النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11724 الجمعة 14 مايو 2021 الموافق 2 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

«اليوم العالمي للمرأة» منعطف تاريخي

رابط مختصر
العدد 11666 الأربعاء 17 مارس 2021 الموافق 3 شعبان 1442

يحتفل شعوب العالم في 8 مارس من كل عام بذكرى «اليوم العالمي للمرأة»، وهذا الاحتفال السنوي يتكرر منذ عام 1908. محطتان في التاريخ النضالي للمرأة تولد منهما شعلة «اليوم العالمي للمرأة»، وهي شعلة خالدة تتغذى كل يوم بل وكل لحظة بجذوة النضال. 

في عام 1856، وهي المحطة الأولى، خرج آلاف النساء العاملات في تظاهرة احتجاجية ضخمة في شوارع نيويورك ضد ظروف العمل اللا إنسانية التي كانت المرأة مجبرة أن تعمل تحت ظلها المهين الذي يهدر حقوقها وكرامتها ويستغل طاقة عملها في العملية الانتاجية. 

لقد تجمع في هذا التاريخ ثلاثة عناصر متلازمة وهي المرأة والمصنع ونمط الإنتاج، أي إنسان في موقع عمل تحت ظل نظام. نمط الانتاج الرأسمالي أدخل المرأة الى المصنع بجانب الرجل؛ لأن نمط الإنتاج الراسمالي يعتمد على العامل الحر، فإن هذه الحرية امتد أثرها الى جميع العاملين في المصنع، رجالاً ونساءً. عمل المرأة بجانب الرجل في مصنع واحد ومن أجل هدف انتاجي واحد وخدمة لسيد واحد وَلَّدَ في ذهنها بذرة لم يكن لها وجود خلال عهود الأنماط الانتاجية قبل الراسمالية، وهذا استقراء موضوعي على مسار التاريخ المادي. 

هذا الحراك الاحتجاجي، غير المعهود تاريخياً، أجبر القادة السياسيين الى طرح مشكلة «المرأة العاملة» على جدول أعمالهم اليومية. فقد برز على ساحة الإنتاج قوة إنتاجية نسائية، جديدة تاريخيًا، موازية ومساوية لقوة إنتاج الرجل، وهذه القوة التي تشترك في عملية الإنتاج مع الرجل من حقها أن تكون حقوقها مساوية لحقوق الرجل. دورها الإنتاجي في مراكز العمل مساوٍ لدور الرجل، ومعاناتها وآلامها وعلاقاتها الإنتاجية مساوية بالكامل مع الرجل. انطلقت صرختها الأولى وهي تحذر وتنذر بأن لها حقوقًا يجب أن تتحقق، وهي لا تطالب بل ستأخذ حقها، لأن في الطلب إقرار بالمذلة، وأن الحق يؤخذ ولا يعطى... تبلورت فكرة الحق في ذهنها، فأدركت أن الحق، حتى يكون حقًا كاملاً، لا بد أن يتساوى مع حقوق الرجل بالكامل، حالها حال الرجل في المصنع وفي المجتمع وفي البيت، أي في الاقتصاد وفي السياسة وفي قانون الأحوال الشخصية. نظرة واحدة من الجميع الى الرجل والمرأة وبذهنية واحدة دون تمييز في الحقوق والواجبات. 

هذا التطور الذهني، الذي يضيف الى الحضارة انسانيتها الناقصة، حفزها للتقدم الى محطة أعلى، وهي تلك التظاهرة العظيمة لألوف من عاملات النسيج في مدينة نيويورك في 8 مارس 1908، في هذه المسيرة الفوق - احتجاجية حملن قطعًا من الخبز اليابس وباقة من الورود، وكانت لهذه الحركة دلالاتها الرمزية، وليس أدل من شعار «خبز وورود» الذي اختارته التظاهرة النوعية التي غيَّرت مجرى التاريخ في طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، وساهمت كذلك في دعم حقوق الرجل. 

شعار «خبز وورود» لم يكتفِ بالحقوق الاقتصادية في عملية الإنتاج والمطالبة بتخفيض ساعات العمل، بل امتد «أين حقي» الى ساحة السياسة بضرورة مشاركة المرأة في القرار السياسي الذي يحرك دفة مصير كيان الدولة، بحق المرأة في الاقتراع وفي الانتخاب. 8 مارس 1908 كان مولد «يوم المرأة الامريكية»، وقد عَبَرَ الأثر التاريخي لهذا الوليد المحيط الاطلنطي ليصل الى سواحل أوروبا، وينتشر في أوروبا كالنار في الهشيم، ومن أوروبا الى بقية دول العالم، ومع تعميم يوم 8 مارس على مستوى العالم كان من حق هذا الوليد الحقوقي أن يرتقي الى رتبة «اليوم العالمي للمرأة». التلقيح الجيني لانعتاق المرأة، أي مساواتها بالكامل مع الرجل، كان في عام 1856 وإعلان الحمل وتأكيده كان في عام 1908، أي خمسون عامًا بين التلقيح والحمل، والبشرية وخاصة نصفها الأنثوي مازالت تنتظر لحظة المخاض بعد 113 سنة من الحمل... مازال الوليد في رحم الزمن... أي إن حقوق المرأة قضية مازالت خيوطها عالقة باشواك معرقلة، والمرأة واقفة على مسافة تفصل بينها وبين حقوقها، ترى حقوقها أمامها وبعد لا تطالها، وهذا يقتضي الاستمرار والمثابرة على النضال وضرب ناقوس «إنه حقي، وحقي سوف آخذه رغم كل الأشواك ومهما طال الزمن»... عندما تستبشر حضارتنا، التي لم يكتمل بعد إنسانيتها، بسماع أول صرخة للوليد المنتظر، أي عندما لا يكون هناك أي فارق حقوقي بين الذكر والأنثى، عندها ترتقي حضارتنا عتبةً على سلم الإنسانية...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها