النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11724 الجمعة 14 مايو 2021 الموافق 2 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

عن أي شرق أوسط يتحدثون؟

رابط مختصر
العدد 11638 الأربعاء 17 فبراير 2021 الموافق 5 رجب 1442

لم يبرز مفهوم منطقة الشرق الأوسط كمفهوم جيوسياسي إلى حيز الوجود إلا بعد الحرب العالمية الأولى. وكان ذلك في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية، تلك الإمبراطورية التي بسطت نفوذها على منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا وحتى أجزاء من أوروبا الشرقية بل أنها في فترة من فترات أوج قوتها وصلت قواتها إلى أسوار مدينة فيينا في النمسا.

اتخذت تلك الإمبراطورية من الإسلام ذريعة للسيطرة على العالم العربي بشكل خاص، ومع ذلك بدأ الوهن والهزال يدب في أوصالها الهرمة مما جعل الأوروبيون يطلقون عليها رجل أوروبا المريض. وقد أدركت الإمبراطوريات الأوروبية في ذلك الوقت، المتمثلة في فرنسا وبريطانيا، هذه الحقيقة و بدأتا تستعدان للقضاء على إمبراطورية بني عثمان وتحجيمها إلى رقعة آسيا الصغرى فقط. وفي ذلك الوقت شعرت فرنسا و بريطانيا بضرورة إنهاء فترات الحروب والتنافس فيما بينهما وتنبهت إلى ضرورة فتح صفحة جديدة تعتمد على التعاون وتقاسم المكاسب بدلا من العداء والتنافر فكانت نتيجة هذا الشعور أن أبرمت بينها اتفاقا في عام 1904 أطلقتا عليه «الاتفاق الودي» L’Entente Cordiale الذي انهى تلك الفترة القلقة من تاريخ البلدين وبدء فترة الانسجام والتفاهم المؤدي إلى التنسيق وتقاسم مناطق النفوذ.

ظهرت تسمية الشرق الأوسط نتيجة لموقعه من أوروبا التي هي بمثابة المركز في العالم وتتحدد بقية الأجزاء من الكرة الأرضية تبعاً لموقعها من هذه القارة. ومن هنا كان الشرق الأوسط أو الأدنى والشرق الأقصى. وظل الشرق الأوسط الذي يشمل الشام و الجزيرة العربية وحتى إيران مناطق نفوذ لكل من فرنسا و بريطانيا بموجب اتفاق سايكس - بيكو الذي أبرم قبل مائة عام من الآن سنة 1916 والذي بموجبه تم تخطيط الحدود وإقامة الدول وتقسيمها بين هاتين الإمبراطوريتين الاستعماريتين حتى نهاية الحرب العالمية الثانية التي آذنت ببدء تصفية الاستعمار وبروز القطبين الأعظمين: الولايات المتحدة و الاتحاد السوفييتي الذين ساعدا على تحجيم إمبراطوريتي بريطانيا وفرنسا الاستعماريتين خصوصًا في أعقاب حرب السويس التي شاركتا فيها مع إسرائيل في ما عرف بالعدوان الثلاثي على مصر. كما أن إعلان بريطانيا في بداية السبعينيات عن نيتها الانسحاب من منطقة الخليج العربي أو ما أطلقت عليه شرق السويس لإنهاء وجودها هناك.

وبانتهاء ونصفية الوجود البريطاني و الفرنسي في المنطقة أحدث هذا فراغاً بوليتوعسكرياً لا بد من ملئه. فكان أن برزت ما أطلق عليه نظرية أو مبدأ آيزنهاور الذي حلت من خلاله الولايات المتحدة محل إمبراطوريتي الاستعمار الأوروبي. وتمثلت الخطوة الأولى في نظرية ملء الفراغ عقد تحالفات إقليمية في المنطقة تتزعمها الولايات المتحدة. وكان أول هذه التحالفات قيام خلف عسكري أطلق عليه حلف بغداد وضم كلا من تركيا ـ العراق ـ إيران وباكستان. وكان الهدف الأساسي لقيام هذا الحلف هو تطويق الاتحاد السوفييتي ومنعه من الوصول إلى مياه الخليج الدافئة، بالإضافة إلى محاربة الشيوعية أو ما كانت دوائر الاستخبارات البريطانية تعرفه بالنشاط الهدام. غير أن هذا الحلف لم يلق استحسان دول المنطقة كمصر وسوريا والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى قيام ثورة 1958 في بغداد وسقوط النظام الملكي في العراق مما أدى إلى نهاية هذا الحلف، الأمر الذي حدا بالولايات المتحدة للملمة أشلاء حلف بغداد وتكوين حلف جديد على أنقاضه أطلق عليه حلف «السنتو» وهو اختصاراً لمنظمة المعاهدة المركزية التي ضمت باكستان، أفغانستان ـ إيران وتركيا بالإضافة بالطبع إلى بريطانيا، أما الولايات المتحدة فكانت عضوًا غير فعال على السطح وإن كانت عضوًا محركًا من وراء الكواليس.

ولد حلف السنتو ميتًا ولم يقدر له الاستمرار طويلاً نتيجة لحرب الأيام الستة بين العرب و إسرائيل و حرب أكتوبر عام 1973 وما صاحبها من ردود فعل أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وبروز منظمة الدول المصدرة للنفط كقوة بدأت الولايات المتحدة والغرب تحسب لها حسابًا وتسعى للقضاء عليها وتفتيتها وشهد عام 1979 بعد قيام الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه نهاية هذه الحلف.

بعد هذه المقدمة وما صاحب العالم من تطورات لعل من ابرزها سقوط الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى وتوحيد الألمانيتين نتيجة لسقوط حائط برلين وإنهاء الحرب الباردة. إلا أن التطور الخطير الذي حل بالعالم تمثل في الاعتداء على برجي التجارة الدولية في نيو يورك كأجرأ عملية إرهابية صبيحة الحادي عشر من سبتمبر 2001. كان هذا الاعتداء بمثابة الهزة التي أيقظت الولايات المتحدة ذلك النمر الجريح وأدى إلى شن حرب انتقامية ضد كل من أفغانستان التي كانت معقلاً لبن لادن وقاعدته، وكذلك الاحتلال الأمريكي للعراق بذريعة وجود أسلحة دمار شامل في العراق كان صدام حسين يخزنها وما صاحب هذا الاختلال من سقوط لنظام صدام الذي دام حوالي ثلاثة عقود من حكم مطلق ليتحول إلى حكم طائفي على أنقاض تدمير شامل لبلد كان ينعم باستقرار سياسي نسبي. وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق وجد أكراد هذه الدولة فرصتهم السانحة إقامة دولة كردستان العراق التي كانت بمثابة الخطوة الأولى نحو تقسيم هذا البلد وبداية البداية لتقسيم دول عربية أخرى.

إن اهتمام الولايات المتحدة بهذه المنطقة، كما سبق القول، يعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضي في أعقاب التنافس بينها وبين بريطانيا على استغلال حقول نفط المنطقة التي يوجد بها مخزونات واحتياطيات هائلة من هذه الثروة. إلا أن الاهتمام الحقيقي بالمنطقة برز في الخمسينيات بعد فضيحة العدوان الثلاثي على مصر ووراثة أملاك الامبراطورية البريطانية التي أصبحت بالتالي مناطق نفوذ أمريكي من خلال إقامة تحالفات استراتيجية مع دول المنطقة خاصة تركيا وإسرائيل.

وبعد احتلال العراق وضرب أفغانستان انتقامًا لأضخم وأخطر حادث إرهابي تتعرض له الولايات المتحدة، بدأ مخططوها الاستراتيجيون يضعون الخطط التي تهدف إلى إعادة رسم وتشكيل خريطة الشرق الأوسط. ومن هنا كانت بداية ما أطلق عليه بالشرق الأوسط الجديد الذي لم يعد مقتصرًا على المناطق القديمة في غرب آسيا بعدما أضيف إليها شمال أفريقيا أيضًا. فأصبح هذا الشرق يعرف بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو ما عرف بـMENA وهي المساحة التي تمتد عبر قارتي آسيا و إفريقيا من أفغانستان إلى المغرب.

كان أول من بشر بمفهوم الشرق الأوسط الجديد هي وزيرة خارجية جورج بوش الابن الدكتورة كونداليزا رايس، وكان ذلك في شهر يونيو من عام 2006، ويعود لها الفضل في صياغة هذه التسمية بدلاً من «الشرق الأوسط الأكبر».

إن الشرق الأوسط الجديد كمفهوم يستند في الأساس على وجود الولايات المتحدة الأمريكية لقوة أحادية أو قطب أوحد وذلك في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء فترة الحرب الباردة، الأمر الذي جعل من الولايات المتحدة قوة لا يمكن منافستها. ليس هذا فحسب وإنما قوة يحق لها رسم خريطة العالم حسبما تقتضي به مصالحها هي في الأساس. وكان المبشر والمروج لها مجموعة من المفكرين والمخططين المحافظين والأكاديميين في مراكز دراسات وبحوث يمينية ذات توجهات صهيونية. وقد عرفت هذه المجموعة بالمحافظين الجدد.

ويعزا إلى هؤلاء المحافظين الجدد الذين يمكن اعتبارهم بالحكومة الخفية التي تدير السياسات الخارجية للولايات المتحدة منذ ولاية جورج بوش الأب حتى الآن. فهذه الحكومة الخفية تعمل في الظل بغض النظر ما إذا كان شاغل البيت الأبيض ينتمي إلى الحزب الجمهوري المحافظ أو الديمقراطي الليبرالي. وهذا ما تؤكده السياسة الخارجية الأمريكية التي تعتمد على ثوابت غير قابلة للتغير من وضع هذه الحكومة الخفية التي يمكن أن تمتد جذورها إلى حتى ولاية رونالد ريجان.

إن الرؤية التي يستند عليها المحافظون الجدد وتقوم الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تنفيذها لا تتمثل في جعل الولايات المتحدة أقوى وأعظم قوة في العالم وإنما القوة القادرة على رسم وتشكيل خريطة العالم. وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط فإنها ترمي إلى تحويلها إلى منطقة غير مستقرة ومشتعلة بحروب داخلية أو خارجية مع جيران دولها ترمي في النهاية إلى تفتيت وتقسيم المنطقة إلى عدة كيانات. ولا أدل على ذلك مما جرى في السودان الذي تم تقسيمه إلى سودان شمالي وسودان جنوبي و البقية قادمة لمزيد من تقسيم السودان الشمالي إلى أكثر من دولة أيضًا. وهنا لابد لنا من بيان حقيقة على قدر من الأهمية وهي أن الوسيلة التي اتبعتها السياسة الأمريكية تعود إلى نشر ما أطلقت عليه بالفوضى الخلاقة، وهي فوضى عارمة مستمرة تسعى إلى تدمير دول المنطقة قاطبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها