النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11729 الاربعاء 19 مايو 2021 الموافق 7 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ماليزيا وكوريا الشمالية.. القطيعة بعد علاقات غريبة

رابط مختصر
العدد 11686 الثلاثاء 6 ابريل 2021 الموافق 23 شعبان 1442

العلاقات بين ماليزيا وكوريا الشمالية لا يمكن وصفها إلا بالعلاقات الغريبة بين بلدين ونظامين مختلفين في كل شيء. ورغم هذا التباين الكبير فإن كوالالمبور -مثلها مثل بقية شريكاتها في تكتل آسيان- وافقت على إنشاء روابط دبلوماسية كاملة مع بيونغيانغ بدءا من عام 1973. ومذاك تحولت ماليزيا إلى إحدى البوابات الأجنبية القليلة لكوريا الشمالية للإطلالة على العالم الخارجي وفك عزلتها المريرة. أما الماليزيون فقد استغلوا روابطهم مع نظام بيونغيانغ المشاكس لدرء شروره، وترطيب العلاقات ما بين شطري كوريا، وتقريب وجهات النظر بين الشطر الشمالي وواشنطن. ولعل أفضل مثال على الجزئية الأخيرة هو استضافة كوالالمبور لاجتماع بين مسؤولين كوريين شماليين ونظرائهم الأمريكيين في عام 1995، زمن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

لقد بالغ الماليزيون كثيرا في كسب ود كوريا الشمالية إلى درجة استضافتهم لبضعة آلاف من مواطنيها للعمل على الأرض الماليزية، بل فتحوا خطوط طيران مباشرة بين العاصمتين، وأعفوا مواطني كوريا الشمالية من تأشيرة الدخول حتى قبل تدشين العلاقات الثنائية رسميا.

أما النتيجة فكانت استغلال نظام بيونغيانغ للانفتاح الماليزي عليه لارتكاب أنشطة قذرة على الأرض الماليزية أو من خلالها، من تلك التي يجرمها القانون الدولي والمعاهدات الدبلوماسية. من هذه الانشطة إرساله لأشخاص للدخول إلى ماليزيا بصفة عمال، فيما كانت مهمتهم الأساسية هي التجسس وبيع السلاح وتهريب العملة الصعبة، وغيرها من الانشطة المشبوهة. غير أن الحدث الذي فجّر أول أزمة معلنة بين البلدين كان في فبراير من عام 2017 على خلفية قيام امرأة إندونيسية وأخرى فيتنامية من عملاء جهاز المخابرات الكوري الشمالي بتسميم «كيم جونغ نان» الأخ غير الشقيق للدكتاتور بيونغيانغ «كيم جونغ أون» بواسطة حقنة أعصاب سامة فور وصوله إلى مطار كوالالمبور. هذه الواقعة، التي تعاونت فيها الامرأتان مع أربعة كوريين شماليين غادورا ماليزيا قبل وقوع الجريمة، تسبّبت في حينه في طرد السفير الكوري الشمالي من كوالالمبور، وتقديم المتهمتين للمحاكمة حيث أدينتا بالقتل، لكن تمّ الإعفاء عنهما عام 2019 وترحيلهما استجابة لطلب حكومتيهما. أما المخططون الأربعة للجريمة فمازالوا طلقاء ولم تتم محاكمتهم.

 

 

الشهر الماضي انفجرت أزمة جديدة بين البلدين بسبب قرار من المحكمة الفيدرالية الماليزية بالموافقة على تسليم مواطن كوري شمالي مقيم في ماليزيا إلى السلطات الأمريكية بعد اتهامه بتبييض الأموال، علما بأن هذا الكوري واسمه «مون تشول ميونغ»، وصفته رجل أعمال، ملاحق من قبل وكالة التحقيقات الفيدرالية الأمريكية (إف بي آي) بتهمة تبييض الأموال من خلال شركاته المشبوهة وتسهيله عمليات تصدير الكثير من السلع إلى وطنه الأم، خارقا بذلك العقوبات الأمريكية والأممية المفروضة على نظام بيونغيانغ. وفي العشرين من مارس المنصرم تمت عمليه تسليم المتهم لواشنطن، ليصبح الرجل أول مواطن كوري شمالي تتسلمه الولايات المتحدة ليمثل أمام محاكمها الجنائية.

وعلى الفور، باشرت بيونغيانغ حملة الرد على القرار الماليزي، فقامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع كوالالمبور، وسحب كامل طاقمها الدبلوماسي منها، متهمة السلطات الماليزية بارتكاب «جريمة لا تغتفر» والخضوع الكامل لإملاءات واشنطن، ومعلنة براءة رجل الأعمال الكوري من كل التهم الموجهة إليه. والملاحظ هنا أن ردة فعل بيونغيانغ هذه المرة تجاوزت بكثير ما فعلته سابقا في حادثة اغتيال الأخ غير الشقيق لزعيمها «المبجل»، الأمر الذي يوحي -بحسب بعض المراقبين- بوجود نية كورية شمالية للتصعيد والاستفزاز والعودة إلى التلويح بأسلحتها النووية والبالستية، وصد الأبواب أمام أية عروض محتملة من قبل إدارة بايدن الديمقراطية لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين بيونغيانغ وواشنطن، لا سيما ون القرار جاء في وقت متزامن تقريبا مع أول زيارة رسمية لوزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين الجديدين (انتوني بلينكن ولويد أوستن) إلى كوريا الجنوبية. أما الرد الماليزي فقد جاء عبر إصدار بيان رسمي أعربت فيه كوالالمبور عن أسفها للقرار الكوري الشمالي المتسرع «غير المبر وغير المتناسب»، والإعلان عن إغلاق سفارتها في بيونغيانغ نهائيا، مع التأكيد على أن قيامها بتسليم «مون تشول ميونغ» إلى الولايات المتحدة موضوع سيادي وحق من حقوقها القانونية.

والحقيقة أن الخاسر الوحيد من الأزمة الراهنة بين بيونغيانغ وكوالالمبور ليست ماليزيا، وإنما كوريا الشمالية. فالأولى لن تخسر شيئا من القطيعة مع الثانية، خصوصا أنها اقتصاد ناهض ومركز عالمي واقليمي للتجارة والتصنيع، فيما كوريا الشمالية دولة معزولة ونظام منبوذ واقتصاد منهك وشعب جائع. وسوف تزيد معاناة الأخيرة وعزلتها لو قامت دول جنوب شرق آسيا الأخرى المنضوية تحت لواء منظمة آسيان بخطوات تضامنية مع شريكتها الماليزية، كأن تقيد ما تتمتع به كوريا الشمالية على أراضيها من تسهيلات، أو تتعامل معها ومع مواطنيها بحذر شديد، أو تخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي معها. هذا علما بأن شريكات ماليزيا في جنوب شرق آسيا على علم بموضوع استغلال كوريا الشمالية ببراعة وعلى نطاق واسع لنقاط الضعف القانونية في دولها من أجل التهرب من العقوبات الاقتصادية الخانقة المفروض عليها، لكنها كانت دوما تتغاضى عن الأمر انطلاقا من مبدأ «أن كوريا الشمالية لا ينبغي أن تكون معزولة تماما على الصعيد الدبلوماسي». وقد رأينا تجليات هذا المبدأ في حماس اثنتين من دول آسيان (سنغافورة وفيتنام) لاستضافة القمة الأمريكية - الكورية الشمالية الأولى والثانية في يونيو 2018 وفبراير 2019 على التوالي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها