النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11693 الثلاثاء 13 ابريل 2021 الموافق غرة رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:56AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:00PM
  • العشاء
    7:30PM

كتاب الايام

محنة التعليم التقليدي أمام ذكاء الطالب

رابط مختصر
العدد 11612 الجمعة 22 يناير 2021 الموافق 9 جمادى الآخرة 1442

في إحدى المدارس في فرنسا عرض مدرس ورقة إجابة على اسئلة لأحد الطلبة، وهذا العرض هو بمثابة قضية يعرضها المدرس على الهيئات التعليمية خاصة وعلى المجتمع والعائلات عامة، المدرس من جانبه اتخذ القرار وحدد تقييمه للطالب، وكأنه بهذا القرار والتقييم يدلي بدلوه بحل لقضية تعليمية فيه شيء من التعقيد الذهني والسيكولوجي والتربوي. لنستعرض الورقة التي وقف المدرس أمام الاجابات فيها حائرًا ومتعجبًا، يتملكه العجب والإعجاب بذكاء الطالب والحيرة في أمر التقييم...

س 1: في أية معركة قتل فيها نابليون؟ ج 1: في المعركة الأخيرة.

س 2: أين تم توقيع وثيقة الاستقلال؟ ج 2: في أسفل الصفحة.

س 3: ما هو السبب الرئيسي للطلاق؟ ج 3: الزواج.

س 4: في أية حالة (ولاية) يجري فيها نهر رافي؟ ج 4: حالة السيولة.

(ملاحظة: الكلمة الفرنسية état الواردة في السؤال تحمل معنيين، حالة وولاية).

حسب المعلومات الواردة في المنهج فإن الطالب لم يلتزم بالمنهج ولم يعطِ الاجابات الصحيحة، ولكنه اجتهد ذهنيًا واخرج اجابات حيرت المدرس. الاجابات، بالمعنى العام خارج محدودية المنهج، لا غبار عليها ولا يمكن لأحد ان يقول بانها خاطئة. هذا يضعنا أمام ظاهرة فكرية تجمع بين الخطأ والصواب في حلة واحدة. الطالب الذكي أمام ورقة الاسئلة كأنه يتحدى نهج التعليم التقليدي باجابات صحيحة ولكنها خارج النصوص التي من المفترض أن يخزنها في ذاكرته ويجترها او يكرر نصها عند الطلب او الحاجة. الطالب الذكي، بهذا التحدي، يبعث برسالة الى مؤسسة التعليم بأن هناك خللاً في آلية التعليم، تلك الآلية التي يختصر تقييمها بقوة الذاكرة عند الطالب وليس بقوة التفكير. بعد تفكير متارجح بين الحيرة والاعجاب، مالت كفة الاعجاب، مضافًا اليها التقدير عند المدرس، فقرر المدرس إعطاء الطالب، الذي تحدى المنهج التقليدي، العلامة الكاملة مع ملاحظة أن العلامة +A هي تقديرًا لملكة الابداع عند الطالب، والمدرس من جهته بهذا التقييم قد تحدى معايير التقييم التقليدية، وأباحت له حرية الفكر أن يخرج على النهج التقليدي.

بروفسور في التاريخ في الجامعة الامريكية في بيروت يستذكر قضية مشابهة مرت عليه عندما تفاجأ بأن أحد طلبته قد أجاب على سؤال واحد فقط على ورقة امتحان من عشرة أسئلة، بروفسور التاريخ لم يقف حائرًا ولا رافضًا للإجابة اليتيمة، ولكنه نظر إلى ورقة الاجابة بإعجاب، لأن السؤال الوحيد الذي أجاب عليه الطالب أخذ من الطالب جهدًا ذهنيًا عميقًا يتخطى الجهد المطلوب بمجرد استذكار المعلومة تقليديًا من خزينة الذاكرة، كان السؤال عن الاسكندر المقدوني، وكان الجواب التقليدي لا يتعدي حدود كلماته الثلاثين في وقت لا يتعدى الدقيقتين، وبصيغة مبتسرة لا تتعدى أسوار السؤال دون فكر ولا تحليل ولا استنتاج، اللهم إلا استذكار الجواب حسب ما يمليه المنهج التقليدي. الطالب غاص عمقًا في السؤال الذي استحوذ على اهتمامه وأعطى السؤال حقه، ليس من الاستذكار، ولكن من التفكير، وكان عدد كلمات الإجابة على سؤال واحد أكثر من العدد التقليدي لجميع الاجابات العشر، تناول السؤال بدءًا بعنصر المعلومة مرورًا بتفكيك المعلومة وربط المعلومة بمعطيات ذات علاقة وأعطى استنتاجًا لم يكن في وارد المنهج، إجابته التحليلية لم تخرج عن صلب موضوع السؤال، ولكنها احترمت موضوع السؤال، فالاجابة لم تكن على السؤال بل تناولاً لموضوع السؤال، وهنا يأتي الفرق بين الاجابة من الذاكرة والاجابة بالتفكير. الاجابة اليتيمة كان تقديرها العلامة الكاملة، والتقييم والتقدير، من بروفسور التاريخ، كان لملكة التفكير وليس لملكة التذكار عند الطالب وهذا يحيلنا كذلك الى العلاقة الجدلية بين الكم والنوع، فليس العبرة ولا التقدير لحجم المعلومات ولكن لنوع المعرفة...

إن تاريخ التعليم التقليدي مثقل بسلبيات مشينة بمكانة المدرسة وبحق التعليم، والامثلة عديدة ومثيرة للرفض والاستنكار، من اسطع الامثلة هو قصة التلميذ (العبقري) توماس اديسون الذي قيمته المدرسة، التي كان يتعلم فيها، بأنه غبي لا يستطيع مواصلة الدراسة مثل أقرانه من التلاميذ، وكان هذا في المرحلة الاولية في التعليم. من حظ هذا التلميذ العبقري أن كان له أم عبقرية مثله، فأمه عرفت أن الخلل ليس في ابنها ولكن الخلل المخجل في المؤسسة التعليمية التقليدية (الكلاسيكية) ذاتها. كانت الأم واعية ومدركة لحقيقة التعليم ومستواه واضطرت أن تاخذ على عاتقها تعليم ابنها، ونتج من تفاعل الأم المعلمة مع الابن التلميذ أعظم مخترع في التاريخ البشري... فيا للعار الذي الحقته تلك المدرسة بمكانتها التعليمية... مؤسسة تعليمية فشلت أمام حب الأم لابنها ومعرفتها لقدرات ابنها العقلية، ببنما لم يكن بمقدور مدرسة بكامل طاقمها التعليمي من تحسس قدرات عبقرية عند تلميذ وضع قدميه على العتبة الاولى في رحلة التعليم. من المعروف عن العالم الكبير آينشتاين أنه كان يوصف بالطالب الغبي في المراحل التعليمية الاولى، ولكن عبقريته برزت فيما بعد في المراحل التعليمية التالية، حتى وصل الى رتبة عالم في فيزياء الذرة وفي فيزياء الفضاء الخارجي، وخرج عام 1905 بالنظرية النسبية التي مازالت حديث العلماء وطلبة العلم. تعد النظرية النسبية من أهمّ النظريات التي تعبر عن كيفية تحويل الطاقة إلى كتلة وبالعكس، وهذا التحويل هو أساس عمل محطات الطاقة النوويّة. استخدامات الطاقة النووية، بجميع اشكالها، مدينة لهذه النظرية.

رغم أن بعض العباقرة (الاذكياء جدًا)، مثل توماس اديسون والبرت اينشتاين، كانوا محظوظين ولم تؤثر فيهم سلبية معايير التقييم المدرسي، إلا أن هناك كثير من التلاميذ الاذكياء الذين اخرجوا او طردوا من المدارس بسبب سوء التقييم، والبعض الآخر خرج طوعًا بسبب الاحباط من اللا مبالات تجاههم من قبل الطاقم التعليمي في مدارسهم. عدد ليس قليل من هؤلاء الاذكياء الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج دائرة التعليم، اتجهوا الى عالم الجريمة، وأبدعوا شراً في هذا العالم البغيض.

كأن هناك خيط رفيع بين العبقرية والغباء، مثل الخيط الرفيع بين الذكاء والجنون، ويبدو أن هذا الخيط الرفيع عصي على الرؤية الذهنية عند المؤسسات التعليمية، مثل التمييز بين الخيط الابيض من الخيط الاسود عند الغروب. عدم الرؤية هذه تقف حجر عثرة (تحد ومحنة) أمام المؤسسات التعليمية التقليدية. محنة التعليم مع الذكاء!!! ماذا تعلم المدارس؟ حفظ المعلومة أو التفكير في المعلومة! استرجاع المعلومة من ارشيف الذاكرة بآلية الحفظ الاعمى، او معالجة المعلومة بتفاعلات الفكر البصير، هل هدف المؤسسة التعليمية الاكتفاء بحفظ النصوص بآلية أجهزة الطبع أو بآلية النسخ من كتاب إلى دفتر الطالب، وكفى من الطالب هذا الطبع والنسخ دون حاجة الى نقد وتحليل، أي دون حاجة إلى التفكير... التعليم التقليدي أمام تحد غير تقليدي، وهذا التحدي يضع هذا النوع من التعليم في محنة كيفية التعامل مع الذكاء، و كيفية تقييم الذكاء. كيف يمكن التعاطي مع الذكاء حتى لا يهوى الذكاء في قاع الاحباط، حتى لا يجد الذكاء نفسه غريبًا في وسطه التعليمي وبالنتيجة في وسطه الاجتماعي، إن تغريب الانسان الذكي (الانسان المفكر) عن وسطه الطبيعي يدفعه الى الانعزال والانكماش الى داخل الذات وعزل الفكر عن مواضيع التفكير، مما يؤدي إلى شل العقل وانطفاء نور التفكير فيه، أي انتحار الذكاء. بالمقابل، فإن الذكاء يعيش معاناة قاتلة أمام الطبيعة الكهنوتية لمؤسسات تعليم تصر على النهج التقليدي الذي عفى عليه الزمن، وأصبحت بيوت العناكب شاهدة عليه، وبيوت العناكب علامات على السقوط. رقي الأمم ليس في قوة ذاكرتها بل في قوة تفكيرها، عندما يصبح هدف التعليم هو تنمية ملكة الفكر والدفع بالعقل الى النقد والتفكير عندها يمكن للامة أن تتقدم وترتقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها