النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11693 الثلاثاء 13 ابريل 2021 الموافق غرة رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:56AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:00PM
  • العشاء
    7:30PM

كتاب الايام

زواج القاصرات: إلى متى هذا الإرهاب ؟!

رابط مختصر
العدد 11637 الثلاثاء 16 فبراير 2021 الموافق 4 رجب 1442

  • زواج القاصرات نمط فريد مقزّز من الجريمة تتجمّع فيه كل أشكال الجريمة

 

عنوان خبر، بكلمات غامقة كبيرة، فوق صورة فتاة صغيرة محجبة ترضع طفلاً، وتحت الصورة اسطر تجمع كلمات الخبر. الصورة بحد ذاتها، دون عنوان ولا كلمات هي لب الخبر، وهي أصدق وأوضح وأبلغ تعبيراً عن الواقع المخزي والمزري الذي أفرز الخبر. عنوان الخبر: «زواج القاصرات: أكثر من تسعة آلاف فتاة يتراوح أعمارهن بين العاشرة و الرابع عشرة سنة تم تزويجهن في ثلاثة أشهر، خلال صيف عام 2020»، ومصدر الخبر هو «مركز الاحصاء الايراني»، وجريدة فرنسية تعقب على الخبر في مقال مطول. يفيد هذا المصدر بان زواج القاصرات (أعمار أقل من 15 سنة) في ازدياد، و كيف ان البرلمان الايراني، بدعم من الحكومة الاسلامية، لا يرى في ذلك ضيرًا، طالما أن الأمر لا يتناقض مع الشريعة الاسلامية، اضافة الى هذا الموقف البرلماني، ذي النفس العقائدي المفرط في التطرف، فإن البرلمان اقترح وشجع على زيادة قروض الزواج. الصورة المحشورة بين العنوان والمقال تنطق بصمت... فتاة لا يتعدى عمرها العشر سنوات وحجاب يستر شعرها !!! (شعر الصبية عورة !!!) متربعة على الأرض، وطفل رضيع في حضنها ترضع من ثديها، وخلفية الصورة رجل كامل البنيان بارز الفحولة جالس على كرسي منشغل في أمر بينه وبين نفسه لا يعبأ ولا يعي بما فعله من جريمة اغتصاب البراءة من طفلة و حرمها من طفولتها وبراءتها وابتسامتها وجمال ضحكاتها،هذه الجريمة أطفأت نور البراءة من وجه الطفلة الأم، وحولت وجهها الى ملامح من شرر تحمل حقداً و غضباً ورغبة في الانتقام، و هناك حشد آخر من براءة الطفولة المغتصبة، في ربوع العالم الذي يشرعن زواج القاصرات، تتحول وجوهها من نور البراءة الى ظلمة القهر والألم والعجز والرغبة في الانتحار... زواج القاصرات نمط فريد مقزز من الجريمة تتجمع فيه كل أشكال الجريمة وتتميز بافعال إجرامية لا يمكن وجودها في جميع أنواع الجرائم الاخرى. هذه الجريمة المتفوقة على جميع الجرائم تترعرع وتنتشر وتشرعن تحت سطوة السيادة وسلطة السياسة. اسباب هذه الجريمة المفرطة تنسب الى الجهل والفقر، بينما هناك حالات في جميع المجتمعات يكون الفقر والجهل في منأى من هذه الجريمة، وهذا يؤكد بأن هناك جرثومة تضاف الى الفقر والجهل لتفعيل هذه الجريمة... زواج القاصرات ارهاب علني لا يتعرض مرتكبوها لأية مساءلة او معارضة، أمام أعين السلطات والناس اجمعين، وهو ارهاب قائم بذاته، وهو من أبشع وأشد أنواع الارهاب فتكًا وعنفًا وإذلالاً، حيث إن الضحية تغتال كل يوم، و كلما اغتيلت تعود اليها نفس الحياة دون إرادتها ليتم اغتيالها من جديد، وفي الاشهر الاولى من الزواج (غير الشرعي بحكم عدالة الطبيعة) يتم اغتيالها مرات عديدة في اليوم الواحد... جريمة من أبشع أنواع الجرائم بين الانسان والانسان.

إن لعبة الأمم على ساحة السياسة تعبث برباط الانسانية بين الانسان والانسان، ويبدو أن جريمة الانسان بحق أخيه الانسان، هي انسانيته (النقيض من الانسانية التقليدية البريئة) التي مازالت في كامل صلاحيتها، وإن أمد هذه الصلاحية غير معلوم، ولا يملك الانسان الارادة الكافية والفاعلة لابطال هذه الصلاحية. الانسان مع هذه الصلاحية التي تجيز له، ذاتيًا وموضوعيًا، الاستمرار في انتهاك حقوق اخيه الانسان واخته الانسانة وأطفال بني جنسه، فإن انسانيته التي يتشدق بها ليست سوى أكذوبة خادعة يواري (يبرر) بها سوءته، يكفر بها خطيئة استعدادًا لخطيئة تالية، وهكذا دواليك من الخطايا والتكفير، فطالما الخطايا باقية فإن التكفير لازم، وهما متلازمان حتى لا ينتهي عهدهما.

وأكثر الخيوط بشاعة في هذا الرباط (رباط الانسانية بين الانسان والانسان) هو استعباد الكهل الذكر للطفلة في عز النهار وبحجج شبقية !!! واهية تتمسك بتقاليد بالية ومفاهيم همجية ونفوس قاسية كالصخر، وجل الحجج الذكورية تعود الى ماضي الماضي ما قبل وعي الانسان لانسانيته، ما قبل أن يعي الانسان ذاته في صيرورته الجمعية... مازالت تتوالى علينا أخبار متواترة، من نصوص وصور، تعكس واقعًا بشعًا ومؤلمًا تسحق فيه الطفلة تحت سنابك فحولة طائشة، ومازالت الطفولة تُحْرَمُ من حياة طفولتها، والأكثر إيلامًا إن الانسانية المتحضرة ! تقف عاجزة بين اللامبالاة والنفاق (خاصة السياسي)...

مع موجة التراجع الثقافي والفكري بأبعادهما النقدية في العالم العربي والاسلامي، فإن معدل زواج القاصرات في تزايد مطرد وخاصة في السودان وايران وباكستان، وحقوق المرأة عامة والطفلة خاصة تتعرض لانتهاكات وقحة وتحت حجج وذرائع ومبررات واهية، ولكن يبقى السبب الرئيس هو في الجهل والفقر من جهة، والتجهيل والإفقار من جهة أخرى، مع مباركة غير معلنة من النفاق السياسي على مستوى المؤسسات الدولية و على راسها منظمات الامم المتحدة التي، رغم القرارات والمواثيق الدولية الملزمة، تدس رأسها في تراب النفاق، ومن النفاق عَلَّ وعسى...

حقوق الطفل لم تكن غائبة عن أذهان أهل الفكر والضمير فقد احتلت أهمية كبيرة في مسيرة الاتفاقيات والمواثيق الدولية، حيث ظهرت فكرة أحداث منظمة عالمية لحماية الطفولة عام 1913، وبعد ذلك تم انشاء لجنة لحماية الطفولة عام 1919. عصبة الأمم، بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب العالمية الاولى، اعتمدت إعلان جنيف لحقوق الطفل عام 1924. بعد الحرب العالمية الثانية تم تأسيس اليونيسف عام 1946 قبل إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ليتم إعلان حقوق الطفل عام 1959، والسنة العالمية لحقوق الطفل عام 1967، وكان الإنجاز الأهم هو صدور اتفاقية حقوق الطفل عام 1989 وبصدور القرار رقم 52/ 106الخاص بالطفلة عام 1979... أكثر من مائة عام والانسانية المتحضرة !!! لم تحرك ساكناً لتفعيل قراراتها ومواثيقها...فما قيمة كل هذه الاتفاقيات والمواثيق اذا كان الارهاب ضد الطفولة في ازدياد يومًا بعد يوم... إنها جرثومة النفاق السياسي الذي يضع المصلحة الانانية الضيقة فوق كل اعتبار انساني وحقوقي وطبيعي...

ليس من الانسانية اغتصاب طفلة، وليس من العدل اغتصاب طفلة، وليس من الطبيعي اغتصاب طفلة... إذاً فبأي عقل (فكر) وقلب (دافع) يُفْرَشُ السجاد الأحمر لهذا الارهاب الأسود ؟!!!...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها