النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11765 الخميس 24 يونيو 2021 الموافق 14 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

«إيفر غيفين» وملحمة التعويم

رابط مختصر
العدد 11680 الأربعاء 31 مارس 2021 الموافق 17 شعبان 1442

ساعات طويلة متثاقلة مرت ببطء «أقلق العالم»، فالسفينة البنمية الأضخم عابرة المحيطات «إيفر غيفين» جنحت نحو اليابسة وهي تمر مرور الكرام في قناة السويس، الأسباب التي تضاربت، والتحليلات التي تألقت، والأكاذيب التي انتشرت، وضعت 12% من التجارة العالمية على المحك، و22% من مستقبل عبور الحاويات في المجرى المائي العتيق في مهب الريح، إما أن تشتد فيحدث المد المعين، وإما أن ترتد فلا أمل سوى تفريغ السفينة من 230 ألف طن هي حمولة «إيفر جرين» وهو اسمها المكتوب على الصدر العائم للسفينة.

نحو 400 سفينة تنتظر في بوغاز ضيق مصيرها قبل العبور المؤجل، التكدس أثار الذعر في العالم المتربص، وبدأ جهابذة الاصطياد في الماء العكر التقاط الأنباء وتحويرها، والمشاهد وتشويهها، والتعطل المريب وتداعياته «المتواضعة»، بدأ الحديث عن بدائل، عن «الرأس البعيد للرجاء غير الصالح»، عن قناة موازية تروج لها إسرائيل، وعن تجارة عالمية وأسعار تأمين مرشحة للارتفاع بفعل الجنوح الملعون.

كتم العالم أنفاسه لنحو 72 ساعة وربما أكثر بالتحديد منذ الثلاثاء الماضي، عندما أعلن قبطان «إيفر غيفين» وهيئة قناة السويس الخبر، لقد جنحت السفينة وانحشرت في مضيق داخل قناة لم تتعطل الملاحة فيها منذ 54 عامًا، قامت الدنيا ولم تقعد، المصريون يحاولون إخراج السفينة من مرقدها، والهولنديون يعرضون المساعدة بقاطرات حفر عملاقة، والأمريكيون يستعرضون عضلاتهم من بعيد مدعين بأنهم وحدهم يمتلكون التقنية الكفيلة بإنهاء الأزمة خلال ساعات.

المصريون وقبل التحقيق، بدأوا في التحرك السريع، في محاولة «قطر» السفينة العملاقة، ثم بالحفر حولها أربع أمتار لعل «المد الإلهي» يأتي لينقذ ما يمكن إنقاذه، لكن تأتي الرياح هذه المرة بما تشتهي السفن، جاء المد الرباني من السماء، ليقول للسفينة المكلومة «سيري على بركة الله»، المصريون يحفرون 100 متر حول السفينة ويبدأون بتعويمها بعيدًا عن الجانب المحشورة فيه، وذلك قبل أن يقول احتياطي الطوارئ كلمته الأخيرة ويتم تفريغ حمولة السفينة من حاويات بضائعها المكدسة.

الوعد كان حقًا على المصريين، والفعل كان مبادرًا وليس أسيرًا هذه المرة لردة أي فعل، اعتمد المصريون على أنفسهم، على خبرات رجالهم، وسواعد أبنائهم، صحيح أن الممر الملاحي دولي والمساعدة الأممية ليست عيبًا أو عارًا أو سبة على جبين «المشغلين»، لكن الصحيح أيضًا أن مصر أثبتت برجالها الأشداء، وحكمة قيادتها «الثقيلة»، أنها قادرة على التعامل مع العالم بالحكمة والتأني، ثم بالعمل الجاد الدؤوب البعيد عن الشوشرة وإثارة النعرات والرد على الأحقاد، قام رجال مصر بالواجب مثلما عودونا تمكنوا من «قطر السفينة» إلى العمق الذي يمكن تعويمها فيه، إلى المسار الذي جاءت منه لتمضي على بركة الله، في سبيلها إلى ميناء روتردام الهولندي «بسلام آمنين».

صحيح أن الخسائر كانت فادحة، وحسب التقارير الأولية التي تجرأت عليها «بلومبرج» بأن المصاب الأليم قد يكلف العالم 400 مليون دولار في الدقيقة، ويكبد مصر خسائر يومية لا تقل عن 14 مليون دولار، والتجارة العالمية نحو خمسة مليارات كل 24 ساعة، وربما أكثر، وأن العالم ربما يُعيد النظر في استخدام خط قناة السويس الملاحي مستقبلاً، و.. و.. و.. أرقام أخرى أكثر كارثية مما أشاعته بلومبرج كحصيلة أولية لخسائر «الجنوح».

أعجبني الفريق مهاب مميش مستشار الرئيس المصري لمشاريع محور قناة السويس عندما خرج مع الزميل عمرو أديب في هدوء وسكينة يُحسد عليهما، وعندما تحدث بثقة بأن السفينة سوف تخرج من مأزقها خلال ساعات، إما مساء الأحد أو صباح الإثنين، ولم تشرق شمس الإثنين حتى جاءت الأخبار مهللة بالحدث المدوي، لقد حدثت المعجزة وتمكن المصريون من تحريك «إيفر غيفين» لنحو 100 مترًا ليتم تعويمها ومن ثم وضعها في طريق العبور من المجرى الملاحي المهيب.

«الوعد الحق» لم يكن أسيرًا لمؤلفات عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين رحمة الله عليه، لكنه عز وجل استبق هذا كله برضائه ورضوانه على مصر وأهلها، على أرضها وزرعها وضرعها، على المتيبس من محاصيلها، والضائع من أحلامها، ربح المصريون معركة «إيفر غيفين» وأسقطوا أعدائهم «الافتراضيين» بلمس الأكتاف، لكن هذا التحدي الذي كشف العدو من الحبيب، قد يعلمنا أنه لا يحك جلدك مثل ظفرك، وأن أهل مكة أدرى بشعابها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها