النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11883 الأربعاء 20 اكتوبر 2021 الموافق 14 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

عبدالعزيز النمش ( أم عليوي )..

الرجل الذي أضاء درب المرأة في المسرح الكويتي..

رابط مختصر
العدد 11644 الثلاثاء 23 فبراير 2021 الموافق 11 رجب 1442

لم يكن يحمل هذا الرجل الممتلئ العريض الطويل القامة سائق الشاحنات الثقيلة في قلبه ودواخله غير امرأة رقيقة وأم حنونة وزوجة مغلوبة على أمرها انتسجت روحها بخفة ظل وجرأة تشاكس حياء الأنثى التي سكنت هذه الروح في أدوارها المسرحية والدرامية التلفزيونية التي اضطلعت بها منذ منتصف الستينيات وحتى نهاية تسعينيات القرن الماضي، وكما لو أن هذا الرجل الذي خرجت من عباءته أو جلبابه هذه المرأة، كان يقدس هذه المرأة التي اختفى وجودها وظلها لفترة ليست بقصيرة من الضوء المسرحي والدرامي إلى درجة تقمصه لروحها ووجودها باعتبارها الكائن الذي ينبغي أن يتعرف عليه جمهور المسرح والدراما التلفزيونية في الكويت والخليج العربي وإن كان في هيئة رجل. 

إنه الفنان الكويتي القدير الكبير الراحل عبدالعزيز النمش، الذي هيّأ بتبنيه لأدوار المرأة في المسرح والدراما التلفزيونية للمرأة الأنثى الدخول في عالم التمثيل في المسرح والدراما بدولة الكويت، ولكنه لم ينصرف بعد ذلك الدخول وكما لو أنه قد تورّط فنيًا بعشقه لأداء أدوارها، بل أنه امتلك جرأة في أدائه لأدوار المرأة تضاهي المرأة نفسها في أدائها للأدوار المسندة إليها، ليحكم بذلك على نفسه ويحكم عليه الجمهور أيضا بأنه الرجل الذي لا تناسبه في المسرح أو الدراما التلفزيونية أدوارا غير أدوار المرأة التي استمر في تقديم شخصيتها حتى آخر عرض مسرحي قدمه وهو (يا غافل لك الله). 

كثير من الرجال في مسرحنا الخليجي قاموا بأدوار المرأة عندما شح حضورها لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد وانغلاق المجتمعات في حينها وعدم تقبلها لفكرة انفتاح المرأة ومشاركتها في الحياة الفنية خاصة، ولكنهم أي هؤلاء الرجال كانوا عابرون في أدوارهم، لم يتمكنوا من الرسوخ فيها 

 

 

والإيمان بها وبفكرة أدائهم لدور المرأة باستمرار متى ما اقتضت الحاجة أو الضرورة، على خلاف الفنان عبدالعزيز النمش الذي ظل مؤمنا بأدائه لأدوار المرأة والتنوع فيها وإجادة مفرداتها الشعبية القديمة إلى درجة دفع ببعض الممثلات من الغيرة من قدرته على استيعابها أكثر منهن وهن النسوة اللواتي يعنيهن شأن هذه المفردات الشعبية أكثر منه، هذا إلى جانب قدرته على تطوير أدواته الفنية لإبرازها في عدة صور هزلية وكوميدية وجادة، وكلما ازدادت قناعة زملائه من الفنانين بأدائه لمثل هذه الأدوار وازدادت قناعة جمهوره العريض بها أيضا، كلما أصبح النمش أكثر رسوخا بهذه الأدوار في أفضية الأداء المسرحية والتلفزيونية التي يقدم هذه الأدوار عليها ومن خلالها. 

هو الفنان الذي يوشك أن يكون الأوحد من بين كل الفنانين الذين قاموا بأداء أدوار المرأة في المسرح والدراما التلفزيونية الذي لم يستغني عنه المخرجون والفنانون الكويتيون حتى بوجود المرأة في أعمالهم المسرحية والتلفزيونية، وقد تقبلته المرأة الممثلة بوصفه امرأة ممثلة بجانبها متمكنة من أداء أدوارها النسائية وليس بوصفه رجلا، وهذه الحميمية الأنثوية تجاهه جعلته أكثر انطلاقا وثقة في أدائه لأدواره بجانبها، ونموذجنا إلى ما نذهب إليه رفيق رحلته الفنية الطويلة الفنان الكوميدي الكويتي الكبير الراحل حسين عبدالرضا الذي جعله أحد أهم ركائز الأداء في كل مسرحياته الكوميدية الساخرة ومسلسلاته التلفزيونية منذ دور النمش الشهير (أم عليوي) في مسلسل (بوعليوي) وحتى أهم مسلسلاته الكوميدية الشهيرة التي لا تزال تعرض في أغلب قنواتنا التلفزيونية الخليجية (درب الزلق) والتي تجلت فيها قدرة الفنان النمش على التنوع في أدواره بوصفه أما وحبيبة وعاشقة. 

وقد استثمر الفنان عبدالرضا كل ممكنات الفنان النمش الأدائية والشكلية، ليصبح مؤديا موازيا في حضوره الكوميدي والارتجالي له ولرفقاء رحلته الفنية الطويلة الفنان سعد الفرج والفنانين الراحلين خالد النفيسي وغانم الصالح والفنان محمد جابر (العيدروسي)، فقد تمتع النمش بصفحتي وجه عريضتين تتيح للماكيير التفنن في لوحتيها بسهولة، فترى (حبة الخال) أو الشامة العريضة التي وسمت هذا الوجه في كل أدائه بارزة على ضفة الفك الأعلى لوجهه والرموش الطويلة المنتشرة الكثة تظلل عينيه الواسعتين الرجراجتين غير المستقرتين اللتين تبدوان عليهما الدهشة والاستغراب والخوف والاستنكار في أغلب الأحيان، بجانب الشفتين المزمومتين 

النافرتان المطليتان بأحمر شفاه فاقع والمتحركتين يمينًا وشمالاً بمؤازرة الحدقتين المتراقصتين، ليشكل هذا الوجه بكل تفاصيل ملامحه وتقاسيمه البارزة التي تتكيء على سطح ماكياج كثيف لامع يبدو أكثر بروزًا في أدائه اللفظي والصوتي الذي يعتمد التمطيط لازمة له، يشكل نموذجًا لنمط محبب في الأداء لا تجده إلا في كاركتر النمش.

هذه الشخصية فيها ما يثير شهية المغرمين بالحس الهزلي الفاقع من أمثال من ذكرت من الفنانين رفقاء الرحلة وخاصة الفنان عبدالحسين عبدالرضا، ومن بين هذه المثيرات لدى الفنان النمش هو تبرجه خاصة إذا استعار شخصية المرأة المتصابية أو الزوجة الأرستقراطية ذات الشعر الأشقر والضفائر الطويلة المستعارة، كما في أدواره بمسرحيات فرسان المناخ وهلو بانكوك وحرم سعادة الوزير، وغيرها، كما يبدو أيضا في أدوار أخرى كذلك وإن كان شخصية غير أرستقراطية، فقط إمعانا في تجسيد المفارقة الظاهرة لهذه الشخصية، هنا تتجلى متعة الفنان عبدالرضا خاصة، وهنا تأخذ الأوفيهات الصارخة مساحتها الواسعة في أدائه وأدواره، ليصبح النمش واحدا من أهم الفنانين الذين جذّوا وحفزوا حس الفكاهة الفاقعة والجامحة لدى الفنان عبدالرضا، خاصة ما إذا ظهر النمش في أدوار أو من خلال حركات يتزاوج فيها الرجل المؤنث بالأنثى المسترجلة، كما هي في عابرات كثيرة من العروض التي شارك فيها بجانب الفنان عبدالرضا. 

هو الفنان الذي جاوزت أعماله الفنية السبعين عملاً تراوح بين المسرح والتلفزيون، وهو الفنان الذي شارك مع كل الفرق المسرحية في الكويت ومثل فوق كل الخشبات في مسارحها، هو الفنان أحبته الكويت وأهل الخليج العربي رجلاً وفنانًا في أدوار امرأة كتبت له عمرًا طويلاً بحضوره على خشبات المسرح وفي الدراما التلفزيونية تجاوز الخمسين عامًا، هو الفنان الذي طالما هناك من يستذكر شخصياته حتى هذه اللحظة من الكبار والأطفال في خليجنا العربي ويحاولون تقليدها أو تسلية جلساتهم الخاصة بها، فإنه فنان سيظل حيًا بيننا، وسيظل نبراسًا أضاء درب المرأة في زمن غيابها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها