النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11724 الجمعة 14 مايو 2021 الموافق 2 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

البحرين جزيرة التسامح

رابط مختصر
العدد 11685 الإثنين 5 ابريل 2021 الموافق 22 شعبان 1442

  • حضارة دلمون القديمة كانت صلة وصل بين حضارات المشرق القديمة الهندوسية والفارسية

 

من المعروف أنه منذ أقدم العصور تميزت البحرين باتصالها بحضارات العالم القديم وبالانفتاح والتسامح. فحضارة دلمون القديمة كانت صلة وصل بين حضارات المشرق القديمة الهندوسية والفارسية وحضارة وادي ما بين النهرين. كانت هذه الحضارة قائمة على التجارة في المقام الأول. فالتبادل التجاري كان يحتم على الناس التعامل مع غيرهم من البشر بغض النظر عن ثقافتهم و ديانتهم، لذلك كانت ثقافة المجتمع تقوم على التسامح واحترام مشاعر الآخرين، وعدم التمييز بين الناس بسبب المعتقد والعنصر.

وبتطور الأزمان تطور مجتمع البحرين الذي كان مهدًا لحضارة دلمون الإنسانية العريقة بسبب صلاتها بحضارة وادي الرافدين الآشورية التي كان ينظر إليها سكان تلك الحضارة باحترام وتبجيل؛ بسبب اعتقادهم أن دلمون لها طبيعة مقدسة. فقد تغنى بها شعراء الملاحم القديمة واعتبروها جنة الكون بسبب خضرتها وكثرة مائها، كما أن البعض منهم كان يفضل أن تنقل وتدفن فيها رفات موتاهم؛ لأنها أرض مقدسة ولأنها أرض الخلود. وربما لهذا السبب وجد علماء الآثار أن البحرين بها واحدة من أقدم وأكبر مقابر ما قبل التاريخ. ولعلّ المدافن التلية المنتشرة في شمال ووسط جزيرة البحرين شاهد على حضارتها القديمة. وتحكي لنا ملحمة جلجامش الشهيرة كيف أن جلجامش سعى إلى دلمون بحثًا عن زهرة الخلود في مياه الخليج المحيطة بها، وبذلك يعتبر هذا الملك الآشوري أول غواص في تاريخ المنطقة، وربما تعلم الغواصون الذين امتهنوا صناعة الغوص على اللؤلؤ أسرار هذه المهنة من هذا الملك الأسطوري.

ولا نود أن نخوض في المعتقدات الدينية لسكان البحرين القديمة، وإنما نترك أمر ذلك للمختصين من علماء الآثار والديانات القديمة، وإن كان من المعتقد أن السكان كانت لهم معتقدات وثنية، فعلى سبيل المثال تذكر لنا المصادر التاريخية أنه كان للسكان صنم يدعى وائل ومنه ربما جاءت تسمية بلادهم بجزيرة أوال. وقبل دخول إقليم البحرين في الإسلام، فإن سكان البحرين من المؤكد أنهم كانوا يشكلون خليطًا من الوثنيين ومن أهل الكتاب، حيث كان يوجد في المحرق، وبالتحديد في سماهيج، دير للرهبان المسيحيين، وهذا يدلنا بشكل لا لبس فيه على ثقافة التسامح التي كان يتمتع بها أهل البحرين منذ قديم الزمان.

لا عجب إذن أن من ينظر إلى وضع البحرين الآن يجدها واحة للسلام والتآلف والتسامح. ففي البحرين توجد مئات المساجد والمآتم، إضافة إلى عدد من الكنائس والمعابد لمختلف الديانات. وبسبب ثقافة التسامح والتعايش بين مختلف الديانات، فإن مجتمع البحرين تميز عن غيره من مجتمعات الخليج بوجود جاليات من غير المسلمين الذين يلقون معاملة إنسانية من غير تمييز ولا تفرقة. 

ولعل ما يميز مدينة المنامة عن غيرها من مدن البحرين أنها كانت ولا تزال مركزًا أمميًا أو كوزموبوليتانيا، حيث تجد أحياءها تعج باليهود والمسيحين والهندوس وغيرهم، والجميع يمارس طقوسه الدينية وحياته الخاصة بحرية وبلا تمييز من قبل المجتمع. 

ومن تجربتي الخاصة دعوني أقول لكم إنني نشأت وترعرعت في قلب مدينة المنامة، في أحد أحيائها القديمة القريبة من شارع الشيخ عبدالله الذي كان عبارة عن شريان للحياة في ذلك الوقت. عندما تعود بي الذاكرة لأيام الصبا ما زلت أتذكر منزلنا القديم وجيراننا الذين كان يحيطون بنا، فقد كان مقابل البيت مسكن لعائلة هندوسية، وإلى الغرب منه ملاصقًا لنا عائلة مشهورة من قرية دمستان على ما أعتقد، هي عائلة الحاج أحمد الطويل، وبجانبه كانت هناك عائلة باكستانية وأخرى سعودية من منطقة الإحساء، وليس بعيدًا عنا مساكن لبعض العائلات اليهودية والمسيحية. كان هذا مجتمع البحرين الذي عرفته.

والآن لا يستطيع أحد أن ينكر بأنه بالرغم من أن غالبية السكان المحليين يدينون بالدين الإسلامي، فإن الأقليات الأخرى والجاليات المختلفة تتعايش في ظل حرية الممارسة لمعتقداتها التي كفلها ميثاق العمل الوطني ودستور البلاد. فجميع الأقليات تستطيع أن تمارس معتقداتها وطقوسها الدينية بحرية، والدليل على ذلك وجود العديد من الكنائس للمسيحيين والمعابد لغيرهم من معتقدي الديانات الأخرى، فممارسة الحريات الدينية على أرض البحرين يشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى تميز نمط العيش المشترك الذي اعتاد عليه المواطنون والمقيمون في هذا البلد على حد سواء.

(البحرين وميثاق العمل الوطني وإعلان البحرين كمركز عالمي للتسامح) 

وللتدليل على ذلك أورد ما جاء في الدستور في الباب الثاني المتعلق بالمقومات الأساسية للمجتمع في المادة 4 أن «العدل أساس الحكم، والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين. والحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة». كذلك فقد نصّ الميثاق في باب كفالة الحريات الشخصية والمساواة على أن «المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، وهاتان الفقرتان اللتان أوردتهما من دستور مملكة البحرين ومن ميثاق العمل الوطني تؤكدان على مبدأ التسامح الذي في جوهره يعبّر عن المساواة بين الناس وعدم التمييز بينهم بسبب اللون أو العرق أو الدين والمعتقد. وهذه المبادئ نصت عليها معظم الأديان والمعتقدات الإنسانية. ومن يقرأ القرآن الكريم سيجد آية تقول: «إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم». كما أن الإنجيل يبيّن بوضوح أن الإنسان خُلق من تراب وسيعود إلى التراب.

ولتأكيد واقع التعايش والتسامح في البحرين أصدر جلالة الملك أمرًا بإنشاء مركز الملك حمد العالمي للحوار والإعلان عن وثيقة البحرين للتعايش والتسامح. الذي يحتضنه مركز عيسى الثقافي ويقوم بنشر ثقافة التسامح والسلام في البحرين وخارجها لتأكيد أن البحرين كانت وتبقى جزيرة التسامح.

فيما يلي بعض الفقرات من إعلان مملكة البحرين بشأن التسامح وحرية الأديان:

نحن من المؤمنين بأن المعتقد الديني يمثل واحدًا من أهم قوى الخير في عالمنا، وقد كان حافزًا رئيسًا يدفع الناس لأن يشاركوا ذلك الخير مع إخوانهم في الإنسانية، ويعترف المجتمع العالمي بأن المعتقدات الدينية وممارستها تمثل حقوقًا أساسية غير قابلة للتنازل عنها. مع ذلك فقد تم الآن، كما في فترات معينة من ماضي الزمان، استغلال الدين بشكل واسع كقانونٍ سماويّ لنشر الكراهية والفرقة.

وبدلاً من الحفاظ على الشعوب في أثناء الأزمات، فقد تم استغلال الأديان لتعميق هذه الأزمات وفي بعض الأحيان أسهمت في خلقها. وقد بدأنا في معالجة هذه السلبية من خلال دراسة التفريق بين الأشكال الصحية وغير الصحية للتعاليم الدينية وأنشطتها. ولا بد لنا من الاعتراف بأن هذا لا يمكن مواجهته إلا من خلال الحوار بين الأديان وتبادل الأفكار، وبالتالي يوصلنا هذا إلى إيجابية التنوير والتفاهم.

لذا فإن مفهوم التسامح يقوم على مبدأ المساواة بين الناس وعدم التمييز بينهم بسبب العرق أو العقيدة. إن عدم التسامح يؤدي إلى الكراهية والبغضاء بين الناس. فحرية الاعتقاد مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان وإن للفرد أن يؤمن كما يريد دون تدخل من قبل الآخرين و مساءلته فيما يعتقد.. فالناس أحرار في إيمانهم وجميع الأديان السماوية تدعو إلى نبذ الكراهية فمن شاء أن يؤمن فليؤمن ولا إكراه في الدين. ونحن هنا في البحرين لا نصر على الفرد أن يعلن عما يعتقد لأن الدين علاقة خاصة بين العابد والمعبود. وكما أن الوثائق الرسمية المتعلقة بإثبات الشخصية في مملكة البحرين كبطاقة الهوية أو جواز السفر لا يذكر فيها دين أو مذهب حامل الوثيقة كما تصر على ذلك بعض الدول. نحن في البحرين من المؤمنين بأن الدين لله والوطن للجميع، فالناس متساوون فإن لم يكونوا أخوة في الدين فهم متشابهون في الخلق. 

كان حديثنا منصبًا على التسامح فيما يتعلق بالتعايش بين الأديان المختلفة والقبول بالآخر. هذا نوع أو مظهر من مظاهر التسامح، وهو في نظرنا مهم للغاية. غير أن هناك مظهرًا آخر للتسامح وهو في نظرنا لا يقل أهمية عن النوع الأول ألا وهو التسامح في الدين الواحد والعقيدة الواحدة. فهذا النمط من التسامح هو الذي يؤدي إلى إزالة الفوارق والاختلافات ويُشيع المحبة في المجتمع الواحد ويزيل التمييز الطائفي إن وجد..

إن التعصب و الكراهية بين الطوائف والمذاهب لا تقتصر على دين دون سواه، وقد يؤدي إلى تطاحن وحروب دموية كما حصل بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا أو بين الكاثوليك والإنجليكان في بريطانيا. بعض هذا التعصب قد يكون له خلفية سياسية ناتجة عن الرغبة في استقلال الكنائس عن هيمنة روما والبابوية على الكنائس الأخرى، وقد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية لعل أبرزها الفرز الطائفي، فالتطرف والتشدد الديني واعتناق الإرهاب في محاولة للقضاء على الطوائف الأخرى كما هو حاصل الآن في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا على يد مليشيات داعش وطالبان وغيرها يسهم في تدمير أوطان بأكملها.

إن الاختلافات المذهبية في أي دين يمكن أن يراها المرء بين المسلمين والمسيحيين وحتى اليهود على مستوى أقل وغيرها من الأديان، ولن تنعم المجتمعات بالسلم الأهلي والتسامح في الدين الواحد ما لم يتم التفاهم بين الناس والإيمان بحقهم في اختيار العقيدة التي يرغبونها دون تدخل من أي طرف كان، فحرية العقيدة مبدأ أساسي من مبادئ حقوق الإنسان. ولا يمكن لأي مجتمع أن يتحلى بالتسامح ما لم يؤمن بحرية الاختيار الديني، فهذه الحرية هي الطريق الوحيد لإزالة التعصب والكراهية لكي ينعم جميع الناس بالمساواة وعدم التمييز على أساس عرقي أو ديني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها