النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11647 الجمعة 26 فبراير 2021 الموافق 14 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

الأستاذ ناصر النعيمي.. درس الثورة الجزائرية الذي تمسرح

رابط مختصر
العدد 11609 الثلاثاء 19 يناير 2021 الموافق 6 جمادى الآخرة 1442

كانت نماذج المسرح من المدرسين في مرحلتي الابتدائية إبان ستينيات القرن الماضي بمدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية، تتخطف فضول ناظريّ في الفصل الدراسي وساحة المدرسة الخارجية حتى خارج المدرسة وفي قلب الحي وشوارعه الممتدة والمتعرجة.

وكان من بين أكثر من استوقف نظري من هذه النماذج، الأستاذ صالح الرويعي رحمة الله عليه مدرس القصص وأول من أصغيت لقصصه الممسرحة بأدائه الآسر في المدرسة، والأستاذ مصطفى مدرس الحساب، وهو قصير القامة بحجم غترته التي كان يرتديها حين يسدلها من فوق رأسه على ظهر جسده، والذي كان بسبب انخفاض صوته وغلاظته المعدنية التي تحك طبلة الأذن، مثارًا لضحكاتنا في الفصل، وما أكثر ما عاناه هذا المدرس منا بسبب ضعف شخصيته أيضًا، حيث المقالب في حصته لا تنتهي، إذ بعضهم يضع شريطًا لاصقًا على مقعده، وحين ينزعج من هذا السلوك الشقي ويرفع صوته غاضبًا، تزداد غلظة صوته المعدنية، فلا نملك حينها غير الضحك، وخاصة عندما يلجأ إلى كسر الطبشور على السبورة احتجاجًا على هذه المقالب، فكانت حصته حصة الضحك بامتياز، ومن بين هذه النماذج من المدرسين أيضًا، الأستاذ محمد عبدالعال العتيبي رحمة الله عليه، مدرس الاجتماعيات، الذي كان درسه لا يخلو من السخرية المرة التي تتخلل شرحه بين آونة وأخرى، ولا يخلو من الشعر الذي كان يؤلفه ويؤديه بطريقة تجذبنا نحو إيماءاته وهو يحركها بثقة شديدة وكما لو أنه يقدم لنا درسا في كيفية الإلقاء وإمكانات تأثيره على الحضور، ولذلك السبب كنا ننتظر قصائده أكثر من درسه، أما الأستاذ سلمان خليل مدرس اللغة العربية، فهو حالة مسرحية أخرى خارج الدرس والمدرسة، وكان بالرغم من ليونة ورطوبة قوامه وكلامه ومشيته، إلا أنه يمتاز بهيبة يخشاها كل الطلبة في المدرسة، خاصة وأنه يستقبلنا كل صباح في الفصل بلسع أيادينا الصغيرة الغضة بمسطرته الخشبية، ولا زلت حتى هذا اليوم لا أعرف سبب هذا العقاب الصباحي، هذا الأستاذ كان يثيرني هندامه المزدوج الغريب، حيث كان يرتدي بذلة أنيقة وغالبًا ما تكون زرقاء اللون، يتوسطها ثوب وتعلوها الغترة والعقال أيضًا، وكان غالبًا ما يرفع ثوبه من جهة اليسار إلى أعلى ليضع كفه الأيسر في جيب البنطال، ليمشي بعد ذلك مختالاً في الشارع العام قاصدًا كالعادة أحد دكاكين أهل الحي الذي يتجمع فيه أصدقاؤه من المدرسين والموظفين وبعض العمال الأصدقاء، وغالبًا ما يكون هذا الدكان، هو دكان ناصر بن حسين الذي تتقدمه كراس شعبية لرواده اليوميين، وناصر بن حسين هو في حد ذاته حالة غريبة، فهو صاحب مزاج حاد جدًا، إلى درجة أنه يحرمك حتى من التلذذ بزجاجة من زجاجات الكولا والبيبسي الموجودة في ثلاجته، بالرغم من طلبها منه بنقودك، ولا تعرف أحيانًا سببًا لذلك.

ومن بين هذه النماذج أيضًا، الأستاذ بشير علي بشير، مدرس الرياضة بالمدرسة، والذي كان يمسرح الأشياء كلها في أثناء الأنشطة الحرة والمسابقات التي كان ينظمها بالساحة الخارجية في المدرسة، فكان غالبًا ما يبدأ هو بها، يجربها، ثم يدعونا لتمثلها في أثناء النشاط أو المسابقة، مضيفًا عبرها روحًا ممتعة في نفوسنا، فنجد أنفسنا كالأرانب ونحن (نتنطط) أو نتقافز بالخيش القماشية الذي حشرنا أجسادنا الصغيرة الغضة فيها، أو كالسلاحف ونحن نجر بعض الأشياء الثقيلة أو كالطيور ونحن نطارد بعض البالونات التائهة المسار، وكنا نتمنى لو أن كل الحصص الدراسية أنشطة ومسابقات تحرك الشحنة العالية في أجسادنا التي غالبًا ما تكون مسترخية في أغلبها.

أما الأستاذ حسن بن حمود آل خليفة، مدرس التربية الدينية، فكان حالة مسرحية ثقافية أخرى، إذ كانت حصته التي لا يلجأ فيها غالبًا إلى كتاب المنهج، أشبه بحكايات مجسدة، خاصة إذا انصرف بنا نحو شرح سبب نزول هذه السورة أو تلك الآية في القرآن الكريم، أو وقف عند درس (النظافة من الإيمان) وعلق على أحدنا أو بعضنا ممن لم يلتزم بهذه النظافة أو لاحظ بعض الملابس المتسخة التي يرتديها بعضنا، وغالبًا ما يقطع الدرس بفكرة أخرى خارجه، كطلبه مثلاً منا بعض الكتب أو المجلات إذا توافرت لدينا، وما إن يتحصل عليها في اليوم الثاني حتى يقوم بتوزيعها ثانية علينا بحيث يقوم كل طالب بقراءة الكتاب أو المجلة التي أحضرها زميله، وينتهي الدرس غالبًا بفكرة أو درس آخر غير درس التربية الدينية.

وحين انتقلت من المرحلة الابتدائية بمدرسة الرفاع الشرقي إلى المرحلة الإعدادية بمدرسة الفاتح عام 68، تلقيت أول درس تاريخي فتح عيني على أهمية الإلقاء والتعبير والتركيز واستيعاب المادة المنهجية بروح مسرحية يتداخل ويتضافر فيها الدرس بالإيماءة وبالمسرح، وذلك من الأستاذ المعلم الفنان الجليل ناصر بن سعد النعيمي، مدرس مادة الاجتماعيات بالمدرسة، الذي يتمتع بشخصية فريدة مهيبة أنيقة، وهيئته تشبه هيئة القادة التاريخيين، خاصة إذا شرح درسًا عن المقاومة. 

وأذكر جيدًا أول درس تلقيته من هذا الأستاذ القائد، وكان عن الثورة الجزائرية، وكان الأستاذ ناصر نظرًا لهضمه تاريخ هذه الثورة، يبدو حين شرحه لها كمن يتبناها فعلاً، أو كأنه طرفًا ثوريًا فيها، لذا لم يكن شرحه متكأً على كتاب المنهج، بل كان كما أسلفت في عمق هذه الثورة.

كان يبدأ الدرس بأسئلة مشاكسة يختبر فيها مدى استيعابنا لهذه الثورة أو ما يحيط بها من أحداث، وبشكل تدريجي وبعد أن يخلع نظارته الشمسية السوداء التي يستقبلنا بها في الفصل، يغوص عميقًا في أسباب حدوثها، وكيف تمكن هذا الشعب المجاهد والمناضل من أن ينال حريته واستقلاله من الاستعمار الفرنسي عام 1962، بالرغم من تقديمه أكثر من مليون شهيد، وأذكر أن البحرين كانت على مقربة من الاستقلال عن الاستعمار الإنجليزي عام 68، فكان الأستاذ وهو يتحدث عن ثورة الفاتح التي اندلعت بقيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية في الأول من نوفمبر لعام 1954م ضد الاستعمار الفرنسي، والتي دامت سبع سنوات ونصف، والتي حققت أهدافها بحصول الجزائر على استقلالها في الخامس من شهر يوليو لعام 1962م، يتحدث وكما لو أنه أحد قادتها، وكنا نصغي إليه وهو يعلو بصوته تارة ويومئ بحماس بيده تارة أخرى، ويصمت مستذكرًا بعض أهم أسماء قادتها الذين استشهدوا، كان كمن يأخذنا معه فعلاً إلى تاريخ هذه الثورة، إلى الجزائر، وكما لو أننا اللحظة نرى كل ما حدث ويحدث فيها من فعل نضالي. 

كان الأستاذ يقدم الدرس كحدث تاريخي، ولكنه كان كمن يفتح كل خلايا مخيلتنا لتصور كل ما يحدث في الجزائر، وحين يقف على محاولة الاستعمار الفرنسي المستميتة من أجل محاربة اللسان العربي واعتبار الفرنسيين اللغة العربية الفصحى في الجزائر لغة ميتة، وذلك بتشجيعهم اللهجات المحلية، كي تسود لغتهم الفرنسية، نلحظ مدى حسرته وغضبه في الآن نفسه على الاستعمار الفرنسي، وكان ذلك ينعكس علينا بطبيعة الحال، فنكون وكما لو أننا في عمق غصته. 

وأذكر أن شرحه للدرس لا يلجأ فيه إلى السبورة للتوضيح، ولا تنال هذه السبورة من اهتمامه غير العنوان فحسب، وكان حين يؤدي الدرس لا يأبه تمامًا بالكرسي والطاولة، كان يقف طوال الوقت، يتحرك، يحاورنا بعيونه وبإيماءاته، حتى يطمئن بأننا لم نشغل بشيء آخر غير درس الثورة.

وأذكر أنه لا يعرف الحياد تجاه مثل هذه الدروس، كان يسجل من خلالها موقفه الذي بطبيعة الحال ينعكس علينا فنتعاطف معه، خاصة حين يشدد على قدرة الشعب الجزائري على مواجهة الاستعمار الفرنسي الذي استمات من أجل ضرب وحدته الوطنية بسعيه على إثارة الفتن بين الأمازيغ والعرب، قدرته على إفشاله وإحباط كل محاولته. 

كان الأستاذ ناصر في هذا الدرس يتقمص الثورة، يمسرحها أمامنا، ولا ينتهي الدرس بانتهاء مدة الحصة، إنما كان يدعونا لمزيد من التعرف عليها عبر تطوعه مساء لشرحها ثانية، خاصة على بعض الطلبة الذين لم يستوعبوا بعض الدرس وهم ندرة بطبيعة الحال، وغالبًا ما يكون درس التطوع حوارًا بيننا وبينه، يتعرف الأستاذ من خلاله على مدى تأثيره فينا نحن أبناء الثالثة عشر عامًا.

إنه الأستاذ المعلم الفنان القائد الجليل ناصر النعيمي، الذي عرفت فيما بعد أنه عضو مسرحي فاعل في فرقة المسرح الشعبي، وقد شارك كممثل في مسرحية (أنتيجون)، بجوار طالبه الفنان عبدالله السعداوي والذي هو من أطلق عليه هذا اللقب، نظرًا لحركته وخفته السريعة الشبيهة بـ(السعدون) والفنانة أحلام محمد والفنان أحمد الزياني والفنانة زهرة، وكل من ذكرتهم كانوا من مدينة الرفاع الشرقي، وكان الأستاذ ناصر غالبًا ما يصحبهم معه في سيارته إلى المسرح بالمنامة، وكانت هذه المسرحية من إخراج الفنان يوسف حمادة وقدمت على مسرح الجفير، وبعد إغلاق هذه الفرقة شارك الأستاذ ناصر أيضًا في فرقة مسرح الجزيرة. 

مع دروس الأستاذ عشت شهرين فقط، ثم انتقلت إلى مدرسة مدينة عيسى الإعدادية الثانوية لأكمل ما تبقى لي من دروس في الصف الأول إعدادي وأكمل بعدها الثاني إعدادي فالثلاث سنوات للثانوية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها