قواعدها، والواقع يسجل ان هناك من لم ينهضوا بمسؤولياتهم وواجباتهم الوطنية، وهناك من ارتكبوا أخطاءً جسيمة وما يعطي مسوغات لاستقالاتهم، وهذا أمر معروف، لا اكتشاف فيه ولا مفاجأة، خاصة في ظل سيادة مفهوم أهل الثقة، وهذا ولدنا، وهذا نسيبنا، وهذا من جماعتنا، تفضيل هؤلاء على اهل الخبرة والقدرة والمعرفة ومن هو قادر على ان يشكل اضافة نوعية لمسيرة العمل..!

اذا شئنا الدقة فان ثقافة تقديم الاستقالة في هذه المنطقة تكاد تكون محصورة الى حد ما في الوسط الرياضي، وتحديداً في حالة هزيمة فريق في مباراة هامة، نجد المدرب يستقيل، او مدير الفريق، او ادارة النادي المهزوم، استقالة او استقالات تحت ضغط جماهير الفريق، او النادي، والتفسير ان هناك جمهوراً يراقب ويتابع ويرصد ويضغط ويحصي النتائج، جمهورا يدفع اشتراكات، وينتخب ادارة النادي، ويتابع ادائها، ويحاسبها في اجتماعات «العمومية»، ويشكل قاعدة للنادي، ويسبغ على النادي وزناً وقيمة واعتبار وكل ما يجعله يحسب له الف حساب.. جمهور يمثل رأي عام ضاغط ويفرض قيم المسؤولية والمحاسبة، وهى القيّم الغائبة او المغيبة عن الوعي العام في مجمل القّيم السائدة..!!

يا ترى لو كنا نتمسك بتلك القيم، كم مسؤولا سيطير من موقعه؟ وكم مسؤولاً سيبقى؟ واخيرا

هل يمكن ان نجد مسؤولاً يمكن ان يسجل باستقالته أروع مثال في تحمّل المسؤولية؟، لا اظن رغم ان بعض الظن اثم..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها