النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11721 الثلاثاء 11 مايو 2021 الموافق 29 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

محمد الماجد في حفل الليل

رابط مختصر
العدد 11665 الثلاثاء 16 مارس 2021 الموافق 2 شعبان 1442

  • لماجد ينسل بأحلامه من باب الغرف كما ينسل الضوء في مطلع كل فجر،

 

محمد الماجد.. أستاذي الذي سألني ذات ليل من عام 1976 عن أول محاولة قصصية كتبتها: «لماذا عنونت قصتك بالشقاء؟» ومضى في نشرها.. 

أي ليل ذلك الذي يحفل في بهوه الماجد؟ أي غموض ذلك الذي يلف بوهمه وصمته زمنه؟..

ليل تبكي فيه النجوم وترقص الشياطين وتلمع سيوف الأرق، الحفل فيه شبيها بالكرنفال، كرنفال دموع تشبه حبات المطر تبكي كنجم في أفق بعيد، ليل فيه تستوطن مناخات الغربة والتوحد، فيه يتحول الحفل إلى أرصفة من اللآلئ التي تشع منها توهجات الفرح، فيه طقوس غريبة، بل أكثر غرابة من الطقوس الوثنية.

 حفل تتساوى فيه عشرات الأوهام الكاذبة التي تتسامر معها تلك الأزمنة المريضة، يصير الصباح ليلاً، والليل يصير وحيدًا وكئيبًا عندما تهجره الأقمار والنجوم، والحفل باهتًا، منه الشاهد والفاعل وحامل راية النشوة الزائفة، يصبح النعش أسود يُحمل عليه إنسان حي، ليل فيه تاريخ الانسلاخ من كل ما قاله الإنسان في ماضيه وإن كان هذا الليل مكتنزًا بالدفء والحنان، ليل يبحث فيه الماجد عن أوتار جديدة، لأن الأنغام ما عادت تطرب، فيه صوت يشوبه تعب السهرة، وفيه تُجْدل من الأحزان خيوطًا واهية، وفيه يمكن أن تمسك بالحلم وتنام معه في سرير واحد، فيه يمكن أن تذهب الحبيبة كما تذهب جميع الأحلام، والماجد ينسل بأحلامه من باب الغرف كما ينسل الضوء في مطلع كل فجر، يحاول كيتيم القبور سرقة القمر وحدوث المعجزة، ولكنه ليل يخوض فيه الناس بحارًا من الظلام تسرق من اليتيم منحة تواريخ الورد كلها، ليل تنتحب فيه الغابات وتظل الشبابيك مغلقة بسبب زواج قسري أحمق.

حلم ذلك الليل الذي استحال أجنحة مطرزة بأشواق «أورفيوس» وقيثارته السحرية، فيه الروعة والشعور المتدفق والحنين والجنون، فيه أمنية عاشق يود أن يُدفن بين سهوب «نوريليا» ومرتفعاتها الخضراء.

حلم ذلك الليل، ولكن الأسى يلون ضياء هذا الليل بالسواد، سواد يحمل فيه الماجد من فرط عشقه كفنه على كتفه ويقتحم كهف الصمت والغموض.

إنها مأدبة العشاء الأخيرة على بحيرة بجع تشايكوفسكي، حلم أن تتضوع الحسناء جدران الليل بعبير الزمن الآتي، أن يتشكل العاشق من خيوط الليل، أن يبعث عبقًا مشبعًا بطعم الميلاد الأول، ولكنه ألمٌ أن ترقص ألف ليلى ويتوجع ألف قيس، أن يغني الجحيم عندما زُفت نعيمة ومنيرة إلى شيء يشبه الظلام، زفاف فيه طقوس بلا نار، عدا الماجد يترنم بأغنية «أنا وجرحي والزمن».

جرح في قلب الليل، فيه مرايا الزمن مكسورة ونوافذ الروعة مغلقة والرعب ينخر العظام والخدر المريض يتسلق الأجفان المثقلة، والأصيل يقدم استقالته من هذا العالم، والقمر يبكي والنجوم تنوح والسماء تمتنع عن زخ أمطار الأصالة بين البشر. 

ليل يسمى فيه الحب انتحارًا أو عشق اللاشيء، والماجد محاصرًا بين الوهم وبين الخطوط التي يترسم خطاها، ليل الماجد ليل فيه ينهال ضوء النجوم على صدر مجهد ويموت فيه الذي يموت ويدمن الذي يدمن وينفض المهرجان.

رحلة لا جدوى منها، فيها يتسامر الماجد مع الجنون بعد أن ضاعت سفنه وتشرد تشردًا أبديًا.

في حياة خالية من امرأة مثل سونيا، يصبح الظلام خنجرًا مغموسًا في بحار الوسن، تاريخ ضائع ودموع محروقة في أتون الوجع الفاجع، طموحات أحلام بلا ألوان.. 

ليل يمشي على صدر إنسان كالوجع، فيه يحتجب القمر خجلاً من الخيانات التي تتبعثر في هذا العالم، فيه امرأة وعدت ولم تفِ بوعدها، امرأة يعبدها تعيش في معبد الصمت، ليل فيه نوم ووحدة مريرة وفيه عمق السهاد 

وأحضان رياح فاسدة لا تطيق شم أنفاسها الهمجية، فيه ينتحب العاشق في ليلة زفاف على سرير نومه، ينتحر القمر، يجهد الإنسان في بحثه عن بقعة الضوء الحقيقية، تشهق نجمة مجروحة في سماء قرمزية اللون، تحترق حزنا. 

حفل الليل هذا، تجسده الماجد في مجموعته الأخيرة (الرقص على أجفان الظلام)..

أي ليل ذلك الذي دعا الماجد وهو ينحت كلماته لأن يتساءل بمرارة «من يدري.. ربما أهجر العالم كله؟»..

وهل يمكن طرق أبواب هذا العالم بمعزل عن حفل ليل الماجد؟..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها