النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11720 الإثنين 10 مايو 2021 الموافق 28 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

قصة الصبي الفقير مع الزعيم

رابط مختصر
العدد 11679 الثلاثاء 30 مارس 2021 الموافق 16 شعبان 1442

الحقائق ممزوجة بالأكاذيب وبالدعايات وقصص البطولات وضد - البطولات وقصص الفضائح، ومسلسلات السب والشتائم، على هوى الراوي أو المؤلف، تنتشر اليوم، مع مشاعية مراكز الاعلام الفردية (iPhone وiPad)، بأسرع من النار في الهشيم ؛ وهي تدفقات متواصلة تغطي سطح الكرة الأرضية في سرعة الضوء. والمواضيع السياسية والدينية هي الغالبة. منذ فترة انتشرت قصة من بين تلك القصص عن زعيم دولة عربية كان يحمل طموحات كبيرة لبناء دولة عصرية!، ولكن لم يستطع هذا الزعيم الاستمرار في الحكم، إذ اردته طموحات بديلة أكبر لبناء دولة عصرية! وقيادة دائرة إقليمية واسعة كان يحملها زعيم آخر منافس في عالم السياسة وملعب الوطنية وساحة القومية. وحتى الزعيم الثاني لم يسلم من لعبة السياسة فأردته طموحات جبارة تستثمر ترسانتها العسكرية الضخمة والمتجددة لادارة دفة العالم. تتوالى قصص متضاربة بشأن هاذين الزعيمين، وكأنهما فريقي كرة القدم يتباريان على ملعب الوطن بروح وطنية مجردة من الأهواء ومن المصالح الذاتية، ومعصومة من النقد والمساءلة. قصة تمجّد زعيمًا، وقصة تهين زعيمًا، وتتضارب القصص فيما بينها، والضحية هو الإنسان المستهدف لأن الحقيقة غائبة أو ملوثة والمنطق ضائع أو مخنوق. قصتنا، التي حفزت فضول الشك والتمعن والبحث والتفكر، تروي عن عظمة الزعيم الذي أطيح به أولاً. هذه العظمة، التي هي الرسالة الإعلامية - الدعائية، تتمثل في ردة فعل الزعيم أمام صبي بصق في وجهه. كان الزعيم في زيارة تفقدية في إحدى المدن عندما اندفع صبي في اتجاه سيارة الزعيم وبصق على زجاج السيارة المفتوح فأصابت تفلة وجه الزعيم. الحرس الخاص الذي كان يحمي الزعيم قبض على الصبي وأحضره أمام الزعيم... طبعًا الدراما! في القصة تقتضي وصف حال الصبي المعبرة عن فقره المدقع والهاوي إلى الدرك الأسفل في سلم الفقر، وكيف أن أباه قد استشهد في حرب فلسطين، وكيف أن أمه تنبش في الزبالة علّ وعسى أن تحصل على شيء يفي غرض العائلة. لا حاجة لسرد تفاصيل القصة، ولكن المهم وهو الأهم أن الزعيم تأثر جدًا وثار وغضب.. «أمر الزعيم مرافقيه إدراج اسم هذا الصبي وأخته فورًا بالمدارس الخاصة على أن يتكفل هو بمصاريفهما... وأمر فورًا بإيجاد عمل شريف يليق بأم هذا الصبي.. بعد أن أعطاه كل ما هو موجود في جيبه من بقايا راتبه.. يقال: لا زال أهل تلك المدينة يتذكرون ذلك الموقف ويتناقلون هذا الحدث»، وهذه الفقرة هي خاتمة القصة.

هذه القصة لا يمكن ولا يجب أن تمر مرور الكرام وكأن الناس مجرد عبيد في صورة أجهزة استقبال، فلا بد من طرح الاسئلة واستقراء الأجوبة من طبيعة الأمور، لا من رسم الأمور... موكب لزعيم، من العالم الثالث، محاط بحراسة مشددة وعيون خفية متربصة، والزعيم في سيارة مجهزة ضد الرصاص أو حتى ضد القنابل، كيف يتأتى لصبي أن يخترق جدار الحراسة الظاهرية والباطنية ويحطم قيد الخوف في نفسه ويتجرأ ويتجه إلى نافذة السيارة التي يجلس بقربها الزعيم ويتمكن رغم حركة السيارة من البصق في وجه الزعيم ؟ لا أدري... أشك... شك أقرب إلى اليقين.. هل يعقل؟!… والزعيم الوطني، من جهته، والذي يمجد الوطن وكل ما هو وطني، يأمر بإدخال الصبي في مدرسة خاصة (أجنبية!)، أي أن الزعيم يقر بفشله في سياسة التربية و التعليم - وهذه شطحة من الشاطر مؤلف القصة - والذي يعني أن المدارس الخاصة (الأجنبية) أفضل من المدارس الحكومية (الوطنية)! هل يمكن لزعيم، من هذا النمط، أن يقر على نفسه فشلاً ذريعًا في مؤسسة حكومية و وطنية مهمتها بناء الإنسان، الإنسان المواطن الذي يعبد وطنه؟ خزي وعار وعجب... هذه الجزئية بحد ذاتها، ودون التعمق في القصة اكثر، تحمل دلالات مقنعة أن القصة موضوعة ومطرزة على قياس وطني - سياسي - إنساني لا تمت إلى الواقع بأية صلة سوى هوى عبودية الفرد؛ وعبودية الفرد عندنا، ما شاء الله، ثقافة «سياسية - دينية - طائفية - مذهبية - قبلية» متجذرة في أعماق النفس في دفتيها الوعي واللاوعي، الشعور واللاشعور.

جدلاً ومتخطّين كل محاذير الشك واستقراء اليقين، دعونا نتماهى مع ما جاء في القصة، ونوافق على صدقيتها، وأن القصة بكل تفاصيلها حقيقة واقعة، وتستحق صفحة في التاريخ... هذا الزعيم (الساذج المسكين) عندما عبر عن تاثره الإنساني والوطني وتبرع من ماله الخاص لحل مشكلة الفقر عند الصبي وأخته وأمه، هل يكون بهذه الخطوة السمجة قد حقق شيئاً ذات قيمة وطنية وإنسانية على مستوى مسؤولية حكومة في دولة صاحبة قرار حر وسيادة تامة؟ ليس بخافٍ على أحدٍ أن هذا الصبي هو نموذج، أو مرآة، لحال شريحة كبيرة من الشعب، وأن تاثر الزعيم وغضبه وتبرعه بمال جيبه لم يحرك في هذه الشريحة من ساكن، ولا ولن يسهم في حل مشكلة الفقر في دولة الزعيم... ومن المضحك المبكي أن القصة اذا كانت قد وقعت فعلاً فإن الخزي والعار والعجب أكثر حملاً على الزعيم، وإدانة صريحة له؛ وأنه لو كان حيًّا، فلا شك أنه كان سيأمر بإعدام المؤلف الذي كتب القصة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها