النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11720 الإثنين 10 مايو 2021 الموافق 28 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

تلميذة في الإعدادية لها وجهة نظر منطقية في جائحة كورونا

رابط مختصر
العدد 11651 الثلاثاء 2 مارس 2021 الموافق 18 رجب 1442

الضيف الخفي المحسوس بقوة وغير المرغوب فيه والذي اطلقنا عليه اسم «كورونا»، يتحكم في سلوكنا اليومي، ويصدر إلينا أوامره دون كلمات ولا بيانات، إنما بالايحاء الكارثي من أثره في ميزان حياتنا بين كفة الصحة وكفة العلة المميتة. من منطلق الخوف على كفة الصحة عند بناتنا وأبنائنا في المدارس والجامعات فضلنا إغلاق أبواب مراكز التعليم وتحمل أعباء التعليم في البيوت (التعليم عن بُعد) تجنبًا للاختلاط الذي هو سبب، بين أسباب أخرى، لانتشار سموم الضيف الخفي. خلال هذه الفترة، التي امتدت إلى العام الدراسي الثاني، صار أولياء الأمور جزءًا في الصف الدراسي وهم يشاهدون بناتهم وأبنائهم يتابعون الدروس أمامهم، وهذه ظاهرة ليست لها سابقة في تاريخ التعليم. بعض الجدات والأجداد كذلك لهم وجود في هذا الصف الدراسي مع أحفادهم. علمت من خلال متابعتي لدراسة أحفادي في البيت، أن حفيدتي فاطمة تعد نفسها لكتابة موضوع إنشاء عن الكورونا، لقد طلب المدرس من التلاميذ في فصله أن يكتبوا أي شيء يدور في ذهنهم عن فيروس كورونا. تلميذة في الخامسة عشرة من العمر وفي المرحلة الإعدادية، لا شك أن موسوعة المعرفة عندها محدودة، وكيميائية الفكر والرأي عندها بسيطة ليس من المتوقع منها أن تلامس مبادئ المنطق من حيث المقدمات وأدوات القياس والاستدلال. طلبت منها أن تطلعني على موضوع الإنشاء بعد أن يقرر المدرس الدرجة التي يستحقها. للوهلة الأولى نظرت إليّ وابتسامة الفخر والرضى تزيّن وجهها البريء الجميل، وبعد برهة قصيرة تحولت الابتسامة إلى نظرة جادة تُوحي بأن طلب الجد واجبًا مضافًا بجانب واجبها المدرسي، ورأت في طلب الجد أنه الواجب الأصعب، ورأت نفسها أمام واجبين... واجب تلبية طلب المدرس أمر عادي معهود، بينما تلبية طلب الجد واجب جديد غير عادي... صورتها التعليمية أمام المدرس معروفة ولكن صورتها أمام جدّها شيء آخر، أضحى طلب الجد عندها تحد أكثر من كونه واجبًا. باشرت في كتابة موضوع الإنشاء وأمامها مهمتان، مهمة الواجب التعليمي وهو كسب درجة تقديرية من المدرس، ومهمة رفع شأنها أمام جدّها بأن «ترفع رأس الجد» وهو يُوحي لها بابتسامة الفخر والرضى أمامها... فحققت المهمتين بجدارة، وحصلت على درجة الامتياز من المدرس ومن الجد.

ماذا كتبت؟ كتبت موضوع «إنشاء مدرسي» أقرب إلى «مقال صحفي»، كلماته بحدود المائتين كلمة، بأسلوب مدرسي ولكن بمنهجية بحثية رغم بساطتها... النَفَسُ البحثي في الموضوع بارز لا غبار عليه. تناولت موضوع كورونا من زاوية تاريخية تغطي فترة مائة سنة بين عامي 1920 و2020، واستعرضت أهم الجوائح التي تعرّض لها الإنسان خلال هذه المائة سنة، واستخلصت من معطيات هذه الفترة والانسان يعالج محنته مع الغزو الفيروسي باستنتاج موضوعي بعيد عن الأماني والرغبات. واضح جدًا أنها استعانت بمعلومات من عدد من المصادر عبر الانترنيت، وعالجت المعلومات والبيانات الرقمية والإحصائية بمستوى ملكتها الفكرية في هذا العمر المبكر. بمعنى أنها بحثت ومن ثم قرأت بتمعن وفكرت واستدلت وفي النهاية استنتجت، وهي بهذا الجهد المركب، رغم بساطته، قد اتبعت منهجًا بحثيًا بامتياز.

فما فحوى ما كتبت؟ أول جملتين: «إن جائحة 2020 ليست أول جائحة تصيب كوكبنا الأرض. لقد مرّ العالم بالكثير من الجوائح على مدى مئات السنين وفي نهاية كل جائحة كان الإنسان هو المنتصر». جملتان بمثابة مقدمة لموضوع الإنشاء، وهي في هذه المقدمة ترفع لواء النصر للإنسان... والمقدمة هي خلاصة «الموضوع البحثي»، وهذا أسلوب متبع من قبل كتاب محترفين عندما يكتبون مقدمات لمواضيع بحوثهم ومقالاتهم. في متن الموضوع تقارن بين الجائحة التي أصابت العالم عام 1920 وجائحة عام 2020، وتصيغ المقارنة بالكلمات التالية:

«لنتحدث الآن عن جائحة 1920 الفيروس الإسباني الذي أصاب 500 مليون شخص وقضى على 50 مليون. فكارثة 1920 كانت أقوى من الفيروس الحالي الذي إلى اليوم أصاب 100 مليون وقضى على 2.2 مليون. فنسبة الوفيات في عام 1920 كانت 10%، أما الآن فنسبة الوفيات 2.2 % فقط. فيروس 1920 استمر لعامين واختفى من تلقاء نفسه فلم يكن هناك تطعيم أو إجراءات لتخفيف حدّته، مما يؤكد لنا أن جائحتنا في طريقها إلى النهاية. فالفيروس المتحور يعني أنه أدرك أنه بدأ بالضعف فطّور من سلالته للتعايش ولكن السلالة الجديدة لا تكون بقوة السلالة الأولى»... بين العام 1920 وعام 2020 اختارت أقوى غزو فيروسي ضرب الكرة الارضية قبل فيروس كورونا، وهذا المنحى في الخيار يقوي حجتها الاستدلالي في الاستنتاج. بعد هذا الاستدلال (المنطقي) تأتي إلى نهاية الموضوع الانشائي بهذه الكلمات التي تعبّر عن رأيها كاستنتاج نهائي: «فبحسب التاريخ و تعايش الإنسان مع كل التحديات من قبل الفيروسات كان الانسان دائمًا المنتصر، وهذا ما سيحدث قريبًا فالكورونا ستختفي ويبقى الإنسان متربعًا على عرش الأرض».

لقد قرات موضوع حفيدتي باهتمام كبير و باعجاب اكبر، وأكثر ما اعجبني وشدني هو اعتمادها احد ادوات الاستدلال المنطقي للوصول الى نتبجة موضوعية، وهذا يدلنا على أن النهج المنطقي هو جزء من المكون العقلي عند الانسان، و انه كالبذرة مغروس في مكمن معين في عقل الانسان، وأن كل ما قام به الفيلسوف ارسطو و المفكرون بعده هو زرع هذه البذرة في تربة الفكر التي أخرجت شجرة علم ومبادئ المنطق... لنستمع الى اطفالنا ونقرأ ما يكتبون من واجبات في المدرسة، فحتماً سنكتشف اموراً تبهرنا وتدفعنا الى تبادل الافكار فيما بيننا ونتعلم من بعضنا، وهكذا نقترب الى بعضنا اكثر فاكثر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها