النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11691 الأحد 11 ابريل 2021 الموافق 28 شعبان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:58AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:59PM
  • العشاء
    7:29PM

كتاب الايام

حجب تغريدات الرئيس ترامب المثيرة للجدل

رابط مختصر
العدد 11625 الخميس 4 فبراير 2021 الموافق 22 جمادى الآخرة 1442

«بعد المراجعة الدقيقة للتغريدات الحديثة من حساب [email protected] والسياق المحيط بها -وتحديدًا كيفية تلقيها وتفسيرها على (تويتر Twitter)، وخارجه- قمنا بتعليق الحساب نهائيًا بسبب خطر حدوث مزيد من التحريض على العنف».

جاء هذا القرار الذي اتخذته شركة «تويتر» بعد تغريدتين أطلقهما الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قال في الأولى منهما «إن 75.000.000 من الوطنيين الأمريكيين العظماء الذين صوتوا لي قائلين، (أمريكا أولاً)، و(سوف نعيد خلق أمريكا العظيمة مرة أخرى)، سيكون لديهم صوت عملاق لفترة طويلة في المستقبل. لن يتم ازدراؤهم أو معاملتهم بشكل غير عادل بأي شكل من الأشكال!!»

أما في تغريدته الثانية فقد أكد فيها ترامب عدم رغبته في مغادرة البيت الأبيض بعد انتهاء فترة رئاسته قائلاً: «ردًا على سؤال كل الذين استفسروا، لن أذهب إلى حفل التنصيب في 20 يناير».

وكما جاء في تفسير الشركة لحجب حساب ترامب على تويتر، فإن محتوى التغريدتين «يحث على العنف ويحرض على إشاعة الفوضى في البلاد».

دون الحاجة إلى التيه في دهاليز الجوانب القضائية والقانونية للحكم على من بين يديه الحق في تحديد أسس العلاقة بين شركة «تويتر» والرئيس الأمريكي ترامب، يكفي رفع علامة استفهام ضخمة حول حق شركة «تويتر» في اتخاذ قرار بهذا المستوى تصل صلاحيته إلى تجريد رئيس من مستوى ترامب، وهو رئيس أقوى دولة في العالم من جانب، ووصل إلى كرسي الرئاسة عبر الصوت الانتخابي من جانب آخر. بل إنه حتى عندما خسر الجولة الأخيرة، خسرها بعد أن صوّت له ما يقارب من 75 مليون ناخب. 

القضية التي تثيرها المعركة بين ترامب وتويتر هي كيف يحق لشركة معينة، مهما بلغ حجمها المالي، بل وحتى نفوذها الإعلامي، أن تقدم على مثل هذه الخطوة دون ان يسبقها إشعار صاحب العلاقة الذي هو ترامب، ودون العودة للقضاء؟

أعطت تويتر، اعترفت بذلك أم نفت، نفسها حق المحاكمة وإصدار الحكم، بل وحتى تنفيذه. ومن ثم فليس القصد هنا الدفاع عن الرئيس السابق ترامب، بقدر ما هو الإشارة إلى الفضاء الشاسع الذي بات يملكه ويسيطر عليه نفوذ الشركات التي تملك وتسير منصات التواصل الاجتماعي من أمثال «تويتر» و«فيس بوك»... إلخ. 

القضية الأخرى التي يثيرها قرار «تويتر» هي أين نظام القضاء الأمريكي الذي لم يحرك ساكنا، وبدى وكأنه موافق ضمنا على ما ذهبت إليه الشركة. في مثل هذا الإجراء تحذير خطير ينذر بوصول الولايات المتحدة إلى ما وصفها به الباحث الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه «الدولة الفاشلة إساءة استعمال القوة والتعدي على الديمقراطية». ففيما قامت به تويتر الكثير مما يمكن ان يوصف بتجاوز الحقوق الديمقراطية. هذا إذا اعتبرنا أن الديمقراطية وممارستها على نطاق مجتمعي شاكل تشكل ركنا أساسيا من أركان الدولة الناجحة، وهو ما مثلته الولايات المتحدة منذ أن وضعت الحرب الكونية الثانية أوزراها في منتصف الأربعينات من القرن الماضي. 

فالدول الفاشلة، وفق ما يراه تشومسكي، وينقله ملخص دار النشر العربية للكتاب، هي تلك «الدول غير القادرة أو غير الراغبة في حماية مواطنيها من العنف وربما من الدمار نفسه، والتي تعتبر نفسها فوق القانون، محليًا كان أم دوليًا. وحتى إذا ما كانت الدول الفاشلة تملك أشكالاً ديمقراطية، إلا أنها تعاني من قصور وعجز ديمقراطي خطير يجرد مؤسساتها الديمقراطية من أي جوهر حقيقي. وتشومسكي إذ يستكشف آخر المستجدات في سياسة الولايات المتحدة الخارجية والداخلية، فإنه يميط لنا اللثام عن خطط واشنطن لزيادة عسكرة كوكبنا، بما يفاقم إلى حد بعيد مخاطر نشوب حرب نووية، ويقيم لنا التداعيات الخطرة لاحتلال العراق، الذي أجج غضب العالم وسخطه على الولايات المتحدة، ويدعم بالوثائق سعي واشنطن إلى إعفاء نفسها من كل موجبات المعايير الدولية، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، وأسس القانون الدولي المعاصر، وبروتوكول كيوتو… كما يعاين لنا كيف أعد النظام الانتخابي الأمريكي من أجل إقصاء البدائل السياسية الحقيقية وبما يقطع الطريق على قيام أية ديمقراطية ذات معنى».

هذا ينقلنا إلى البحث عن التعريف الذي بات شائعًا لتصنيف دولة ما أنها تقع في خانة «الفشل». ولعل في تعريف الكاتب رمضان أبو إسماعيل المبسط الكثير من الدلالات الواضحة لمثل هذا التصنيف الذي يعتبر «مصطلح الدول الفاشلة هي الدول التي تفتقد القدرة علي القيام بوظائفها، التي لا يمكن لجهة أخرى القيام بها، أي تعجز عن أن تقوم بإنتاج عوامل استمرارها في إطار حدودها الجغرافية المعترف بها، وهو ما يخلق حالة من عدم الاستقرار داخل إقليم الدولة، ويمثل هذا الوضع تهديدا للسلم والأمن الدوليين».

ويستعين أبو إسماعيل تعاطيًا مع هذا الوضع، باجتهادات «صندوق السلام العالمي» الذي حاول الوصول إلى وضع «مقياس كمي لترتيب الدول الفاشلة تحت مسمي مقياس الدول الهشة (Fragile States Index)، الذي يرتب الدول حسب درجة إخفاقها، وفقًا لمؤشرات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية، وأمنية، وتكون الدولة فاشلة عندما تفقد السيطرة على أراضيها أو جزء منها، أو تفقد احتكار الاستخدام المشروع للقوة والسلطة داخل أراضيها، ومن ثم تعاني تآكل السلطة الشرعية ما يعجزها عن اتخاذ قرارات موحدة وتوفير الخدمات العامة والتفاعل مع الدول الأخرى كعضو كامل العضوية في المجتمع الدولي».

ليس القصد من وراء ما تمت الإشارة إليه إقناع القارئ بأن أمريكا باتت اليوم دولة فاشة أو هشة، بقدر ما كان الغرض لفت نظر القارئ أن الولايات المتحدة فقدت نسبة عالية من بريقها كدولة حديثة معاصرة تسير مجتمعًا ديناميكيا مبدع، بمعنى الاجتماعي لكلمة مبدع. وعلى نحو مواز ظهرت على الخارطة العالمية دول أخرى ليست بالضرورة قوية من الناحية العسكرية لكنها متقدمة على الصعيد الاقتصادي، وناجحة على المستوى الإنساني والقيمي.

هذه الصورة تدعو من يبحث عن نموذج يقتدي به لأن يقيم دولة معاصرة غير فاشلة أن يتأنى ويتحاشى التسرع المنطلق من مسلمات فقدت مصداقياتها، فباتت المراجعة مطلوبة، كي لا نصل إلى نهايات سريعة كانت يومًا ما غير قابلة للنقاش. 

المطلوب هو الرؤية العميقة المنطلقة من بحث علمي محايد، يطمح للتأسيس لمجتمع المستقبل القادم. 

مثل هذه القضايا يثيرها حجب تغريدات الرئيس ترامب التي أصبحت تدعونا للتأمل بعد نبذ التسرع في الحكم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها