النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11762 الإثنين 21 يونيو 2021 الموافق 11 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

بيان البرلمان الأوروبي.. والبحرين

رابط مختصر
العدد 11672 الثلاثاء 23 مارس 2021 الموافق 9 شعبان 1442

ثماني سنوات قضيتها في العمل الدبلوماسي في أروقة المفوضية الأوروبية والبرلمانالأوروبي عندما كنتُ سفيرًا لدول مجلس التعاون لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل في الفترة من 2000م حتى 2008م، ثم مسؤولاً عن الملف الأوروبي بحكم عملي وكيلاً للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون، فكانت لي العديد من الاجتماعات واللقاءات مع المسؤولين والكتل البرلمانية الأوروبية المتعددة، وكانت أقساها التي بحثت وناقشت الأحداث المؤسفة التي شهدتها مملكة البحرين ودخول قوات درع الجزيرة في (مارس 2011م)، وقد بذلتُ جهودًا مضنية للدفاع عن البحرين ونجحتُ بالتعاون مع الوفود الخليجية وفريق العمل البحريني المكوّن من السفراء يوسف محمد جميل والشيخ أحمد بن عبدالعزيز آل خليفة وحسن صالح البلوشي وعلياء الجابر من وزارة الخارجية، والعميد محمد عبدالله الحرممن وزارة الداخلية، من وقف إصدار البيانات المنددة بالبحرين، سواء عن البرلمان الأوروبي أو مجلس حقوق الإنسان. 

فالنظرية الأوروبية لموضوع (حقوق الإنسان) تقوم على مبادئ الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تمَّ التصديق عليها في (3 سبتمبر 1953م)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في (10 ديسمبر 1948م)، والتي تهدف جميعها إلى الاعتراف الفعَّال بحقوق الإنسان وضمان العالمية وتحقيق اتحاد أوثق بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، وترى هذه النظرية أن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتحقيق المزيد منها هي أحد وسائل بلوغ هذا الهدف. 

لذلك جدَّدت الدول الأوروبية إيمانها العميق بالحريات الأساسية التي تعدّ أساس العدالة والسلام في العالم، وأن أفضل ما تصان به هو ديمقراطية سياسيّة فعَّالة، وفهم مشترك يرعى حقوق الإنسان التي ترتكز تلك الحريات عليها، وإثر ذلك عقدت العزم فيما بينها على أن تسود الوحدة الفكرية والتراث المشترك من الحرية والمُثُل والتقاليد السياسية واحترام القانون، وعلى اتخاذ الخطوات نحو التنفيذ الجماعي والأمثل لبعض الحقوق الواردة في (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، وقد تبع ذلك العديد من إعلانات واتفاقات حقوق الإنسان التي وقعتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ومن هنا كان أمر (احترام حقوق الإنسان) مبدأً أساسيًا في السياسة الأوروبية، خاصة بعدما تبنَّته العديد من مؤسسات المجتمع المدني واتخذته بعض الأحزاب الأوروبية وسيلة مهمة للوصول إلى الحكم في الانتخابات العامة. 

ورغم تاريخ العلاقات الخليجية الأوروبية وكل ما تحمله من مصالح مشتركة على المستوى الثنائي أو الجماعي، إلا أنها تظل مرتبطة دائمًا بقضايا حقوق الإنسان وحماية حرية الرأي والتعبير، حيث تمارس منظمات المجتمع المدني الأوروبية الكثير من الضغوطات على أعضاء البرلمان الأوروبي ومسؤولي الحكومات الأوروبية لربط العلاقات مع دول الخليج مع قضايا حقوق الإنسان. 

فتضارب المصالح الخليجية والأوروبية، وتفاوتها بين دولة وأخرى بسبب السياسات المتباينة بين دول الخليج ذاتها تجاه المتغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط التي تشهد تحولاً استراتيجيًا نحو إعادة تشكيله بمشروع (الشرق الأوسط الجديد)، أدَّت إلى حدوث توتر ملحوظ بين دول مجلس التعاون -كل حسب حالته وأوضاعه وظروفه- وبين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي وضعت خطوطًا عريضة وواضحة لعلاقاتها مع دول المجلس على اعتبار وجود انتهاكات لمبادئ حقوق الإنسان فيها. 

إلا أن المشكلة الكبيرة التي تعاني منها دول مجلس التعاون في علاقاتها مع الجانب الأوروبي هي تسييس المواقف المتعلِّقة بحقوق الإنسان ووجود مجموعات مناوئة للبحرين ودول المجلس متغلغلة ومؤثرة بما تقدمه من معلومات لمنظمات المجتمع المدني الأوروبية رغم الخطوات التطويرية التي نفّذتها في هذا المجال، خصوصًا مملكة البحرين التي تعتبر من أكثر دول مجلس التعاون التزامًا بذلك، ليأتي بيان برلمان الاتحاد الأوروبي الأخير ليزيد الطين بلّة، ويضع العلاقات الخليجية الأوروبية على المحك؛ بسبب تسييسه الواضح جدًا وعدم موضوعيته، وهو ما يستدعي قيام دول مجلس التعاون بالآتي: 

أولاً: تفعيل مكتب حقوق الإنسان في الأمانة العامة لمجلس التعاون، ومنحه دورًا مستقلاً ليقوم بدوره بعيدًا عن تأثير وتوجيهات الدول الأعضاء، ما يجعل التقارير الصادرة عنه ذات مصداقية وتتمتَّع بقبول دولي. 

ثانيًا: بناء علاقات مع أعضاء البرلمان الأوروبي تقوم على أساس من الثقة من خلال الزيارات التي يقوم بها أعضاء البرلمانات الخليجية، وتبادل الأفكار معهم وبناء علاقات قائمة على ركائز سياسية واستراتيجية تضع المصالح المشتركة فوق أيّ اعتبار بالتفاهم والتعاون الذي لا يتعدَّى على خصوصيات دول المجلس وشؤونها الداخلية. 

ثالثًا: دعوة أعضاء البرلمان الأوروبي لزيارة دول الخليج للوقوف على واقع حقوق الإنسان والتطورات الإيجابية في مجالات المشاركة الشعبية في الحكم، وبحث سبل الاستفادة من التجربة الأوروبية في هذا المجال. 

رابعًا: تشكيل فرق عمل برلمانية داخل البرلمان الأوروبي تتصدَّى لأي مشاريع لا تتفق مع مجريات التطور الفعلي في مجالات حقوق الإنسان في دول الخليج، ومنع تسييس القرارات قبل إصدارها. 

ومن جانب آخر ومن واقع خبرة عملية في العمل السياسي والدبلوماسي، أرى أنه من الأهمية بمكان الأخذ في الاعتبار عددًا من الحقائق عند النظر في موضوع (العلاقات الخليجية الأمريكية)، والتنسيق بين الأهداف والتطلعات الأوروبية الأمريكية في مجالات حقوق الإنسان، وهي:

• خضوع السياسة الأمريكية للمرتكزات الأساسية التي أقرها الكونجرس للعلاقات معدول مجلس التعاون، والتي يعتمد نجاحها على مدى احترام دول المجلس لمبادئ حقوق الإنسان، دون أي اعتبار للعلاقات التاريخية والاستراتيجية، وذلك انطلاقًا من الرؤية الأمريكية لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد) عبر استبدال الأنظمة العربية القائمة باعتبارها فاقدة للشرعية والقبول الشعبي بأنظمة جديدة، باستغلال شعارات (الديمقراطية والتعددية السياسية ومبادئ حقوق الإنسان ومحاربة العنف والإرهاب وحرية الرأي والتعبير)، وإطلاق حِراك الشارع بتأسيس شبكات تتولّى هذه المهمة وتقديم الدعم والتمويل والرعاية لها، وفي هذا مدخل لإشعال نيران العنف والفوضى في المنطقة العربية عمومًا. 

• إدراك إيران بقوة موقفها التفاوضي فيما يخص سعيها للحصول على القوة النووية، واستمرارها في فَرض سياسة الأمر الواقع في المنطقة، وسعيها لتحقيق مكاسبها الاستراتيجية بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وسوريا، واستثمار الاتفاق النووي الموقَّع في عهد الرئيس السابق باراك أوباما في (يوليو 2015م) الذي منحها اعترافًا بنظام (ولاية الفقيه) كنظام سياسي مقبول دوليًا ومفروض إقليميًا، والذي بمقتضاه أصبحت (العراق وسوريا ولبنان) في دائرة النفوذ الإيراني الكامل، وصارت للأقلية الحوثية في اليمن اليد العُليا في تقرير مصيره، وتحولت مياه الخليج إلى ملعب للزوارق الحربية الإيرانية لاستعراض قوتها وإبراز نفوذها وتأكيد دورها في المنطقة، ونشاطها في تغذية الصراع الطائفي في البحرين والكويت والسعودية، وتسييسها لموسم الحج واستغلاله لخدمة مصالحها القائمة على أهداف الثورة الخمينية، والإضرار بالمملكة العربية السعودية والنيل من مكانتها الدولية والإقليمية بالدعوة لتشكيل هيئة دولية إسلامية لإدارة الحج بهدف شق صف الأمة الإسلامية. 

إن مفهوم (الأمن القومي الخليجي) يجب أن يضع في اعتباره الرؤية الواضحة والمتكاملة لأبعاد قضايا الأمن في دول الجوار الإقليمي، بعد الخلل الجوهري الذي أدى إلى انهياره بسبب الاحتلال العراقي لدولة الكويت في (أغسطس 1990م) ورسم تحريرها علامة فارقة بين انتهاء (عهد الحرب الباردة) وبداية (عهد النظام العالمي الجديد) بدحر العدوان العراقي، انطلاقًا من مبادئ الأمن الجماعي والمصالح الاستراتيجية للدول الصديقة. 

ومن تلك المعطيات يجب أن يقوم (الأمن القومي الخليجي) على الركائز الآتية: 

1. إقامة تحالفات مع الدول الصديقة صاحبة المصالح الاستراتيجية التاريخية في المنطقة، لدرء أيّ تهديدات تعرِّض الأمن الخليجي للخطر، وذلك من خلال ترتيبات أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار عدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المتبادلة والعلاقات الثنائية بين الجانبين. 

2. العمل الجاد من أجل تحقيق التنمية الخليجية الشاملة والمستدامة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة ببناء المجتمع الخليجي القائم على العدالة وسيادة القانون، وإرساء دعائم الدولة الوطنية الحديثة بإجراء إصلاحات دستورية تدريجية وثابتة وملائمة مع ظروف دول المجلس، كالخطوات الإصلاحية المتأنية التي اتخذتها المملكة العربية السعودية بتعديل نظام مجلس الشورى بأمر ملكي في (يناير 2013م) ليتكوَّن من (20%) من أعضاءه الـ(150) من النساء، وإشراك المرأة في الانتخابات البلدية عام (2015م) والتي حصدت فيها (20) مقعدًا بلديًا، إضافة إلى الإصلاحات الهائلة التي يقودها صاحب السموالملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. 

3. احترام مبدأ السيادة الوطنية لجميع الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة أو التهديد بها لفضّ المنازعات، ورفض التحريض الإعلامي السياسي. 

4. تعزيز فاعلية مجلس التعاون ودوره كمنظومة لها أهميتها الدولية والإقليمية، وبحث الآليات العمليّة لتسريع الانتقال من (مرحلة التعاون) إلى (مرحلة الاتحاد)؛ حفاظًاعلى سيادة المجلس واستقلاله الوطني ومكتسبات مواطنيه ومواجهة استحقاقات التحولات والمستجدات المتسارعة في العالم والتهديدات الأمنية في الجوار الإقليمي المباشر. 

وهنا يمكن إدراك أهمية أن يكون لدول مجلس التعاون والأمانة العامة للمجلس دور واضح في توحيد الموقف الخليجي تجاه القرارات التي قد تُتخذ أو البيانات التي قد تصدر ضد أيّ من دوله، وأن يكون لدول المجلس موقفًا يحدد مسار العلاقات مع الدول الكبرى والمنظمات الدولية قائمًا في الأساس على مصالح دول المجلس كمنظومة واحدة تحمي الخليج العربي من التهديدات والأطماع المحيطة به من كل جانب، وباعتباره الحصن الذي سوف تتحطَّم على أبوابه جميع التهديدات الإيرانية والغربية الواضحة للعيان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها