النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11795 السبت 24 يوليو 2021 الموافق 14 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:30AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:29PM
  • العشاء
    7:59PM

كتاب الايام

التونسي محمد عبيد في مشروع المريخ 2020

رابط مختصر
العدد 11653 الخميس 4 مارس 2021 الموافق 20 رجب 1442

 يظل الاستثمار في الرأسمال البشري الاستثمار الحقيقي والإستراتيجي بعيد المدى. ولا يتحقق هذا الاستثمار، ولا يؤتي أكله إلا إذا اجتمعت عناصر عديدة ومتفاعلة: فرص تعليمية متطورة، وإرادة شخصية أو جماعية صلبة، تتحدى عراقيل جمة، وتتجاوز نقاط ضعف أو ثغرات لا بد أن تقف في طريق كل من يسعى لكتابة قصة نجاح. 

تلك هي باختصار فلسفة الإنجاز الحقيقي والنجاح الذي يتحول من حلم إلى حقيقة. وتلك هي القوة الحقيقية في تحويل التحديات إلى فرص والفرص إلى نقاط قوة نتغلب بها على مكامن الضعف فينا فيكون النجاح.. تلك هي قصة نجاح العالم التونسي بوكالة الناسا الدكتور المهندس محمد عبيد.

لم ينزل خبر وكالة ناسا يوم الخميس 18 فبراير 2021، عن هبوط مسبارها المتجول «بيرسيفرانس» على سطح المريخ بنجاح، بردا وسلاما على الأمريكيين أو بعض المتخصصين في مجال الفضاء فقط والذين يعلقون آمالا عظيمة على هذه المهمة الفضائية، وإنما انتظره أيضا وتابعه بشغف وفخر التونسيون والعرب أيضا، فقد توجهت أعينهم إلى هذا الإنجاز، لأنه من بين جيش المهندسين وعلماء الفضاء الذين كانوا وراءه، نجد أحد أهم الكفاءات التونسية في مجال الفضاء وهو الدكتور محمد عبيد، الذي ساهم بشكل كبير وفعال في تطوير المركبة الفضائية التي شقت طريقها صوب «الكوكب الأحمر». 

وقد مثلت مشاركة عالم فضاء تونسي وهو الدكتور محمد عبيد بوصفه نائب كبير المهندسين الميكانيكيين في مشروع «المريخ 2020» التابع لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» قصة نجاح جديدة تنضاف إلى جهود الباحثين العرب عموما والتونسيين خصوصا. وقد حظي هذا العالم التونسي تبعا لهذه المساهمة بثناء واسع، في الولايات المتحدة مؤخرا، خاصة وأنه قد عمل بشكل فعال في تطوير مركبة الفضاء كي تصل إلى المريخ.

وبعد نجاح مرحلة الهبوط على سطح المريخ والمحفوفة بالمخاطر التي تعرف باسم «7 دقائق من الرعب»، اعتبر محمد عبيد نائب كبير المهندسين الميكانيكيين في مشروع «المريخ 2020» أن هذا الهبوط الناجح خطوة أولى، ولكن مهمة الروبوت الأكثر تطورا والأول من نوعه والذي سيبحث عن بقايا بكتيريا أو عن أي دلائل بيولوجية على وجود حياة على سطح هذا الكوكب الأحمر لا تزال طويلة. 

هكذا، كانت همة العالم محمد عبيد تنظر إلى الأبعد تغذيها رغبته في التحدي وتصقلها تجاربه المتنوعة من تونس إلى فرنسا إلى الولايات المتحدة الأمريكية فمن هو محمد عبيد؟ 

ولد التونسي محمد عبيد في مدينة صفاقس، جنوب البلاد، حيث نشأ وترعرع وأخذ تعليمه الابتدائي والثانوي. وبعد تحصله على شهادة الباكالوريا بتونس، انتقل إلى فرنسا ليواصل دراسته الجامعية ويحصل على الماجستير بامتياز سنة 1994. ونظرا لتفوقه في الدراسة، فقد تمكن محمد عبيد من الحصول على منحة للدراسة في مرحلة الدكتوراه بجامعة كاليفورنيا الأمريكية. 

وبعد انتهاء فترة دراسته، عمل في جامعة كاليفورنيا أستاذا جامعيا مساعدا لمدة تناهز العشر سنوات حيث اكتسب خبرة واسعة أهلته للحدث الذي مثل نقلة نوعية في حياته وهو التحاقه بوكالة «ناسا» الأمريكية في سنة 2004، إذ انضم الدكتور محمد عبيد إلى وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» وتحديدا لمختبر الدفع النفاث الذي يعتبر من أكثر مختبرات «ناسا» شهرة حيث يعود له الفضل في نزول رواد الفضاء على سطح القمر خلال حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

ومنذ 2004 إلى اليوم، تدرج الدكتور عبيد من رتبة مهندس إلى أن بلغ رتبة كبير المهندسين لأول مرة في مسيرته عبر مهمة الفضاء «SMAP» في «ناسا»، وقد تمت ترقيته سنة 2014 ليشغل منصب المسؤول عن فريق «الميكاترونيك» بمختبر «الدفع النفاث» بوكالة «ناسا» في أواخر سنة 2016، وتم تعيينه كنائب كبير المهندسين الميكانيكيين بمشروع «المريخ 2020». ومع وصول المركبة الفضائية إلى الكوكب الأحمر، استلم الدكتور عبيد وفريقه دفة قيادة المهمة الفضائية عن بعد، وحطوا بالمركبة بنجاح على سطح كوكب المريخ.

 إن ما وصل إليه محمد عبيد دليل جديد على الكفاءات التونسية والعربية المهاجرة خارج أوطانها ولا سيما في البلاد الغربية، والقادرة على تقديم الإضافة النوعية بفضل ما تتوافر في هذه الكفاءات من خصال علمية ومهارات نوعية، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وإنما ضربنا مثال محمد عبيد هنا لفرادة مساهمته النوعية في مشروع المريخ 2020 لوكالة «ناسا».

 وهنا يتبادر إلى الذهن كالعادة ذلك السؤال التائه في مهب التاريخ: لماذا لا نستفيد من هذه الطاقات العربية؟ لماذا لا تعود للعمل في بلادنا حتى تفيد مباشرة بلد المنشأ؟ 

لقد أثبتت الكفاءات العربية المهاجرة في شتى بقاع العالم رغبتها في تقديم المساعدة وبادرت إلى العديد من المشاريع والمقترحات، غير أن البيروقراطية العربية والحسابات السياسوية الضيقة وضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمي والمشاريع التنموية الحقيقية.. كل ذلك يجبر العديد من هؤلاء المبدعين والباحثين على البقاء خارج بلدانهم لتوفر بنية تحتية علمية تستجيب لتطلعاتهم.

حقا ليس الأمر صعبا، فقط إرادة قوية تحول الميزانية المخصصة للتعليم والبحث العلمي أضعافا مضاعفة.. آنذاك سنعرف من نحن، وماذا يمكن أن ننجز. وحتى يأتي ذلك اليوم، نرفع قبعة التقدير لكل كفاءة عربية داخل الوطن العربي أو خارجه، ونرجو للدكتور محمد عبيد النجاح والتوفيق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها