النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

كنت في المشهد العظيم

رابط مختصر
العدد 11617 الأربعاء 27 يناير 2021 الموافق 14 جمادى الآخرة 1442

كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت «الشرق الأمريكي»، الثامنة مساءً بتوقيت مملكة البحرين، وكان العالم يتابع المشهد العظيم من خلال الشاشات العملاقة وأدوات التواصل، وكأنه يوم الحشر، الديمقراطية الأعظم في الكون أمام الاختبار الرهيب، انفصال وانفصام بين رئيسين، أحدهما يرفض مغادرة البيت الأبيض، والآخر يأتي على أسنة رماح الديمقراطية، مرتديًا حلته الزرقاء القشيبة ومتبخترًا فوق الأحصنة البيضاء للانتخابات الرئاسية «البريدية» الأخيرة.

أحدهما يرفع عشرات القضايا على اللجان الانتخابية في العديد من الولايات، والآخر يشق الكعكة التصويتية الوثيرة ليحصد أكثر من 82 مليون صوت، غوغاء تخرج إلى الشوارع قبل التنصيب العظيم بأيام، تحطم، وتسفك الدماء وتعتدي على الأبرياء، وتقتحم «الكابيتول» أو بيت الحرية أو الكونجرس أو البرلمان العتيد، تهشم، تقتل وتروع النواب والشيوخ والموظفين وحتى رجال الأمن، ينقض خليفة هولاكو بقرني خرتيت، ويجلس مكان الديمقراطية المخضرمة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب، ثم تنقض سيدة مجهولة ألقي القبض عليها فيما بعد وتسرق جهاز الكمبيوتر الخاص برئيسة النواب، إلى جانب أوراق ومستندات في غاية الأهمية للعديد من الموظفين وإداري «الكابيتول»، كل ذلك والرئيس الأمريكي «المهزوم» يحرض مناصريه بخطابات نارية خارج بيت الحرية، ويضرب بيد من حديد مهددًا وملوحًا باستخدام كل صلاحياته من أجل إجهاض «لحظة» التنصيب المهيبة، ومن ثم الفتك بتاريخ الحرية المجيد.

ترامب يدعي بأن تزويرًا قد حدث، وأن فسادًا قد اُستشري، وأن عملية انتخابية لم تحظَ بالشفافية المعهودة، تلك هي اتهامات الرئيس الذاهب إلى الزوال، وتلك كانت المشاهد قبل هطول الحرس الوطني على عاصمة النور والحرية، والإنسان البشري الجديد.

أكثر من 30 ألفًا مدججون بمختلف أنواع الأسلحة، غلق كامل لـ«واشنطن»، حظر تجوال بأمر لا رجعة فيه، وترامب يتجول قبل الرحيل في ولايات الجوار المكسيكي، يتفقد سوره العنصري العظيم الذي يفصل بلاده «بأمة البقايا من الهنود الحمر».

اقترب موعد التنصيب، يوم الحشر الديمقراطي، دقات قلب الكون تتوقف عن الحركة، العالم يلفظ أنفاسه بصعوبة، الخوف كل الخوف أن ينتفض المتطرفون ويخربون العرس الديمقراطي التاسع والخمسين، في التاريخ الأمريكي التليد، أكثر من 230 سنة عسل، سراء وضراء ووحدة، حرب أهلية وشتات بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب، ثم بين الأخضر واليابس، الساحل والصحراء، والسماء والأرض، البر والبحر، إلى أن جاء جورج واشنطن في حلته الوحدوية الملطخة بجميع الألوان والأعراق والعشائر، فيوحد الشتات، ويجمع البلاد، ويطبع دستورًا لا محاصاصات فيه، ولا شقاق، ولا فئوية أو طائفية أو نفاق، الكل سواسية أمام الدستور والقانون، والكل سواسية في الحقوق والواجبات، لا فرق بين هذا أو ذاك، إلا بالعمل، والانضباط والمواطنة الحقة.

وبالفعل وعلى مدار 230 سنة لم يخرج أحد عن النص، حتى لو خرج بعض الموتورين عن السياق، لم يشق أحد ثيابه أو يشهر سيفه، أو يضع خنجرًا مسمومًا في ظهر غريم.

ومضت المسيرة المستنيرة بكل ما يضع أمريكا فوق الجميع، وفي سدة القوة الأعظم بالعالم، وعلى منصات التتويج الأممي في جميع المحافل والمجالات، إمبراطورية لا يُشق لها غبار، ونظام ديمقراطي انتخابي مُحكم ودقيق، من الصعب حلحلة مفاصله، أو تذويب صلابته، أو تهوين مقدساته، أو تهويل واقعيته.

وجاء يوم العشرين من يناير 2021، كنت مثل غيري من أمة بني الإنسان، يجلسون في قلب الحدث، ويتابعونه من شاشات التلفزة العملاقة، الكل قلقون من رصاصة «أوزولدية، كينيدية» طائشة، أو بخبر يقلب موازين القوى الدولية رأسًا على عقب، كنت أتابع كل شاردة وكل واردة حتى خطوات المدعوين ونظرات الرئيس أو زوجته ولفتات النائبة.

البروفيسور الحواج، يتابع معي بقلق بالغ، نحو 200 ألف علم زرع أمام «الكابيتول» في مكان الاحتشاد البشري المعتاد، «العلم قبل البشر أحيانًا»، واستحكامات أمنية ونقاط تفتيش، وسحابة شتاء داكنة تمر بخفة فوق مبنى «الكابيتول»، المدعوون وكبار الشخصيات والرؤساء الأمريكيون السابقون وزوجاتهم وأعضاء مجلس النواب والشيوخ وعدد لا بأس به من الفنانين في مقدمتهم جينيفر لوبيز، جميعهم يشاركون الأمريكيين احتفاءهم بيوم الديمقراطية «الخطير». الكل يتابع وصول الرئيس وزوجته وترامب الراحل يستقل طائرته الرئاسية «الجامبو» مع عائلته إلى فلوريدا تاركًا الجمل بما حمل في البيت الأبيض من دون تسليم أو تسلم للوافد الجديد.

نائبه مايك بنس وزوجته يرفضان مقاطعة العرس العظيم ويكونان في مقدمة المهنئين لبايدن بالرئاسة، جاءت ساعة «القسم»، واقتربت خطوات نائبة الرئيس كامالا هاريس وبين ذراعيها زوجها «المحظوظ».

ثم تأتي اللحظة الحاسمة ويبدأ الموكب الرئاسي في التحرك من المطار الرئيسي حيث تهبط طائرة الرئيس المنتخب «الخاصة» قادمة من ميريلاند بجوار واشنطن، وحيث عشرات السيارات «فور باي فور» تحيط بسيارة جوزيف آر بايدن، وفي معيته زوجته وورائه جميع أفراد عائلته الصغيرة، ويقف العالم مشدوهًا حيث اقتربت لحظة وصول الرئيس الجديد إلى مقر الاحتفال في «الكابيتول» يتحرك بخفة الريشة، ليفتح الباب لزوجته، ثم يتجهان نحو السجاد الأحمر فإلى الباب المفضي للكونجرس الأمريكي، يدخلان إلى حرم الحرية بعد الصلاة في كنيسة مجاورة لأداء فريضة الشكر والدعاء إلى الله «آمين».

ثم يتّجه الموكب «الكثيف» نحو الكونجرس مستخدمين كل خطوات الفخر والفخار، وكل نظرات التفوق والانتصار، وكل مشاعر السعادة والرئيس يبدأ مهامه في تمام الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة ليلغي بالأحرف الأولى كل قرارات ترامب الاستثنائية، إيذانًا بعصر أمريكي جديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها