النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11691 الأحد 11 ابريل 2021 الموافق 28 شعبان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:58AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:59PM
  • العشاء
    7:29PM

كتاب الايام

الإنسانية.. في يومها العالمي..!

رابط مختصر
العدد 11623 الثلاثاء 2 فبراير 2021 الموافق 20 جمادى الآخرة 1442

  • الحذر مطلوب تجاه من يرحّبون بالقيم والمعاني والمبادئ الإنسانية فيما هم يضربونها في الصميم..!

 

يحتفل المجتمع الدولي بعد أيام ولأول مرة ابتداءً من 4 فبراير الحالي باليوم العالمى للأخوّة الإنسانية، وأشد ما نحتاجه خاصة في ظل الظرووف والأوضاع الراهنة هو استحضار مضامين هذا اليوم وكل المعاني والقيم الإنسانية التي نحن أشد ما نكون بحاجة الى التمسك والتذكير بها دومًا، لا سيما امام وقائع نشهدها ونلمسها ونتابعها على مستوى العالم ثقيلة على الأسماع فكيف بالأفعال، وكلها تضرب كل المعاني والقيم الإنسانية في الصميم، ما يجعل هذه المناسبة عميقة المعنى والدلالة..!

مهم أن نشير إلى حقيقة وهي ان البحرين الى جانب السعودية ودولة الامارات ومصر كلهم تقدموا بالدعوة للاحتفال بالمناسبة، ووافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على ذلك تخليدًا لذكرى توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية في 4 فبراير 2019، لتعبر عن الرغبة في حشد جهود مشتركة لمواجهة التعصب والتصدي لخطابات الفتن والكراهية ونشر ثقافة التسامح والسلام والتضامن والعيش المشترك والاستقرار الاجتماعي، وتهيئة بيئة مواتية تعزز الحوار وتحترم التنوع وتعلي القيم الإنسانية على كافة الأصعدة عالميًا واقليميًا ووطنيًا، وجعل من تحقيق تلك الأهداف مسؤولية تضامنية عالمية بين الدول ومنظمات المجتمع المدني الحكومية وغير الحكومية، وهذه خطوة اعقبها الاعلان «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» التي وقعت في ابوظبي في فبراير 2019 حاملة رسالة تضامن إنساني ونبذ التعصب والكراهية، وحرية وحق كل إنسان في الاعتقاد والفكر والتعبير والممارسة، وهي المناسبة التي رحبت بها البحرين عبر كلمة لجلالة الملك أكد فيها أن المملكة ماضية في نهجها الإنساني وإعلاء القيم الإنسانية.

اللافت انه في الوقت الذي نتحدث فيه عن المناسبة والمعاني التي تحملها، وجدنا المنظمة الأممية وهي تدعو جميع الدول والمؤسسات المعنية التابعة لها وللمنظمات الاخرى والمجتمع الدولي الى الاحتفال باليوم العالمي للأخوة الإنسانية، وجدنا في نفس الوقت مدير منظمة الصحة العالمية يلفت نظر الضمير العالمي حين حذر من ان العالم على شفا فشل اخلاقي كارثي فيما يتعلق بتوزيع لقاحات فيروس كورونا «كوفيد-19»، ويدعو الدول والشركات المصنعة إلى مشاركة الجرعات المضادة للفيروس بشكل أكثر انصافًا في جميع أنحاء العالم، كما وجدناه خلال افتتاح الاجتماع السنوي للمجلس التنفيذي للمنظمة وهو يلفت الانتباه الى أن أسلوب أنا أولاً لا يجعل الأكثر فقرًا وضعفًا في العالم في خطر فحسب، بل سيأتي بنتائج عكسية لن تسفر في نهاية المطاف إلا عن إطالة أمد (الوباء)، بل أوبئة، وآفات كبرى تسحق الإنسان ولا تعطي اعتبارًا للأخوة الإنسانية..!!

إضافة إلى ذلك، فوجئنا بمظاهر أخرى عبرت عن مدى القسوة والتوحش التي تزامنت مع انتشار الجائحة، واستثمارها من قبل من احترفوا في تحويل الأزمات الى فرص، هذه المرة استثمروا الوضع الصحي في الإثراء الفاحش، يكفي ان نمعن في ما رصده مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات الذي كشف عن تنامٍ ملحوظ في نشاط الجريمة المنظمة لانتاج أدوية ولقاحات مزيفة تخص وباء كورونا تشكل خطرًا فادحًا على الصحة العامة، ونضيف الى ذلك ما رصدته الشرطة الأوروبية وأصدرت بشأنه عدة تحذيرات من عصابات الجريمة المنظمة التي تحركت لانتهاز الفرصة التي وفرتها الجائحة، كما كشف عن مختبرات سرية في المكسيك انتجت أدوية ولقاحات مزيفة تحمل علامات تجارية معروفة، هذه وغيرها ممارسات لم يراعَ فيها اي جانب إنساني، بل وجدنا أوبئة وفيروسات أيديولوجية تفتك بالبنى الاخلاقية للإنسانية عبر ممارسات وظواهر ومظاهر لا تختلف في شراستها عن جائحة كورونا ان لم تكن اكثر فتكًا منها..! ولعل أمين عام الأمم المتحدة قد عبّر قبل أيام عن شيئ من هذا القبيل حين صرح بأن فيروس كورونا وضع العالم أمام اختبار أخلاقي كبير..!

يمكن إضافة إلى ذلك التذكير بموقف بعض الدول والقوى الكبرى وهي تقوم بالسطو على معدات للتعقيم والتطهير وكمامات موجهة الى دول اخرى، كذلك موقف بعض الأحزاب اليمينية العنصرية في اوروبا وهي تستغل أزمة كورونا لتُصّعد من حملاتها العنصرية ضد المهاجرين العرب والمسلمين والآسيويين المقيمين في أوروبا، وكان مرحبًا به جدًا أن نجد مقابل كل ذلك من رفض جعل إنسانيته مقطعة الأوصال تغرق في الوحل.

ربما كان من غير المتصور ان يحدث ذلك في ظل أزمة عالمية استثنائية غير مسبوقة، وبالقدر ذاته من غير المتصور ان يقوم البعض من مصانع و تجار، وأطباء، وصيدليات ومستشفيات خاصة، واصحاب معامل تحاليل، وغيرهم، باستثمار الظرف الراهن للإثراء على حساب المرضى والمحتاجين للعلاج دون أدنى إنسانية، وبذريعة العرض والطلب وجدنا أبشع أنواع وألوان الجشع والطمع رغم كل الشعارات التي يرفعها البعض بلا حرج عن الضمير والقيم والأخوة الإنسانية، ولا يفقهون أي معنى لها، بل جعلوها سوقًا سوداء للتداول والإثراء والسرقات ولا يهمها ان أصبح الإنسان من فضلات الحياة وحواشيها الرديئة، يكفي أن نتمعن في دلالة خبر نُشر قبل أيام فحواه أن 10 أثرياء في العالم ربحوا 540 مليار دولار في أزمة كورونا..!

إن من بين أهم قيم أي مجتمع هي في قدرته على أن يكون إنسانيًا، او على مقدار ما يضم من افراد حققوا إنسانيتهم بحسن ادراكهم وتمسكهم لمعاني الإنسانية وقيمها والالتزام بها، وجعل الإنسانية قلبها النابض لا عقلها الثرثار، كما قال جبران خليل جبران، و«لكانت الإنسانية سعيدة لو استخدم الناس عبقريتهم في عدم ارتكاب الحماقات بدل ان يشتغلو بإصلاح حماقات ارتكبوها» كما قال جورج برنارد شو. يا ترى هل بات ذلك فرضيات وهمية، وإذا كانت كذلك حقًا فأي منطق يمنع (الوهم) من أن يصبح حقيقة..!!

القيم والمعاني والمبادئ الإنسانية أمور تحتاج الى قناعات تعلو على التكاذب وتغوص في الأعماق، وترفض التعصب وتنبذ خطابات الكراهية وترحب بالتسامح، ولكن الحذر يبقى مطلوبًا تجاه من يتبنون ويدعون ويرحبون بكل ذلك في الوقت الذي نجدهم من المصادر التي تنتج الفرقة وتكرس الانقسام وتعمق حالة التنافر وشحن النفوس تجاه بعضنا البعض، وتقف وراء نمو المشاعر المذهبية والطائفية والاحتمالات المتشائمة عن علم او غير علم، عن قصد او غير قصد، ويبذلون كل ما بوسعهم لتسفيه كل معاني الأخوّة والإنسانية وتضييق أفق المناخات التي تؤدي إلى ذلك، تمامًا كما هو الحال بالنسبة إلى الذين يجهلون أو يتجاهلون أن الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان باتت في عالم اليوم لغة إنسانية مشتركة تجمع بين شعوب الأرض وتوحد آمالها في غد أفضل.

من المؤكد أنه آن الأوان لإيلاء (الأوهام) قسطًا من التأمل الجدي..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها