النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11651 الثلاثاء 2 مارس 2021 الموافق 18 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

ما زال قدر الإنسان عراكه ضد نفسه.. !

رابط مختصر
العدد 11644 الثلاثاء 23 فبراير 2021 الموافق 11 رجب 1442

الإنسان منذ أن عرف نفسه، بالمعنى الوجودي وليس الفلسفي، وهو يتأرجح ببن ما زرعت فيه الطبيعة من غرائز وما نظمه لنفسه من نهج حياتي، وأخذ هذا التارجح عمرًا مديدًا من الزمن الى ان وصل الى منعطفات فكرية بفعل التراكم الفكري والذي اقتضى منه أن ينتقل من مسار التارجح الى معرفة ذاته بشكل اعمق، وقد ساهم المفكرون والفلاسفة في رسم هذا المنحى، ومن أكثر الاقوال اثارة للاهتمام التاملي هو قول سقراط: اعرف نفسك. «اعرف نفسك» بمعنى تعرف على ذاتك، إذ انه من خلال معرفة الذات يمكن للانسان ان يقترب من الحقيقة، ويتمكن من التمييز بين الخير والشر، وكيف يمكن أن يروض نفسه التي تتحكم فيها الغرائز الطبيعية، وهو بهذا الترويض يستطيع ان يحسن من النظم التي يبتكرها لمنهاج حياته.

في المرحلة الغريزية البحتة كان الانسان في تلاطم مع نفسه دون نظام يحدد خطواته الحياتية ودون هدف يتخطى لحظته الحياتية، بمعنى لا هدف قريب ولا بعيد المدى، فكل فعلة من لحظتها ولأجل لحظتها، ومع التكرار الغريزي وتراكم احداثه تشكلت عنده ملكة التنظيم، ومن كان أقدر وأسبق على التنظيم كان يملك ناصية القوة والسيطرة.

 خلال المرحلة التنظيمية حدث تحول نوعي في علاقة الانسان بالانسان من حالة التلاطم الى حالة الغزوات المتبادلة والممنهجة وباهداف محددة، ولكنها كانت اهداف قريبة المدى. عندما تخطى الانسان خطوط التنظيم الى آفاق الفكر الأوسع و الأعمق لتنظير التنظيم تولد في المجتمعات أناس ذوي قوة في الملاحظة وربط الاشياء و الاحداث، بعضها ببعضها، واستنباط ما هو فوق الاشياء والاحداث، فكان ولادة الفكر البحت، او المجرد، وفي مقدمته الفلسفة، وبالمعنى الدقيق حب المعرفة والبحث عن الحقيقة.

والفلسفة بحر بين هادئ ومتلاطم وهائج، وما زالت امواجها تعلو عهدًا بعد عهد والى يومنا هذا. الملاحظ من هذه المسيرة، التي يزيد عمرها على العشرة آلاف سنة، أن عنصر العراك (التلاطم والغزوات والحروب) هو الملازم الاصيل للانسان دون فكاك، و كأنه فرض عين على الانسان فرضته الطبيعة بادواتها الغريزية التي غرستها في البرناج العقلي والنفسي للانسان، ومن الملاحظ كذلك، وهذا هو الأسوأ والأخطر، هو ان الانسان مع كل خطوة يخطوها في مسار التحول النوعي، من الغريزي الى الفلسفي، فان العراك بين الانسان والانسان يزداد حدة وسعة بمعدلاتِ متتاليةٍ هندسية. بموازاة هذا التحول، من الغريزي الى الفلسفي، عرض المفكر الامريكي لويس مورغان المتخصص في علم الانثروبولوجيا في كتابه القيم «المجتمع القديم - Ancient Society» ثلاث تشكيلات تاريخية متتالية للمجتمع البشري و هي المجتمع الهمجي والبربري والحضري، اي الانتقال من الهمجية عبر البربرية الى الحضارة، على أن الحضارة هي ارقى المجتمعات. الملاحظة السابقة تنطبق بالكامل على هذه التشكيلات الثلاث، اذ انه مع كل خطوة نوعية لاحقة يكون عنصر العراك أشد وأوسع، وبالنتيجة المعانات البشرية اكثر دمارًا وأعمق جرحًا.

مع بزوغ فجر التنوير بعد ولادة النهضة الاوروبية توسعت دائرة الفكر وتعمق الفكر وتعددت المدارس الفكرية والاتجاهات الادبية والفنية بأنواعها، ومعظمها إن لم يكن جلها كرست ومازالت تكرس جهودها وإنتاجها الفكري والابداعي من أجل السلام وإغلاق ملف العراك واجتثاث جرثومة العراك (النزاع) من البرنامج الغريزي المغروس في عقل ونفسية الانسان... إلا أن رياح العراك ما زالت تجري بما لا تشتهي نزعات الفلسفة و الفن... الفيلسوفان برتراند راسل الانجليزي و جان بول سارتر الفرنسي شكلا محكمة (فكرية)، أثناء الحرب الفيتنامية عندما كانت الطائرات الحربية الامريكية تقصف قرى و مدن فيتنام الشمالية على مدار الساعة دون توقف، من أجل محاكمة الجناة (الامريكان وحلفائهم) في تلك الحرب التي كانت الماكينة الحربية الامريكية، وبقرار من قيادة ديمقراطية متحضرة! تعبث بالانسان والارض وبالاخلاق، وكانت المحاكمة المعنوية صرخة بأعلى صوت الفلسفة الانسانية من أجل ايقاف جرائم الحرب ضد البشرية... لكن الحرب لم تنتهِ، بل هرب دعاة الحضارة من أعلى سقف السفارة، وغيّرت الحضارة الامريكية وجهتها ومشاريعها الحربية الى بقاع اخرى من العالم، الى ان وصلنا اليوم الى تهديدات متبادلة باستخدام السلاح النووي.. بالأمس كان السلاح النووي بهدف الردع، ولكن بعد إغلاق الملف السوفييتي تحول الردع الى ابتزاز، مما اضطرت بعض الدول المقتدرة الى التفكير جديًا في امتلاك اسلحتها النووية بغية ردع الابتزاز النووي، فاصبحت الهند وباكستان كوريا الشمالية دولاً نووية، وقد سعت العراق وليبيا لتطوير سلاحها النووي، وتسعى اليوم ايران ودول اخرى الى امتلاك سلاحها النووي. النووي في طريقه الى الانتشار. يبدو، بعد اتساع دائرة الانتشار، أنه أصبح جزءًا حربيًا من العولمة، وأن ضربة نووية قد تنفلت، وهذا محتمل غير مستبعد، في اية لحظة، بفعل حسابات خاطئة أو مخاوف تقتضي المغامرة... وعندها قد لا يبقى بعد الحادث حديث.

عهود ما قبل الفلسفة والحضارة، أي عهود الغريزة والتنظيم البسيط وعهود الهمجية والبربرية كانت أرحم على الانسان من عهد الحضارة، ووأضح ان الحضارة تخطو خطوات متسارعة الى إطفاء شعلتها وحرق أسيادها..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها