النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11887 الأحد 24 اكتوبر 2021 الموافق 18 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

«اليمين» المرتعشة والمسلة و«البراود بويز»

رابط مختصر
العدد 11666 الأربعاء 17 مارس 2021 الموافق 3 شعبان 1442

قد يكون المقال مؤجلاً منذ العشرين من شهر يناير الماضي، بالتحديد منذ حفل تنصيب بايدن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، وقد تكون عقارب الساعة قد تخطت مضامين اللحظة، لكنها على ما يبدو لم تستطع القفز فوق حقائق دامغة، ولم تنجح في تجاوز معطيات شامخة، تماماً مثلما كانت الحالة مستعصية قبل التنصيب، ومنذ اقتحام «الكابيتول» وظهور ما يطلقون عليه بـ«البراود بويز». 

بعيداً عن التجاوزات والتجاوزات المضادة، عن حمى المراهنات، وعن رعشة أدوار النقاهة، فإن مشهد القسم كان يغري بالاهتمام، وكان يستفز الأسئلة، فأمام بايدن جمع غفير من النواب والشيوخ والرؤساء السابقين وكبار المدعوين، وأمامه على البعد من مبنى البرلمان مسلة مصرية مختطفة من أزمنة بعيدة، كان بايدن يلقي القسم على الأمة، من دون أن يعتذر للعملاق المخطوف، وكان يعد الإنسانية بأيام أجمل، وتاريخ الانسانية محتجز في بلاده منذ عشرات السنين، لم تكن الصدفة هي فرصة المسلة «المسروقة» لكي تشكو، ولم يكن حلف اليمين الدستورية دستورياً لأنه كان على مرأى ومسمع من 7 الاف سنة وهي تبكي على وطنها الأصلي، وتصرخ من أعماق قلبها، ومن صميم حجارتها، لا تصدقوا هذا الرجل، فهو يعرف أنني لست أمريكية، وأنني لست من صنع يديه أو من انتاج بني جلدته، ولأنني لا أوافق على تلك المكانة الوهمية والتي وضعني فيها قوم لا يؤمنون بحق ملكية الأثر، ولا يكترثون براحته والثلوج تغطيه من أعلى حرف هيروغليفي إلى أدنى جملة مفيدة مرسومة فوق جرانيت لم يعف عليه الزمن، ولم تعاقبه عوامل التعرية، ولم تحدد اقامته اجراءات منع السفر على الطريقة الأمريكية. 

أقسم بايدن بأيام أكثر جمالاً للإنسانية، وهو يؤدي يميناً غير مكترث بآلام الإنسانية، بعذاباتها التي صعدت بجروحها إلى بارئها,ممسكة في احدى يديها مشعلاً من نور، والأخرى تخنق طفلة اسمها الأرض. 

كانت الأجواء لا توحي بانطلاق عهد جديد يختلف عن ذلك الذي دشنه ترامب، ولم يكن الحضور مؤمنا على ما يبدو بأن القادم أفضل، والساعات الحرجة سوف تعود لعقاربها محملة بلحظات سوف يكتبها التاريخ بأحرف من نور، فالأسطورة «المسلة» التي لم تنحن ولم تصدق، ولم تبتسم بروتوكولياً، حتى لحظات التنصيب، لم تجف دموعها،،لم تخف احتجاجها على وضعها المهين المفروض فرضاً لا اختياراً، والمفهوم سلفاً لا إجباراً، المسلة مختطفة شئنا أم أبينا، والمسلة تعيش في أجواء، ومع أصدقاء، وفي معية بشر لا ي‭}‬منون بحقوق الملكية، ولا حرية التفكير،أو سماحة التدبير، ولا يكترثون بأن للأحجار القديمة قدسية، الأزمنة القديمة وأن للنقوش المتحدثة باسم أعرق وأعظم حضارة في التاريخ ترفض إلا أن تكون في أحضان وطنها الأصلي الذي صنع أعظم وأعرق حضارة في التاريخ. 

لقد محى الأمريكيون الجدد أبناء الوطن الأمريكي الأصليون المعرفون بـ«الهنود الحمر»، من الوجود، محو حتى آثارهم، معابدهم، خطاهم على وحل المراحل كلها، ولم يتحدثوا عنهم إلا بكل السوء، إلا بكل التجاهل والذم، والتغافل عن مسح أمة من الوجود، وازاحة بشر من قطعة أرض، وإزالة معالم من فوق طريق، لم يكترث الأمريكيون الجدد بأن هناك من سيسأل عن جده الأكبر الذي كان يعيش هنا، ويمشي في الحقول هنا، ويبني ويزرع ويحصد ويحفر في الأحجار الكريمة ها هنا، لم يسأل بايدن ولا رفاقة، ولم يعتذر لا للهنود الحمر، ولا للمصريين القدماء، ولا للمسلة المسروقة، ولا حتى للحكومات المصرية المتعاقبة، ولا حتى للشعب المصري المسكين على أن بلاده وفي غفلة من الزمن قد أعجبتها مسلة فرعونية فأتت بها من وادي النيل وضفافه السمراء، إلى عالم غريب غريب، لا يفهم في لغة الحنو والرحمة والصفح عند المقدرة، لم يفهم بايدن ولم يلتفت ربما للمسلة وهي تكاد تلقي بكلماتها غير المفهومة على شعب غير مفهوم، وهي تحاول أن ترفض الانحناء لأناس لم يحترموا خصوصية شعب، ولا قدسية حضارة، ولا رمزية تاريخ، فصالوا وجالوا وسافروا واقتحموا واختطفوا ما تيسر من آثار، وأزالوا ما تماهي من حضارات، وأبادوا ما ترآى لهم من شعوب. 

بايدن أقسم على القيم الإنسانية أمام رموز الوجع الحقيقي للإنسانية، لكن لم يلتفت إلى المسلة، إلى رأسها المرفوع، إلى قمتها الشاهقة، إلى دموعها النازفة، فأدى اليمين، وودع الحاضرين، وأدار ظهره للجميع معلناً عن عهد جديد، لا يحترم بكل تأكيد كل ممارسات أسلافه رغم حرصه الشديد على عقاب ترامب، والتنكيل بعصره، والغاء كل ما جاء به من قوانين، فلا عزاء للمغفلين، للمتغاضين عن التاريخ، للغافلين عن آماله والآمه ومسلاته، ومعابده، لا عزاء لكل من تسول له نفسه تنصيبه لكي لا يلتفت الى ما لا تحمد عقباه، ولمن لا يعيش اليوم حتى منتهاه، ولم لا يؤمن بأن حق «الخلود» لا يصح ولا تستقيم الا مع حقائق الحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها