النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11853 الإثنين 20 سبتمبر 2021 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

رابط مختصر
العدد 11665 الثلاثاء 16 مارس 2021 الموافق 2 شعبان 1442

  • وجدت في هذه الحادثة فرصة ذهبية واستغلال التطورات في المنطقة للوصول إلى أهداف أكثر بُعدًا

 

تطور هائل ومذهل يشهده العالم في مجال الاتصالات، جعلت منه قرية صغيرة جدًا، فلم يعد ما يجري في دولة ما في هذا العالم غير ذي أهمية لدى الآخرين، فهناك الكثير من الدول التي انضمَّت إلى مظلة الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وحركة عدم الانحياز ومجلس حقوق الإنسان وغيرها من المؤسسات والأجهزة الدولية ووقعَّت على احترام مواثيقها، ومن هنا لا بد أن تقوم علاقاتنا الدولية والإقليمية على الأسس الآتية: 

أولاً: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام خصوصياتها. 

ثانيًا: عدم استخدام القوة والعنف في حل المشاكل العالقة وتهديد الأمن والسلم الدوليين. 

ثالثًا: احترام مبادئ حقوق الإنسان وحماية حرية الرأي والتعبير، التي أصبحت شعارًا واسعًا يتطلَّب التركيز عليه بعد أن أصبحت العلاقات الثنائية مع بعض القوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية قائمة على تلك المبادئ والشعارات الفضفاضة. 

في الحالة الخليجية، تمَّ نشر تقرير استخباراتي أمريكي مكرر التفاصيل حول قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وتضمَّن اتهامات ضد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية دون أدلة واضحة وفق ما ذكر أكثر من مسؤول أمريكي من إدارة الرئيس السابق ترامب أو من إدارة الرئيس الحالي بايدن، فذلك التقرير افتقر لأدنى دليل مادي واضح يثبت صحة المزاعم الباطلة التي يتم الترويج لها من خلاله، والتي تسعى بعض القوى السياسية الأمريكية بكل الوسائل لإقحام الأمير محمد بن سلمان فيها ووضعه في دائرة الاتهام! 

فالتقرير لم يكن سوى كلاماً مرسلاً مكررًا دخل جلّه في دائرة التحليل والتقييم والافتراض وبناء الاستنتاجات وفق أحكام ومواقف سياسية مسبقة من المملكة العربية السعودية، وهي مواقف مسيسه أصلاً قبل حادثة مقتل خاشقجي، ووجدت في هذه الحادثة فرصة ذهبية للتعبير عن نفسها واستغلال التطورات الجارية في المنطقة للوصول إلى أهداف أكثر بُعدًا من الهدف المُعلن. 

وهذا الأمر يتطلَّب من دول مجلس التعاون مجتمعة -إن كانت لا تزال مؤمنة بنظامها الأساسي الموقَّع في (مايو 1981م) بيان قمة العلا الاخير - بناء استراتيجية جديدة في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية كفريق واحد، وليس بناءً على المصالح الآنية الخاصة لكل دولة على حدة، فما تتعرَّض له المملكة العربية السعودية ليس ببعيد أن تتعرَّض إليه بقية دول الخليج في فترات قادمة، ففي الاتحاد قوة والتفرّق ضعف، وهذا المبدأ هو الذي ادى ان تكون الولايات المتحدة لتصبح الدولة الأقوى في العالم بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في (ديسمبر 1991م). 

فما يجري في العالم من أحداث هائلة ومتسارعة، وما يستجد فيه من أطماع رهيبة تسعى الدول الكبرى لاقتناص الفرص المناسبة لتحقيقها، لابد أن تواجهه إرادة مشتركة واحدة تحمي الجبهة الخليجية الداخلية من التصدّع، وتساعد في المحافظة على الأمن والاستقرار، وذلك باستغلال الانجازات الحضارية الكبرى التي حققتها دول الخليج في مختلف الميادين والانجازات الحقوقية التي تسير سيرًا معقولاً وعلى درجات متفاوتة تبعًا لظروف كل دولة، والبناء عليها بمزيد من التخطيط من أجل زيادة المشاركة الشعبية في الحكم، وإلاَّ فإن دول مجلس التعاون لن تكون بعيدة عمَّا أصاب دول الاقليم المحيطة بها من فوضى سياسية واضطرابات وتهديدات وحروب خطيرة! 

وبالعودة إلى التقرير الاستخباراتي الأمريكي الذي لم يكن سوى تقريرًا إنشائيًا يهدف بشكل واضح جداً إلى خلخلة أسس العلاقات السعودية الأمريكية الممتدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فإن على الرئيس جو بايدن وصنَّاع القرار في البيت الأبيض إدراك أن (المملكة العربية السعودية) هي أهم حليف استراتيجي للولايات المتحدة على مدى تسعة عقود، وعليهم استذكار جميع الأحداث التي مرَّت على تاريخ الولايات المتحدة، والتي يجب أن تستأنس إدارة بايدن بها في التخطيط لاستراتيجيتها المستقبلية مع المملكة العربية السعودية ومع دول الخليج ودول العالم أجمع، وعلَّ أهمها الآتي: 

أولاً: أدى قيام السعودية بوقف تصدير النفط إلى أمريكا وأوروبا أثناء حرب أكتوبر عام (1973م) إلى حدوث كارثة اقتصادية واجتماعية في الولايات المتحدة، ومن غير المستبعد أن تتكرَّر هذه الكارثة في الفترة القادمة، خصوصًا في ظل التوتر الذي أحدثه التقرير الاستخباراتي المذكور، وارتفاع أسعار النفط، ومن المهم أن تستوعب الإدارة الأمريكية الجديدة أن استقرار الاقتصاد الأمريكي هو بضمان بقاء استثمارات السعودية في أذونات وسندات الخزانة الأمريكية والتي وصلت إلى أكثر من (137 مليار دولار) في (نوفمبر 2020م). 

ثانيًا: يجب ألاَّ تتناسى الولايات المتحدة الأمريكية تاريخها الأسود وفظاعاتها الإنسانية التي ارتكبتها في حق سكان مدينة هيروشيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية، وإبادة الشعب الفيتنامي، وتعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، والمعتقلين في معتقل غوانتانامو، وخطف ومحاكمة رؤساء الدول كرئيس نيكاراغوا (دانييل أورتيغا)، وهو ما يتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان التي تتغنَّى بها في كل محفل، والتي جعلتها من أسس علاقاتها مع الدول الأخرى! 

ثالثًا: التعمّد الأمريكي لاستمرار الفوضى في الشرق الأوسط، باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لأكثر من (43) مرة منذ تأسيس الأمم المتحدة ضد كل قرار من شأنه حماية الشعب الفلسطيني من الانتهاكات الإسرائيلية ومن تدمير الأراضي والمزارع والقرى وتشريد الآلاف من الفلسطينيين، لتظل فلسطين شماعة الدول والأحزاب الإرهابية المتطرفة مثل (إيران، وحزب الله، وحماس) التي تأخذ من (تحرير فلسطين) وسيلة لممارسة أبشع أنواع الإرهاب والعنف والتدخل في الشؤون الداخلية العربية لتحقيق أهداف أعمق وأخطر تهدد أمن واستقرار واستقلال وسيادة جميع الدول العربية دون استثناء. 

رابعًا: التناقض الأمريكي البيّن بين ما تنادي به الولايات المتحدة الأمريكية من ضرورة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وأهمية حماية مبادئ حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، وبين عقدها لاتفاقيات مع حلفائها لمنع محاكمة جنودها العاملين في قواعدها حول العالم حتى على الجرائم البسيطة، فكيف يمكن الإيمان بالقيم الأمريكية العُليا وهي تمارس سياسة حقوقية متناقضة تمامًا مع ما تمارسه فعلاً ضد الآخرين؟! 

فأين نحن من مستجدات تحركات الإدارة الأمريكية الجديدة؟ 

ومن تقرير استخباراتي ملفَّق ضد ولي العهد السعودي؟ 

ومن تعليق بيع الأسلحة الأمريكية للسعودية والإمارات بذريعة مراجعة قرارات الرئيس السابق دونالد ترامب؟ 

ومن التأييد والتعاطف الخفي الذي تبديه أمريكا لإيران رغم سجلها الغني بالإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان، والذي كانت آخر دلائله في (4 مارس 2021م) سحب مشروع قرار من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتوجيه اللوم لطهران بسبب وقفها العمل بالبروتوكول الإضافي الذي يفرض المزيد من الرقابة على البرنامج النووي الإيراني؟. 

أن تشابك العلاقات الأمريكية وتحالفاتها الإقليمية تجاوز حدود الإدراك والاستيعاب، ووصلت إلى درجة معقَّدة جدًا يصعب معها التفكيك والتحليل والقياس، وستستمر إلى مزيدٍ من التعقيد طالما أنها تحقّق المصالح الأمريكية في المنطقة، وستظل الشعوب الخليجية في حيرة وذهول أمام ما تراه من تناقض يصعب تفسيره. 

إلا أن الحقيقة الواضحة هي أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أهم عوامل زعزعة استقرار المنطقة منذ عام (2011م)، فمؤامرة الربيع العربي تتلوَّن حسب الظروف والتغيّرات التي تمرّ بها المنطقة، فخطة (الفوضى الخلاَّقة) ليس لها سقفًا زمنيًا محددًا، بل أهدافًا متعددة واضحة تحت مظلة الهدف الأكبر وهو (إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد) عبر تغيير الأنظمة العربية القائمة دون استثناء وتفتيت الدول على أُسس دينية ومذهبية وطائفية وفق مراحل، وهذا الأمر حقيقةً واقعة وهدف أمريكي مُعلَن منذ (9أبريل 2005م)، وتَشهَد وقائع الأحداث على الحرص الأمريكي على تنفيذه بدقة متناهية. 

فقراءة المواقف الأمريكية وتحليلها يفسِّر لنا كيف انقلب الحليف الأكبر على أصدقائه التاريخيين من أجل إنجاح خطة تغيير (الأنظمة الخليجية) القائمة إلى (أنظمة شيعية) موالية لإيران، وكيف جعل (المصالح الذاتية) بوصلته في علاقاته وتحركاته وتحالفاته، فلا يوجد في قاموس الولايات المتحدة أدنى التفات لمصالح غيرها من الدول في أي بقعة من العالم، والتاريخ يروي شواهد كثيرة على تخليها بسهولة شديدة عن أصدقائها عند تعرضهم لظروف ومتغيرات خطيرة لا تمسّ مصالحها الاستراتيجية، كتخليها عن شاه إيران والرئيس المصري الراحل أنور السادات والرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك والرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي... وغيرهم. 

فإلى متى يظل (الخليج) يبحث عن الودّ الأمريكي؟ 

وإلى متى سيُنظر إلى (الولايات المتحدة الأمريكية) بأنها المنقذ عند الشدائد؟ 

إن واقع الحال يستدعي دول مجلس التعاون القيام بالآتي: 

• المراجعة الدقيقة للعلاقات الخليجية الأمريكية في ضوء التطورات المتسارعة والتهديدات المحدقة بدول مجلس التعاون التي تتطلَّب أن تكون لديها استراتيجية عملية متوازنة ترتكز على مصالحها العُليا التي يجب أن تحكم هذه العلاقات، بحيث تبتعد عن سياسة المجاملة والتردد، وتتوقف عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة كصمام أمن واستقرار للمنطقة، وتفتح صفحة جديدة مع كافة دول العالم التي تحترم سيادة الدول واستقلالها ولا تتدخل في شؤونها الداخلية، وتبحث عن توازنات استراتيجية تتيح لها حرية الحركة التي تخدم مصالحها الوطنية وتحمي استقلالها الوطني. 

• تعزيز الجبهة الداخلية لدول المجلس والدول العربية فورًا، عبر إجراء مزيد من الإصلاحات وتعزيز المشاركة الشعبية في الحكم وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية لمواجهة التحديات والتدخلات الخارجية المتعلقة بهذا الأمر الذي أصبح وسيلة لتحقيق غايات وأهداف سياسية تحت شعاراته الفضفاضة. 

فالاعتماد على الولايات المتحدة كحليف تاريخي واستراتيجي وحيد لأمن واستقرار المنطقة أثبت فشله التام نتيجة الخلط الأمريكي بين (المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية)، و(مبادئ حقوق الإنسان) التي أصبحت ركيزة أساسية في النظرية الأمريكية لعلاقات الصداقة مع دول العالم. 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها