النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11765 الخميس 24 يونيو 2021 الموافق 14 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

رحيل البلدوزر..!

رابط مختصر
العدد 11679 الثلاثاء 30 مارس 2021 الموافق 16 شعبان 1442

  • الفساد عطّل دول وأفلسها وضيّع حقوق المواطنين فيها، يا ترى كم «بلدوزر» نحتاج في منطقتنا العربية

 

لا يستطيع أحد أن ينكر أن للفساد أربابَه وأوكارَه في كل مكان، ويكاد من الصعوبة القول إنه لا توجد دولة بلا فساد، ولا تجاوزات، ولا أوجه قصور أو خلل تساعد على ظهور الفساد، يستثمرها الفاسدون، يرفعون حصونه، ويزيدون جبروته، ويمنحونه القدرة والسيطرة وتحقيق مراميهم التي لا يُراعي فيها انسان، ولا وطن، ولا ضمير، ولا حقوق، ولا شيئاً اسمه حرام او حلال، ارتكبوا كل انواع الجرائم، من رشوة، أو عمولات، أو تعديات على الحقوق والمال العام، وارتكبوا أعمالاً وأشكالاً وأساليب عديدة من الفساد الذي تمأسس من أعلى الى أدنى، وعطّل دول وأفلسها وأسقطها وضيّع حقوق المواطنين فيها..!

أسوأ ما في ملف الفساد في أي بلد أمران، الأول حين يظهر من يريد إخراس أي صوت يتحدث عن الفساد بذريعة أن ذلك ينعكس على سمعة البلاد، وعلى خطط جذب الاستثمارات، وأنه لا يجب عرض الصور السلبية داخل المجتمع، أما الأمر الثاني فهو يتجلّى حين يكون الفاسد من أصحاب المقامات الرفيعة، ومن يبرز في صورة المواطن الصالح والمصلح والوطني المخلص أو يرتدي ثوب الفضيلة ويقدّم نفسه في صورة التقي الورع أو المحارب الشرس للفساد، وحتى ذلك الذي يمارس السكوت المتواطئ مع الفساد، ومعهم بطبيعة الحال أولئك الذين يظهرون بمظهر الساعين لمكافحة الفساد وهم فاسدون حتى النخاع، ولا ننسى الذين يمارسون فسادهم على المكشوف بشكل مدهش وروائح فسادهم تفوح من كل صوب مستهينين بقيمة البشر بشكل تجاوز كل حدود، اتذكرون ذلك النائب في دولة عربية مجاورة الذي ظهر على الملأ عبر محطة تليفزيونية معترفاً بأنه فاسد قائلاً: «كلنا فاسدون»، مشيرًا إلى أن الفساد أصبح ضخمًا وصريحًا وحادًا ومتزايدًا ومتشابكًا كمًّا وكيفًا، وأن هناك من ينهب ويعظ، من تلك المنطلقات نقف على الأقل من باب العلم والنظر والإحاطة بتجربة رجل يهمنا من أمره انه بات رمزًا عالميًا فذًّا وفريدًا في محاربة الفساد بكل الصرامة الممكنة.

الرجل لم يكن مجرد رئيسًا لدولة افريقية فقيرة ومنسية، بقدر ما أصبح كما قلنا رمزًا عالميًا لمحاربة الفساد وحالات الهدر والتسيب في افريقيا، وفي دول العالم الثالث، هو لم يتردد او يتهاون أو يهادن او يجامل او يتلكأ في محاربة مختلف أوجه الفساد، واجه بصلابة كل من يرتكب او يمرّر الفساد او يغطي عليه او يتواطأ معه أو يغسل فساد الفاسدين من لوبيات تساند بعضها البعض، وُصف بأنه رئيس استثنائي كونه قدم النموذج الذي يجب ان يكون عليه المسؤول النزيه الذي كان هدفه ان يرسي بالأفعال وليس الشعارات قيم النزاهة من أعلى وكأنه امتثل للقول المأثور «اذا أردت تنظيف الدرج، فعليك ان تبدأ من الأعلى»..!

سمي بالبلدوزر لحملته الشرسة ضد الفساد الذي كان ينخر في مؤسسات بلده كسرطان شرس، هناك من وصفه بأنه قاهر الفساد لمواقفه ولسياساته المباشرة في اجتثاث الفساد، وهناك من رأى بأنه الأكثر جرأة من اي حاكم في العالم من حيث اتخاذ قرارات فورية وسريعة وصارمة ضد آلاف مؤلفة من الفاسدين في القطاع العام، ممن لم يحملوا أمانة ولم يصونوا عهدًا ولم يبروا بقسم، وواجه كل ما هو ناطق بسوء الأداء والادارة، التي تعامل مع من ثبت فساده بمنتهى الحزم، ولم يشفع لأحد من هؤلاء انه كان من الكبار المحصنين أو ممن ترتفع قاماتهم فوق هامة القانون، وهذا يعني انه لم يجعل هدف محاربة الفساد مجرد شعارات جوفاء وعبارات طنّانة، حتى ان رئيس حزب التحالف من اجل التغيير والشفافية في بلاده نسب اليه قوله: «لقد بنينا معارضة قوية على أساس اجتثاث الفساد، والآن لدينا رئيس قرر الانضمام الينا في هذه الحملة، فلماذا نعارضه»..!

إنه رئيس تانزانيا المنتخب في 2015 جون ماغوفولي والذي توفي مؤخرًا ورغم انه أمر بعث في صفوف البعض ارتياحاً لأن اسلوبه في الحكم لم يعجبهم، الا ان قصة هذا الرجل الحاصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء تستحق التوقف والتأمل بعد ان فعل ما حفر له مكانة في الوجدان الجمعي لمواطنيه، وجعل بلاده تمضي الى قائمة الدول الجادة في بناء ذاتها، بعد ان قادها لأكثر من خمس سنوات نحو اصلاحات كبيرة قائمة على أساس محاربة الفساد ومواجهة المفسدين والمختلسين والمرتشين وعديمي الضمير ومن دأبوا على سرقة الدولة، رغم ان ذلك تم برأي البعض مع ميل الى الاستبداد، ولكنه كان لدى الكثيرين من أبناء شعبه ممن كانوا يعانون من الفساد مرّ المعاناة استبداد مرحب به ولابد منه، الرجل انطلق من قناعة بان الفساد المستشرى فى بلاده لم يدع مجالًا لتحقيق اي تنمية حقيقية، وأن بلاده بسبب هذا الفساد ظلت طيلة نصف قرن في خانة الفقر والعوز والقروض والديون..!

من الخطوات الأولى التي اتخذها الرجل بعد انتخابه في اكتوبر 2015 انه شن حملة واسعة لمكافحة الفساد الذي كان ينخر في مؤسسات بلده كسرطان شرس، لم يفعل ذلك من باب الشعارات والحركات المسرحية كحال ممن سبقوه من رؤساء دول العالم الثالث، الحملة بدأها بجرأة غير معهودة بإقالة عدد من كبار المسؤولين البارزين من بينهم رئيس جهاز مكافحة الفساد، ورئيس مصلحة الضرائب، وآخرين ممن هم في مواقع رفيعة المستوى ممن ثبت فسادهم، والى جانب ذلك خفض عدد الوزراء من 30 الى 19 وزيرًا فقط، وحول شعار «من اين لك هذا» الى واقع ملموس، وطلب من جميع الوزراء الكشف عن ارصدتهم وممتلكاتهم وأقال من تردد عن الالتزام بذلك او رفض التوقيع على تعهد النزاهة، والى جانب ذلك اتخذ الزيارات التفقدية المفاجئة الخالية من البهرجات الاعلامية لمواقع العمل ضمن منهاج عمله واكتشف في هذه الزيارات ولقاءاته المباشرة مع المواطنين أوجه من الفساد والخلل ولم يتردد في اتخاذ اجراءات فورية، أقال عشرة آلاف موظف مدني من اصحاب الشهادات المزورة، اعتبرهم لصوصًا وفاسدين لا يختلفون عن غيرهم من اللصوص والفاسدين الاخرين، واكتشف وجود عشرات الآلاف من الموظفين الوهميين او الذين لا يقومون بأي عمل ويتقاضون رواتبهم من الحكومة، وأصدر أوامر بفضح هؤلاء واتخاذ ما يلزم حيالهم واعتبرهم من سراق المال العام، وبالقدر ذاته تصدى للموظفين والمسؤولين الذين يجرون المعاملات تحت الطاولات اكثر مما يجرون فوقها وبشكل يهتك أبسط قواعد المسؤولية..!

ذلك قليل من كثير في سيرة هذا الرجل مما يمكن التوقف عنده والتأمل فيه، السؤال المثار، خاصة في أوساط شعب تانزانيا الذي قوامه 60 مليون نسمة، هل ستتمكن الرئيسة الجديدة التى كانت نائبة للرئيس الراحل المواصلة على ذات النهج في مواجهة الطغمة الفاسدة وسلالتها وأتباعها، وهل سيتركها الفاسدون تمضي في هذا الطريق ام سنراهم يستميتون لجعل محاربة الفساد أمر منعدم المعنى والأفق، او أمر خاضع للمزايدة والشعارات وتصفية الحسابات، الأيام القادمة تحمل الجواب..!، سؤال آخر يفرض نفسه، يا ترى كم بلدوزر نحتاج فى كل بلد من بلدان منطقتنا العربية لاستصال الفساد ومواجهة الضالعين فيه..؟! الجواب متروك لكم ولتقديراتكم..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها