النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11799 الأربعاء 28 يوليو 2021 الموافق 18 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:32AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:27PM
  • العشاء
    7:57PM

كتاب الايام

رأسمالية جديدة أم حصان طرواده؟

رابط مختصر
العدد 11623 الثلاثاء 2 فبراير 2021 الموافق 20 جمادى الآخرة 1442

  • من يحدد هذه المعايير؟ من يشرف عليها؟ من يحاسب الدول التي لا تلتزم بها

 

لأول مرة منذ العام 1973 يُحدث المنتدى الاقتصادي العالمي توجهات بيانه السنوي أو ما يسمى Davos Manifesto ليضع مسؤوليات جديدة على النظام الاقتصادي منها البيئة، حقوق الانسان، خطوط الإمداد وأن لا يكون السعي لتحقيق الأرباح على حساب استدامة الموارد وضياع المستقبل. وهذا ما أكد عليه المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى كلاوس شواب Kluas Schwab سواء عبر تصريحاته أو من خلال كتابه الجديد Stakeholder Capitalism والتي ترجمتها الحرفية «رأسمالية اصحاب المصلحة» لكنها تعني رأسمالية جميع الاطراف المستفيدة او المتعاملة. 

أهمية هذا الموضوع هو أن هناك محاولات جدية يجب علينا الاستعداد لها لاعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي وربطه بمعايير يتم تحديدها من قلة محدودة من أصحاب النفوذ والهيمنة الاقتصادية - مثل ما حصل ويحصل مع كبرى شركات التكنولوجيا big tech - تفوق سلطتهم سلطات دول ذات سيادة، وبالتالي حرمان الدول من السيطرة على إدارة شؤونها السيادية بحسب ما يتناسب معها ومع ظروفها واستبدال ذلك بمعايير عالمية يجب أن يلتزم بها الجميع (دول، حكومات، شركات، منظمات وافراد) لذلك نشاهد زيادة جرعة الترويج لنظام اقتصادي جديد مطلوب أن يتبناه العالم كبديل عن النظام الرأسمالي الحالي عند الغرب والذي هو اقرب لرأسمالية المساهمين Shareholder Capitalism والتي روج لها العديد من الاقتصاديين أشهرهم ملتون فريدمان استاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو الذي له مقولة شهيرة يقول فيها «إن المسؤولية الاجتماعية للشركات هي تحقيق الارباح». 

مع أن الحديث عن إعادة تقييم النظام الرأسمالي لم تتوقف خلال العقود الماضية ولاسباب مختلفة إلا أنها في السنوات الاخيرة كانت تُتهم بالفشل؛ لأنها تسببت بزيادة الفجوة بين الاغنياء وبقية طبقات المجتمع بشكل لافت، وظهرت مسميات مثل مجموعة أو فئة الواحد بالمئة الذي يشكلون طبقة الاثرياء جدًا والذين يسيطرون على أغلب ثروات العالم واقتصاده. إلا أن المدافعين عن النظام الرأسمالي كانوا يفضلون التفريق بين النظام كنظرية وبين التطبيق الذي أدى الى ما أسموه الرأسمالية الفاسدة crony capitalism وينسبون فشل «التطبيق العملي» للرأسمالية بشكلها الحالي لتحالف المال والسياسة مما جعلها رأسمالية فاسدة ولا ذنب للنظرية الرأسمالية في ذلك على حد تفسيرهم.

ولكن مع ظهور فيروس كورونا وتحوله لجائحة أدخلت العالم في أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية ولوجستية غير مسبوقة، فشلت أغلب الدول الرأسمالية في إدارة الازمة بينما نجحت بعض الدول التي تطبق أنظمة اقتصادية هجينة تجمع بين الاقتصاد الحر والانفتاح وبين دور الدولة في حماية المجتمع سواء عبر إنشاء شبكات الضمان الاجتماعي او عدم تخليها عن دورها في الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم وعدم خصخصة هذه القطاعات التي تدخل في صلب عملهم، وهذا بدوره شجع الكثيرين للترويج لفكرة استغلال الظروف الراهنة لإعادة برمجة النظام الاقتصادي العالمي تحت عنوان فضفاض يسمونه the great reset واستبداله برأسمالية المستفيدين لتوسيع دائرة من يشملهم هذا النظام عبر وضع معايير ومقاييس وآلية لإلزام الجميع بها وهنا تكمن المشكلة. 

فالأفكار التي يقوم عليها هذا النظام المقترح وأركانه تبدو مقنعة جدا بل انسانية وتهدف لتحقيق المساواة والعدالة بين كافة فئات المجتمع، سواء كانوا أفراد، شركات، حكومات، دول او منظمات أهلية او دولية. ولكن كما يقول المثل الانجليزي الشياطين تكمن في التفاصيل، وعندما ندخل في التفاصيل نجد الكثير من الاشكاليات ومن الاسئلة المفتوحة مثل، من يحدد هذه المعايير؟ من يشرف عليها؟ من يحاسب الدول التي لا تلتزم بها وبالمعايير التي حددوها؟ وهل هي معايير فصلت لتناسب الكل او تصلح لفئة دون أخرى؟

حيث يعتبر المعارضين لهذه النظرية أنها حصان طرواده الذي يستعمل لادخال «الاشتراكية» لدول العالم الحر وأنها واجهة محل تم تزيينها لتخفي ما خلفها، ولكي لا ننجرف خلف هذا الطرح الذي هو أقرب لأسلوب نظريات المؤمرات يجب علينا أن نطلع على المعايير التي يتم الترويج لها في عدة مواقع ذات تأثير مثل المنتدى الاقتصادي العالمي والتي تقوم على أربعة أركان رئيسية هي: 

* مبادئ الحكم (سواء للحكومات أو الشركات أو المنظمات).

* الكوكب (يقصد فيه كل ما يتعلق بالبيئة وتغيير المناخ).

* الازدهار. 

* البشر أو الأفراد. 

النقطة الرابعة على سبيل المثال تتكلم عن وضع معايير تتطلب قدرًا عاليًا من الشفافية والالتزام لكافة المستفيدين stakeholders مثل الحكومات والشركات والمنظمات والتي بناءً عليها يتم تحديد مدى التزامهم بهذه المبادئ وهل يرتفع تصنيفهم ام ينخفض او هل تنطبق عليهم عقوبات ومقاطعة او مزيد من التعاون. 

هذه المعايير تشمل أمور مثل نسبة التوظيف بالنسبة للشركات او التمثيل بالنسبة للحكومات وهل تراعي التنوع في الجنس والعرق واللون والتوجه والأقليات، وهم لا يتكلمون عن تصنيفات تقليدية مثل ذكور وإناث او ابيض وأسود انما أوسع وأبعد من ذلك بكثير، فكل ما اشتملت القائمة على قوائم أكثر تنوع كل ما يرتفع التصنيف وتدخل الدولة او الشركة او المنظمة في الفئة المفضلة وكل ما قلة القوائم كل ما انخفض التنصيف وربما تحصلت على عقوبات. طبعًا ظاهريًا قد يبدو ذلك من المساواة انما في واقع الامر هذا توجيه واضح لفرض التنوع على حساب الكفاءة وعلى حساب الاحقية وعلى حساب الممكن وايضًا التكلفة، فمثلاً عندما تفرض توجهات بيئية معينة لفرض سياسات الطاقة الخضراء كبديل لمصادر الطاقة التقليدية فهذا لا يأخذ بالاعتبار مدى اختلاف مناخ كل دولة وامكانياتها او حتى واقعية استبدال النفط والغاز مثلاً بالرياح او الطاقة المتجددة واستدامتها! 

ممكن أن نتفهم لو كانت هناك دولة تسعى لتطبيق هذه النظرية ضمن حدودها وتحت سيادتها وللدول الاخرى تبني هذا النظام الاقتصادي او غيره لكن ان تكون هذه السلطة الواسعة النفوذ وبشكل يصعب السيطرة عليه في يد منظمات او جهات وليست دول ذات سيادة ولهم السيادة فوق الدول فهذه فوضى ستدخل العالم في صراعات لن تستطيع الدول السيطرة عليها، كما يحصل الآن مع شركات تجاوزت سلطاتها ونفوذها الدول ورؤسائها مثل «تويتر» و«فيسبوك» و«غوغل» و«امازون» فهم يحكمون ويقررون ما يجب او لا يحب ان يقال، ما يسمح لنا مشاهدته وما يجب حجبه عنا، فهم اليوم سلطة «غير منتخبة» عابرة للحدود ولا تملك أي دولة او شعب حق مساءلتهم.

فعندما يضع عدد محدود من المهيمنين على الاقتصاد شكل النظام الاقتصادي ويحددون معاييره وهم من يقرر كيف يدار ومن يُعاقب ومن يكافئ، ويضع عددًا محدودًا من القائمين على شركات مثل تويتر وفيسبوك وغوغل معايير وحدود ماذا يمكن ان يقال او يشاهد وما يجب أن يُحظر، ويحددون ماهي المعايير الأخلاقية المسموح بها وما هي المرفوضة، وتكون لهم الوصاية الكاملة على العالم والشعوب، فعندها تكون الفوضى كاملة ومن غير رادعٍ ولا ضوابط.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها