النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11849 الخميس 16 سبتمبر 2021 الموافق 9 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

مهزلة في الشارع الطويل

رابط مختصر
العدد 11603 الأربعاء 13 يناير 2021 الموافق 29 جمادى الأولى 1442

كانت ضيًا للقناديل قبل أن تتحول إلى مهزلة في الشارع الطويل، كرنفالات تسليم السلطة للقادم الجديد إلى البيت الأبيض، بقدرة قادر تحولت إلى حرب دامية تحت سقف بيت الحرية «الكونجرس»، تلك الخلطة السحرية بين مجلس النواب الأمريكي ومجلس الشيوخ، المفاجأة أنها لم تكن بين «السيناتورز» وبعضهم البعض، أو بين النواب وبين «السيناتورز»، لكنه الهجوم المباغت لبلطجية الرئيس الأمريكي «المشاغب» ترامب، فخامته وحتى اللحظة الأخيرة من التصويت على نتيجة الانتخابات يرفض النتيجة حتى قبل النزال الكبير، كان يتوقع الهزيمة، وكان يمقتها، وكان يعرف بحسه «التجاري» أن الفشل الذريع سيُمنى به، لكنه كان يعاند.

كرنفالات تسليم مفاتيح «البيت العود» لأمة الحرية تأجلت ساعات، وكان يمكن لها أن تتأخر إلى الأبد، لولا ستر الله، ودعوات تمثال الحرية على رأس النهر الشرقي الكبير، وكرامات «الست» نانسي بيلوسي والسيد «بنس».

في لحظات وبينما كان نائب الرئيس المغادر «مايك بنس» يهم للاعتراف بنتيجة الانتخابات وإيذانًا بتنصيب بايدن رئيسًا يحمل الرقم 46 للولايات المتحدة الأمريكية، حتى هجم المناصرون الموتورون لترامب لأول مرة في التاريخ الأمريكي الديمقراطي «المهيض» من النوافذ، والأبواب، والأسقف ووراء الجدران، ومن المنصات وأعلى السقف المفضي إلى قبة البركان، من كل مكان وأي مكان، هبطوا كالسيل المنهمر بالأسلحة البيضاء، وما تخفيه صدورهم وستراتهم من أسلحة مسموح بها في بلاد «الانفتاح الكبير»، وإذ بالجنود والحرس الوطني يهرولون أمام بلطجية الرئيس المكلوم، تارة باستخدام أسلحة بيضاء، وأخرى بإشهار هراوات، وأخيرة بإطلاق نار حي راح ضحيته أربعة أبرياء، وعشرات من الجرحى والمحبطين، ومئات من الهاربين أو الراكعين تحت أقدام الكراسي المحطمة على رؤوس النواب والشيوخ.

مشهد لم يتوقعه أحد أن يقوم رئيس أمريكي مهزوم بقرار المجمع الانتخابي، وبقرارات عشرات الملايين «باللعب بالنار»، ويحرض الشارع المحتقن على الخروج عن بكرة أبيه ومن أجل مناصرة الصناديق المهزومة وتجاهل ما جاءت به الصناديق المنتصرة، ترامب يجوب شوارع واشنطن عرضًا وطولاً، وأجهزة أمنه تقع في أكبر ورطة مع رئيسها المنتخب سابقًا، فلا هي تستطيع إيقافه لاعتبارات كثيرة، ولا هي يمكنها التخلي عن دورها المقدس في الدفاع عن الشرعية والدستور والقانون، لا هي تريد تحجيم الرئيس ومنعه من التحريض وإزكاء روح القتال، ولا هي يمكنها حماية الأبرياء الذين خرجوا فقط للاحتجاج ولم يخرجوا لكي لا يعودوا مجددًا إلى بيوتهم «الآمنة»، ولا حتى النواب والشيوخ الذين بدأوا مداولات نقل السلطة سلميًا وبأريحية معتادة إلى الرئيس المنتخب الجديد.

في النهاية انتهى المشهد بمأساة قبل أن ينتهي إلى تنصيب بمرارة الانتصار المشهود، وفي مشهد أبلغ من «هوليودي» نرى البلطجية وهم يهاجمون الشرطة وليس العكس، ورجال الشرطة وهم يهرولون هربًا من البلطجية وليس العكس، والنواب والشيوخ وهم راكعون منكفئون وأيديهم على رؤوسهم تحت كراسي البرلمان المقلوبة على عواهنها، والمنقلبة على أعقابها.

منظر في غاية الأسى والأسف والضحك في وقت واحد، أمة الحرية تتحول في غفلة عين إلى أمة للفوضى والبلطجية وجرح الجسم الأمريكي العملاق ربما إلى أجل غير مسمى.

مهزلة أخلاقية قبل أن تكون مأساة سياسية بجميع المقاييس والمعايير المعروفة بحق حقوق الإنسان، والعفو عند المقدرة من منظمات العفو الأمريكية، مصيبة لحقت بالشارع الديمقراطي الطويل في الولايات المتحدة، وكارثة أصابت قناديل التنوير بعيدة المدى وهي تنتصر على الصواريخ العابرة والقنابل المدارية الساحقة، والمجتمع الأمريكي برموزه وتياراته وأحزابه ورجالاته يهربون من البرلمان مرتدين خوذات بلاستيكية خوفًا من الكورونا عند التدافع الرهيب.

ويسدل المشهد الستار عن الأحداث الأمريكية المؤسفة ونواب الشعب وأتقيائه يهربون من السلالم والأبواب الخلفية لـ«الخدام»، بدلًا من أن يخرجوا معززين مكرمين من الباب «المقدس» الكبير بعد أن يمروا من فوق السجاد الأحمر مرفوعي الرؤوس والهامات، مجلجلين بالأهازيج والتصريحات إيذانًا بعهد جديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها