النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11696 الجمعة 16 ابريل 2021 الموافق 4 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

بعد قرن ونصف.. الرئيس أبراهام لنكولن يهان في مزاد علني

رابط مختصر
العدد 11630 الثلاثاء 9 فبراير 2021 الموافق 27 جمادى الآخرة 1442

المشاهير في التاريخ، وخاصة سادة السياسة وفرسان الحروب وأبطال الرياضة، يجتذبون مشاعر عامة الناس إليهم بدرجات متفاوتة وبأنماط مختلفة. من إفرازات هذه المشاعر المسحورة بالمشاهير أن مقتنيات المشاهير تكتسب أهمية خاصة مثلها مثل التحف الفنية وقطع من الآثار القديمة، فيتهافت المقتدرون ماليًا على شراء تلك المقتنيات في دور مزادات وبأسعار خرافية، وكأن عملية البيع والشراء أشبه بمسرحية خيالية بعيدة عن الواقع، عالم اسطوري في زمن ما بعد الاساطير. بعض المقتنيات، وهي الاكثر اثارة وغرابة، هي أجزاء من جسم الانسان الشهير، وخاصة الجزء الذي لا يتلف مع الوقت ولا يتحلل مثل الشعر. حديثًا اشترى أحد أباطرة الثراء في امريكا خصلة شعر طولها 5 سنتيمترات ملفوفة بورقة برقية ملطخة بدم بأكثر من 80 آلف دولار في دار للمزاد في مدينة بوسطن الامريكية. خصلة الشعر تم قصها من رأس الرئيس الامريكي ابراهام لينكولن أثناء فحص جثته في المشرحة بعد اغتياله وهو مع زوجته في منصة يشاهدان مسرحية هزلية. مسرحية المزاد مثار اهتمام شريحة من الناس وعدم مبالاة الأكثرية واستنكار قلة ممن يرون فيها هدرًا للمال واستهتارًا بالناس وخاصة اؤلئك الذين يحرقون ساعات يومهم من أجل تلبية أبسط حاجاتهم المعيشية، وأنا شخصيًا لا يسعني إلا أن أضم صوتي ومشاعري الى الرافضين لمسرحيات فيها إهانة لكرامة الانسان. رغم أن مسرحية المزاد تتفاوت تجاهها المواقف والاراء، إلا أن صاحب خصلة الشعر لا ناقة له فيها ولا جمل، وليس هو المقصود بالاستنكار في مسرحية تبعد عنه أكثر من قرن ونصف من الزمان، ولا أستبعد أن إنسانًا بمستواه أن يكون من الرافضين لمسرحية تتهزل (تجعله هزلاً) بمكانة الانسان ولا تعبأ بمعاناته. بيع خصلة شعر لإنسان عظيم، مثل السيد ابراهام لينكولن، لا يحمل أي معنى من التكريم او الاحترام له، بل النقيض من ذلك، وكأنه معروض للبيع في سوق النخاسة، اذ أن خصلة الشعر ترمز اليه في شخصه، يُباع ويشترى مثل العبيد الذين حررهم من الرق، لكن عندما يفيض المال على حاجات مالكه ويغرقه فيه فإن العين تتلهى والبصيرة تعمى والحكمة تتوارى خوفًا من خدش كرامتها. ما كان لهذه الخصلة من شعر ابراهام لينكولن أن تُباع في سوق نخاسة المزاد لولا دوره في تحويل الولايات المتحدة من طور أدنى الى طور أعلى، من نظام الرق الى نظام الأحرار والذي تمخض عنه جريمة اغتياله، فلو كان قد مات ميتة طبيعية، كأسلافه ولاحقيه من الرؤساء، لما استحوذت خصلة من شعره او جزءًا من جسمه هذا الاهتمام غير المهم ويعرض في مزاد النخاسة. إن هذه المسرحية الفوق هزلية والتي يتبارى على خشبتها أباطرة المال قد ألحقت إهانة كبيرة ومخزية بحق إنسان له مكانة تاريخية مرموقة.

الرئيس الامريكي السيد ابراهام لينكولن يحضى بمكانة مميزة بين جميع الرؤساء السابقين واللاحقين الى يومنا هذا، ويحضى كذلك بمكان مرموق في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية، وخاصة فيما يتعلق بإنهاء العبودية وازدهار الصناعة. التحول من الرق الى تحرير العبيد، ومن ميزان اقتصادي بين الزراعة والصناعة، أي بين أسلوب عبودي للإنتاج (الزراعي) وأسلوب رأسمالي للإنتاج (الصناعي)، مرَّ عبر حرب أهلية دامت أربع سنوات وأكلت نيرانها حوالي 750 ألف قتيل ودمرت نسبة كبيرة من البنية التحتية، وفوق كل هذا تركت شرخًا عميقًا في البنية الوطنية الامريكية، ويبدو أن تبعات آثارها المطمورة مازالت باقية على مسرح الحياة في الولايات المتحدة الامريكية، والهجوم الميليشي المسلح من أتباع الرئيس السابق على مبنى الكابيتول ليس ببعيد عن الشرخ الوطني الذي أعقب الحرب الأهلية. عندما قاربت الحرب الأهلية على نهايتها المظفرة للاتحاديين (لينكولن)، وبعد خمسة أيام من استسلام روبرت ادوارد لي قائد الجيش الكونفدرالي لفيرجينيا الشمالية للفريق يوليسيس غرانت قائد جيش الاتحاد لبوتوماك، تم اغتيال الرئيس ابراهام لينكولن. كان ذلك يوم الجمعة 14 أبريل 1865م، ويبدو أن الرئيس المنتصر أراد أن يسترخي ويستمتع ببداية يوم غير دموي، حيث تكون المدافع والبنادق قد أعيدت الى مخازنها او تركت مهجورة في ساحات القتال، فذهب مع زوجته وبعض من أفراد أسرته الى مسرح فورد لمشاهدة مسرحية هزلية. لكن مسدسًا يتيمًا كان محمولاً، بعصبية تشتعل نارًا، بيد أحد المتعصبين من أتباع الكونفدرالية والذي استطاع أن يصعد الى المنصة التي كان الرئيس المنتصر يشاهد منها مسرحية «ابن عمنا الامريكي» الهزلية للكاتب المسرحي الإنجليزي توم تايلور في مسرح فورد. انهزم المستسلم واغتيل المنتصر، انتصر المنهزم لجلده وانهزم المنتصر لجلده. رغم هذا التناقض بين الانتصار والهزيمة في كفتي الفرد والجمع، إلاَّ أن المغدور به قد تبوب مكانًا مرموقًا في التاريخ. في لحظة تشابك فيها الانتصار مع الهزيمة شهد مسرح فورد مسرحية ثانية (تراجيدية) في منصة الرئيس تعلو باحة المسرح الكبير الذي كان يعرض المسرحية الرئيسية (هزلية). المسرحية التراجيدية قصيرة الأمد انهت المسرحية الهزلية وهي في ذروة الهزل قبل أن يختتم الهزل رسالته التي تتشابك فيها علاقات أسرية بين ضفتي الاطلنطي. هناك دائمًا من ينتهز من بين الأحداث فرصًا لغرض، بعيد المدى، في نفس يعقوب، على قاعدة علَّ وعسى. امتلاك خصلة من شعر الرئيس المغتال مع ورقة برقية ملطخة بدمه كانت في يده برقت في عيني أحد الحاضرين أثناء فحص جثة الرئيس، فتمثلت أمامه هذه التركة من جريمة قتل تحفة نادرة سيكون لها ذات يوم قيمة (سعرًا في السوق) تغدق على من يمتلكها ثروة كبيرة. وهذا ما حصل بعد قرن ونصف من جريمة الاغتيال. في زمن خُذِلَتْ فيه القيم، لا يمكن تحسس الإهانة التي الحقتها المنظومة المالية في أمريكا برئيسها العظيم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها