النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11880 الأحد 17 اكتوبر 2021 الموافق 11 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:09PM
  • العشاء
    6:39PM

كتاب الايام

درر الإبداع في محيط جامعة الخليج العربي

رابط مختصر
العدد 11611 الخميس 21 يناير 2021 الموافق 8 جمادى الآخرة 1442

استهلت جامعة الخليج العربي العام 2021 بندوة تخيلية تناولت بكثير من التفصيل، وبدرجة عالية من المعالجة العلمية قضايا الابتكار. شارك في تلك الندوة مجموعة من طلبة الدراسات العليا، وتحدث فيها مجموعة أخرى من الخبراء والمتخصصين في قضايا الإبداع والابتكار. امتدت أعمال الندوة خمسة أيام، خلال الفترة بين 10 – 14 يناير 2021.

وقبل الغوص في مواد تلك الندوة، والقضايا التي عالجتها، والموضوعات التي توقفت عندها، تجدر الإشارة إلى أن الابتكار أو حتى الإبداع وقضاياهما ليست مسألة تنفرد بها المجتمعات المعاصرة، وهي، أيضا، ليست ظاهرة طارئة على المجتمعات البشرية. فهي سلوك إنساني تعود جذوره إلى فلاسفة اليونان القديمة. وكان أفلاطون من أبرز أولئك الفلاسفة، إذ كان، كما تنقل عنه الكثير من المصادر، يرى «أنه لا يوجد شيء اسمه إبداع (حينها لم يكن هناك فوارق كالتي نعهدها اليوم بين الإبداع والابتكار) شخصي على الإطلاق، وإنما الإبداع ينتج عن قوة خارجية تُعرف بالإلهام، فالأشخاص دائمًا يستمدون أفكارهم الإبداعية والابتكارية من وحي الإلهام، وربما يستمدونها من التوارث، فالإبداع يُعتبر هو العملية الكاملة التي يتم من خلالها خلق أفكار جديدة، بينما الإلهام يُعد خطوة واحدة تضع الشخص على أول الطريق، ولكنها في غاية الأهمية». ولم يكن هناك الكثير من الاختلاف بين أفلاطون وأرسطو عند تناولهما مسألة الإبداع، التي يعتبره هذا الأخير بأنه ظاهرة إنسانية تستمد مكوناتها من «قوانين الطبيعة، حيث إن الطبيعة تُعد محورًا أساسيًا في إنتاج الأفكار الإبداعية». 

بعد تلك الإطلالة السريعة على موضوع الإبداع أو الابتكار نعود إلى ندوة جامعة الخليج العربي. لقد توقف المشاركون في تلك الحلقة الحوارية العلمية عند مجموعة من القضايا المفصلية ذات العلاقة بالإبداع كظاهرة عالمية من جانب، وكيف تمظهرت في محيطها العربي من جانب آخر. توزعت موضوعات الندوة على محاور الابتكار المختلفة كان من بين الأبرز فيها، مفهوم الابتكار. فقد سعى المشاركون في الندوة للوصول إلى مفهوم واسع، وليس تعريفًا ضيقًا لـ «الابتكار». فانتشرت اجتهادات المشاركين بين ذلك التعريف الضيق الذي يرى الابتكار بمثابة «تطبيق الأفكار الجديدة على الشركة، سواء كانت الأفكار الجديدة مجسدة في المنتجات أو العمليات أو الخدمات أو في تنظيم العمل أو الإدارة أو أنظمة التسويق»، وذلك التعريف الشامل المتعدد الأبعاد الذي يعتبر الابتكار نظامًا بيئيًا متكاملاً (Ecosystem)، يحتضن أنشطة الإنسان المتميزة، سواء تلك التي يقوم بها الأفراد على نحو ذاتي من أجل الارتقاء بأداء الفرد، أو الجماعات كي يتسنى لها في ذلك الإطار الجماعي المتماسك الذي يرمي إلى تطوير فعالية الأنشطة التي تمارسها تلك الجماعة، دون ان يعني ذلك استثناء المنظمات التي لا تكف عن العمل من أجل غرس بذرة الابتكار في أنشطتها المختلفة كي تميز نفسها عن منافساتها من المنظمات الأخرى، بقصد زيادة حصتها السوقية، أو التفوق على من ينافسها.

ومن التعريف انتقل المشاركون في الندوة إلى معالجة المعيقات التي تشل محاولات الابتكار في مجتمع معين، وتقف عقبة أمام الابتكار كنشاط إنساني على المستوى الفردي، أو كممارسات اجتماعية جماعية تقوم بها فئة معينة.

وكان هناك ما يشبه الإجماع على أن الابتكار بحاجة إلى تلك البيئة الحاضنة المناسبة القادرة على رعاية المبتكرين بدلاً من محاربتهم، أو وضع العقبات في طريقهم الابتكاري. وبناء عليه هناك تلك البيئة الطاردة للابتكار والمحاربة لكل من يطرق أبوابه، ونقيضتها الراعية للابتكار والمشجعة لكل من يملك مقوماته. واستحضرت بعض نقاشات الندوة قصصًا من الواقع البعض منها عربي مثل تجربتي «الفهرست». الأولى التي كانت ثمرتها ذلك الكتاب البيبليوغرافي الذي جمع مادته في القرن الرابع الميلادي (377 هـ) الوراق العربي محمد بن إسحاق النديم. المعروف باسم ابن النديم. ولا تزال فهرست ابن النديم موسوعة إسلامية، دونت بلغة عربية لا يستغني عن العودة لها من يطرق أبواب الدراسات الإسلامية المعاصرة في أكثر الجامعات رقيًا. وترجم هذا العمل المبدع المبتكر إلى عشرات اللغات الأجنبية. أما الثانية فكان تجربة كشاف للدوريات العربية المتخصصة، «مجلة الفهرست»، الصادر في بيروت في مطلع العقد الثامن من القرن العشرين. لم يكتب لهذه الأخيرة النجاح. وتوقف «الفهرست» عن الصدور بعد أن صدرت منه ما لا يربو على 32 عددًا. أثبتت تجربة فهرست ابن النديم نجاح البيئة العربية المناسبة للابتكار حينذاك في حماية ذلك العمل المبتكر الذي ما يزال مرجعًا عالميًا رغم مرور مئات السنين على إنجازه. ويمكن اعتباره أساسًا للتصنيف.

توقف المشاركون في الندوة أمام «النموذج البحريني للابتكار»، الذي طوره مكتب اليونيدو في البحرين، وتبنته أكثر من 50 دولة، وما يزال يشكل ظاهرة الابتكارية عربية ناجحة، رغم الصعوبات التي يواجهها. وكانت هناك دعوة كي تتشكل جهة مكوناتها مكتب منظمة اليونيدو في البحرين، مع جامعة الخليج العربي والاتحاد العربي لتقنية المعلومات من أجل توفير البيئة العربية الحاضنة لتجارب الابتكار العربي المعاصرة، ليس على المستوى الخليجي فحسب، وإنما العربي، وربما الدولي أيضًا.

أثارت الندوة مجموعة من التساؤلات المشروعة من بين الأبرز فيها كانت:

ما هي الأسباب الحقيقية وراء تخلف تجارب الإبداع العربي المعاصرة، مقارنة حتى بمجتمعات دول صغيرة مثل سنغافورة، أو ليست ثرية مثل الهند؟ وكان هناك شبه إجماع على أنها البيئة الإبداعية القائمة في كل من تلك البلدان. فكلما امتلكت البيئة الحاضنة عناصر رعاية الابتكار والمبتكرين ازدهرت أعمال الإبداع وأينعت اجتهادات من يقف وراءها. والعكس صحيح أيضًا.

كيف السبيل إلى استعادة العرب تاريخهم المبتكر، دون أن يقعوا في أسر التشدق به، أو المراوحة عند محيط التباهي بإنجازاته، التي باتت من حكايات التاريخ، ولم تعد من أعمال اليوم، ولا شواهده؟.

وجاءت الإجابة أن الطريق طويلة، ومعقدة، لكن الخطوة الأول للسير عليها تبدأ بالمنظومة التعليمية التي تغرس بذرة الابتكار الصالحة التي لا يمكنها أن تنمو في تربة غير مبدعة. وهذا بدوره يتطلب بناء المنظومة التعليمية العربية على أسس راسخة قابلة للنمو والتطور، وقادرة على مواجهة الجهل بأشكاله التقليدية والمعاصرة.

قادت النقاشات أيضًا إلى حاجة الابتكار، كي ينتج درره، إلى منظمات تقنية متعددة لكنها متكاملة من جانب، وتستمد جذورها من المنظومة التعليمة المكملة لها. وأكدت النقاشات على ضرورة التنسيق بين المنظومات التعليمية وتوأمها المنظومات التقنية كي تأتي ثمارها في بيئة عربية حاضنة للابتكار لا طاردة له، ومحاربة لمقوماته.

احتضن محيط ندوة جامعة الخليج العربي دررًا من الدعوات، ولآلئ من المبادرات يأمل المشاركون أن ترى طريقها نحو النور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها