النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11654 الجمعة 5 مارس 2021 الموافق 21 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

مهدي بك صالح.. مؤسس الأمن العام السعودي

رابط مختصر
العدد 11600 الأحد 10 يناير 2021 الموافق 26 جمادى الأولى 1442

 

 يعتبر الأمن العام ركيزة أساسية لاستقرار الدول والمجتمعات، وغاية سعت إليها مختلف الأمم والحضارات على مر العصور، فدونه لا تتحقق غايات الأمم في النهوض والتطلع إلى المستقبل واستمراية الحياة الهانئة بعيدا عن الفوضى والاختلال، ويصبح الخوف والقلق مسيطرا على المجتمعات ومقيدا لإطلاق الأفراد والجماعات لملكاتهم ومهاراتهم وللاستخدام الأمثل لطاقاتهم. وبعبارة أخرى فإن الأمن يمثل أحد المقومات الأساسية لنجاح عملية النمو والارتقاء والازدهار. وانطلاقا من هذا المفهوم، انصرف الملك عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه بـُعيد توحيد بلاده إلى تركيز اهتمامه على النظام والأمن بهدف توفير الطمأنينة لشعبه وصيانة استقرار بلاده وتوطيد دعائم المجتمع السعودي، بما يخلق ظروفا آمنة تتيح للأفراد والجماعات الشروع في عملية البناء والتطوير.

وأول عمل قام به جلالته بادئ ذي بدء هو توفير الأمن في الحجاز عموما، وفي مكة المكرمة خصوصا، باعتبار أن أمن الحجيج والمعتمرين وأمن المجتمع المكي مسؤولية كبرى ملقاة على عاتق مملكته. وقد رأى جلالته وقتذاك أن يستفيد من التجارب الأمنية التي كانت سائدة في الحجاز زمن العثمانيين والهاشميين ويطورها، فأسس مديرية للشرطة في مكة المكرمة في عام 1925م ومديريات مماثلة في مختلف المدن الرئيسة في مملكته مترامية الأطراف. كما تم تشكيل إدارات شرطية ذات مهام خاصة مثل وحدة الدرك وشرطة الحرم وشرطة السكك الحديدية. وكانت هذه المديريات في البدء ترتبط مباشرة بنائب الملك في الحجاز سمو الأمير (الملك فيما بعد) فيصل بن عبدالعزيز وتعمل وفق أوامره. واستمر هذا الوضع إلى عام 1930 حينما صدرت إرادة ملكية بتوحيد جميع إدارات الشرطة في المملكة تحت رئاسة مدير الأمن العام، على أن يكون مقره بمكة المكرمة، وتمّ تعيين مهدي بك صالح مديرًا للأمن العام إضافة إلى منصب مدير شرطة مكة المكرمة. وفي فترة لاحقة تأسس جهاز «المديرية العامة للأمن العام» وهو الجهاز الذي راح مذاك يتطور شيئا فشيئا، وتتوسع اختصاصاته وتتغير تشكيلاته وإداراته وأقسامه، ويستعين بالخبرات العربية ويـُرسل منسوبيه إلى الخارج للدراسة، وتتبدل لوائحه وقوانينه، وفقا لمتغيرات الزمن والظروف والمستجدات.

ما يهمنا هنا هو تسليط الضوء على سيرة رجل من رجالات الأمن السعوديين الأوائل ممن نسيه المؤرخون على الرغم من دوره المشهود في تأسيس الأمن العام في المملكة العربية السعودية. والإشارة هنا إلى «مهدي بك المصلح» الذي لولا قيام الأستاذ محمود صباغ بتوثيق سيرته في بحث منشور له في المجلة العربية (عدد 530) لما تذكره أحد.

والحقيقة أن مسؤوليات الأمن في الحجاز تولاها في الفترة ما بين عامي 1344 و1347 للهجرة كلٌ من «حسن وفقي بك» و«عبدالعزيز صالح البغدادي» و«مراد الاختيار»، ثم جاء مهدي بك مصلح ليكمل مسيرة من سبقوه فتولى رئاسة الأمن العام في العهد السعودي من عام 1347 إلى عام 1365 للهجرة، حينما تقاعد ليخلفه زميله علي بك جميل.

 

وُلد مهدي بن قدري بن صالح قلعه جي الشهير بمهدي بك المصلح في العراق لأسرة تعود جذورها إلى مدينة حلب السورية، وسميت بهذا الاسم بسبب سكنها بجوار قلعة حلب التاريخية. التحق مهدي المصلح بالجيش العثماني، وكان ضمن العناصر العربية التي أرسلها الأتراك لحفظ الأمن في المدينة المنورة فعمل هناك في عهد العثمانيين، وواصل عمله في عهد الأشراف الهاشميين بعد انسلاخهم عن الدولة العثمانية سنة 1916. وحينما افتتح الملك عبدالعزيز المدينة سلما من بعد حصارها واستسلام حاميتها الهاشمية وضمها إلى ملكه في ديسمبر 1925 عيّن ابنه الأمير محمد بن عبدالعزيز أميرا عليها، فقام الأخير بتكليف مهدي بك المصلح بتأسيس دائرة للشرطة في المدينة المنورة للحفاظ على أمنها وولاه قيادها. وفي أبريل من عام 1929 تمّ نقله إلى مكة ليقود شرطتها، لما عُرف عنه من كفاءة وانضباط وولاء، قبل أن يصدر الأمر الملكي بتعيينه في منصب أول مدير للأمن العام على نحو ما أسلفنا. ومما يجدر بنا ذكره هنا قبل الانتقال إلى فقرة أخرى هو أن أحد الأسباب التي جعلت العهد السعودي يثق في مهدي بك هو أنه لم يكن رجل الأمن المفضل والمقرب عند الهاشميين. إذ عُرف عن الهاشميين أنهم كانوا يميلون إلى رئيسه الضابط «حسني بك العلي المقدسي» (أحد ضباط الشرطة العرب المستوطنين في المدينة المنورة من الأفندية خريجي القانون) ويفضلونه عليه، ما جعل مهدي بك يغار من رئيسه المقدسي ويسعى إلى إثبات أنه أفضل منه، خصوصًا أن المقدسي كان يتعامل معه باستهتار.

حينما وصل مهدي بك إلى مكة وجد الأمن فيها منفلتًا في ظل وجود خمسة ضباط فقط يقودون 300 جندي ويديرون 13 حارة مكية مركزية، فكان لا بد له من تطبيق مبدأ الصرامة لتعزيز الأمن وترسيخ هيبة الشرطة، بل راح بنفسه يسهر على أمن المدينة المقدسة ويشرف شخصيًا على أعمال الدوريات والحراسة والتفتيش الليلي، ما تسبّب له في قلق مستمر أورثه الأمراض المزمنة والشلل النصفي وجعله يطلب التقاعد المبكر. لكن قبل تقاعده كان قد نجح، بأسلوبه الخاص وكفاءته النادرة، في تفكيك ملفات العديد من الجرائم المنظمة التي عانت منها مكة ومدن الحجاز الرئيسة طويلا مثل جرائم خطف وقتل النساء، والسرقة والنشل، والاحتيال والغش التجاري والتلاعب بالأسعار. ومما لا شك فيه أن إيقاعه بالمجرمين بسرعة قياسية ونجاحه في الكشف عن جرائم تلك الفترة بذكاء ومهارة جعل اسمه مرادفًا للهيبة والذعر، ما أشاع جوًا من الطمأنينة لدى أفراد المجتمع الحجازي بأكمله. يقول محمود صباغ (مصدر سابق) في هذا السياق: «كان مهدي بك سابقا لعصره في الانفتاح على علم الأدلة الجنائية، لكنه أيضا تمتع بقسط وافر من الفراسة والذكاء والتمرس في الحيل النفسية، فهو بفطرته وحساسيته، فطن لأهمية الدعاية وضرب الهالة على شخصيته في المخيال الشعبي، لتعينه في اختصار مهامه عند التحقيق وفي تفكيك الجرائم بالتبعية المسبقة ضد أعتى من يقع تحت يديه في مراحل التحقيق». ولعل أفضل دليل على هذا المنحى هو أنه كان حريصا على نشر بطولاته الخارقة لجهة القبض على المجرمين في صحف تلك الفترة، مثل صحيفتي «أم القرى» و«صوت الحجاز»، من باب الردع والتذكير بأن الجناة لن يفلتوا من قبضته.

إن الأسلوب الذي اتبعه مهدي بك في عمله كان كفيلا بانخفاض أعداد الجرائم وزرع الخوف في قلوب مرتكبيها، بدليل أنه بعد تسعة أشهر من استلامه لمهامه الأمنية احتفلت مكة المكرمة رسميا بمرور اسبوع كامل دون وقوع حوادث أو جنح أو شكاوي. وبحسب محمود صباغ، فإن مهدي بك عمد آنذاك إلى نشر إعلان في الصحف عن ذلك الإنجاز كحيلة نفسية تستهدف «ترسيخ النظام في نفوس العامة وتعين على إشاعة حس الانضباط ومضاعفته، خصوصا مع مجتمع كان لتوه يخرج من ذهنية الحارة العصبانية الضيقة التي تستسهل المعارك و(الهوشات) لأتفه الأسباب». أحد هذه الإعلانات تصدر صحيفة أم القرى تحت مانشيت يقول: «أسبوع كامل ينقضي دون أن يحدث أي حادث»، وفي متن الإعلان النص الآتي: «انقضى أسبوع كامل آخره مساء الأحد، لم يحدث خلاله أي حادث قط، ولم يتقدم أحد بالشكوى لدائرة الشرطة بالعاصمة بأي شكل من الأشكال، وهذا أمر لم يحدثنا به التاريخ بمثله في السابق واللاحق، ولا علمنا أن أمرًا كهذا وقع في بلد من البلدان العالم، حتى في أعرق البلاد مدنية وحضارة وقوة ومنعة. وهذا من فضل ربي على هذه البلاد المقدسة».

ولئن كانت ظروف ومسؤوليات عمله اضطرته إلى أن يكون قاسيًا ومخيفًا إلى درجة أن المارين من أمام مبنى الحميدية بمكة، الذي كان مقرا لدوائر الحكومة ومنها دائرة الشرطة، كانوا يرتجفون خوفا من احتمال أن يكون واقفًا في الشرفة ويراهم، فإنه من جهة أخرى كان نموذجا للانضباط والنزاهة والإخلاص وعدم التمييز في المعاملة بين صغار الناس وأكابرهم. لقد كان همه الوحيد أن يطبق القانون بعدالة كي يشيع وازع الأمن والنظام. ومن دلائل ذلك أن التنقل بين المدن في تلك الفترة المبكرة من تاريخ البلاد السعودية كان يتم بواسطة سيارات البريد التي كانت لا تنقل مسافرًا من مكة إلا بأوامر إركاب صادرة منه، فلم يعرف قط عنه أنه تعامل مع المتنقلين بطريقة تمييزية، كأن يحجب أوامر الإركاب عن البعض الضعيف ويمنحها للبعض الآخر المتنفذ.

وكأي مسؤول ناجح شاعت بعض الروايات الملفقة عن تجاوزاته أو تماديه في استخدام صلاحياته الأمنية، ما دعا مجلس الشورى في نوفمبر 1933 إلى إقرار نظام جديد للجنح والتعزيرات تمنع الحبس الاحتياطي، وتتيح إطلاق سراح المتهم بكفالة مالية، الأمر الذي يعني أن المملكة بدأت مبكرًا في تطبيق ما يعتبر اليوم من مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

تحدث محمود صباغ استنادًا إلى روايات الأديب والشاعر والإعلامي عزيز ضياء (ولد في المدينة عام 1914 وتوفي في جدة عام 1997 وكان أحد ضباط مهدي بك) عن الجانب الخفي ومواطن الضعف في شخصية مهدي بك، فقال إن الرجل كان يخفي وراء شخصيته المهابة مجموعة من المخاوف. فمثلاً كان يخشى ركوب الخيل ويحاول قدر الإمكان تحاشي ذلك، ما جعل البعض -ومنهم عزيز ضياء- يتعمدون إحراجه بإعطائه أكثر الجياد شراسة لجهة الترويض. ومن الأمور الأخرى التي كانت توتره استنكار البعض لزواجه من ابنة الشيخ يوسف البصراوي التي كانت فتاة جميلة تصغره بسنوات، بل كان هو أكبر سنًا من أبيها. هذا ناهيك عن الانتقادات التي كانت توجه له لعادة سنوية لازمته طوال حياته وهو قضاء فصل الصيف الطويل في العراق أو لبنان أو اسطنبول، هربا من حياته في الحجاز، على الرغم من أنه كان يسكن دارًا فاخرة في «حي جياد» النموذجي بمكة.

قلنا فيما سبق إن مهدي بك كان يغار من رئيسه حسني بك المقدسي في أثناء عملهما تحت الحكم الهاشمي، فلما جاء العهد السعودي وصعد الأول في سلك الأمن العام حرص على أن يثبت لرئيسه السابق أنه ليس بأقل منه. وجاءته الفرصة حينما قرر غريمه أن يؤسس مدرسة للأيتام في المدينة المنورة، في أعقاب تركه العمل في سلك الشرطة، حيث قرر مهدي بك أن يقتفي أثر غريمه وقام بتأسيس مدارس الأيتام والفقراء ودور العجزة في مكة المكرمة، واستخدم نفوذه ووجاهته لاقتناص المساعدات الملكية وجذب التبرعات المالية والعينية من المحسنين والحجاج والزائرين الأثرياء، حتى بلغ ما جمعه في سنة التأسيس (1355 للهجرة) نحو 400 جنيه ذهب، كما جعل موارد الشرطة في خدمة مشروعه (كانت شؤون ودور الأيتام في تلك الفترة من مسؤوليات الأمن العام).

بدأت دار الأيتام هذه أعمالها من مبنى مؤجر قبل أن يخصص لها بناية من دورين افتتحها الملك عبدالعزيز بعد حج عام 1357 للهجرة، وأشرفت عليها هيئة إدارية برئاسة مهدي بك وعضوية كل من محمد سرور الصبان وعلي بك جميل وعبدالوهاب آشي وعبدالقادر أبوالخير، وظلت هذه الهيئة تعمل حتى عام 1366 للهجرة حينما حل محلها مجلس إداري برئاسة محمد سرور الصبان وعضوية علي بك جميل ومحمد سعيد العامودي (رئيس تحرير مجلة الحج) وأحمد محمد جمال (عضو مجلس الشورى) وفؤاد رضا (عضو مجلس الشورى) ومحمد فدا (مدير منطقة الطائف التعليمية)، وقد خرجت أول فوج من الحاصلين على الشهادة الإبتدائية عام 1360 للهجرة، علمًا بأن مهدي بك وضع لها شروطًا صارمة لجهة القبول ومنها أن يكون الملتحق فقيرًا ويتيم الأب، وأن يكون سعوديًا، وألا يقل سنه عن أربع سنوات ولا يزيد على 15 سنة، وأن يكون سليمًا من الأمراض المعدية، وأن يدرس في الدار سبع سنوات دون أن يستطيع الخروج منها قبل إتمام دراسته، وألا يخرج لزيارة أهله إلا مرة واحدة في الأسبوع. وبسبب نجاح هذه الدار تعليميًا واجتماعيًا قرر الملك عبدالعزيز أن يضم إدارة وميزانية دار الأيتام الأهلية بالمدينة المنورة إليها. وقد حرص مهدي بك أن يشتمل منهج الدراسة، علاوة على المواد الدينية وقواعد اللغة العربية، ومواد المحفوظات والتاريخ والجغرافيا والهندسة والحساب والخط والإملاء والإنشاء والرياضة البدنية.

وهكذا نجح مهدي بك في إقامة مبنى فاخر في حي جياد ليكون دارا للأيتام، ثم قام لاحقا بتوسعته، كما راح يؤهل الأيتام دراسيًا ويمنحهم الشهادات ويلحقهم بدراسات أكاديمية وصناعية وحرفية، بل أرسل بعثة محدودة منهم إلى الجامعة الأمريكية في بيروت كان من ضمن طلبتها ابنه محمد لكي يحصل على الشهادة الجامعية التي حُرم هو منها وكان يحملها غريمه المقدسي.

وبغضّ النظر عن أي شيء يتعلق بدوافع الرجل، فإن تأسيسه لدار الأيتام والعجزة بمكة يعد من مآثره الخيرية والاجتماعية الجليلة التي استطاع من خلالها حماية العجزة (من المواطنين والحجاج المتخلفين) والحيلولة دون انصرافهم إلى الشحاذة، ورعاية الأيتام ومنعهم من الانخراط في الجريمة. ومن مآثره الأخرى أنه حرص على تعليم وتدريب رجاله في مؤسسة الأمن العام، فتخرج من تحت يده عشرات الشخصيات التي عملت لاحقًا في مفاصل المؤسسة كضباط أو إداريين، من أمثال طلعت وفا وصالح باخطمة وفايز العوفي وخليل هجانة وأحمد يغمور وحمزة نائل وطه خصيفان وعبدالعزيز الزهير ويوسف جمال وغيرهم. 

كما أنه حرص على استيعاب الشباب النابغ في مدرسة الشرطة التي أنشأها وراعى فيها تطبيق القوانين والانظمة الحديثة وتدريس المنسوبون الحقوق والواجبات. وقد انعكس ذلك على أفواج الشرطة المتخرجة من تلك التي راح أفرادها يتصرفون بمسؤولية على العكس مما كان دارجًا زمن قوات الجندرمة في العهدين العثماني والهاشمي. وحينما تم ضم إدارات المطافئ والمرور والجوازات والتفتش على الرقيق إلى الأمن العام قام أيضا بأعمال تحسب له، ومنها توحيد الزي، وإدخال الصافرة، وتسجيل السيارات الخاصة بأرقام تميزها عن السيارات العامة، ووضع مصابيح حمراء على مخافر الشرطة بمكة كي يسهل على الحجاج الوصول إليها للشكوى والإبلاغ عن المفقودات، ووضع سجلات خاصة بالسائقين تحمل صورهم. ومن أعماله الأخرى أنه أسس منهج تدريس السجناء لتقويمهم وتأهيلهم، وقام بدعم أول بعثة عسكرية لتعلم الطيران الحربي أرسلتها المملكة إلى إيطاليا سنة 1943، وسعى لدى الملك عبدالعزيز للحصول على موافقة جلالته للشروع بتأسيس دار لليتيمات بمكة عام 1943، بهدف إعالة اليتيمات الفقيرات وتعليمهن التعليم الذي يناسب حياتهن البيتية المقبلة، علاوة على تدريسهن القرآن الكريم وأمور الدين وتلقينهن ثقافة خاصة تؤهلهن لمستقبل سعيد وحياة زوجية صالحة وأمومة ناضجة.

وقد عرف عن مهدي بك أنه كان عطوفا على رجاله، ومرؤوسيه بدليل أنه نادرًا ما رفض طلباتهم الخاصة بالإجازات أو القروض أو الترقيات المستحقة كي يقطع الطريق على الرشوة واستغلال المركز الوظيفي.

أنعم الملك عبدالعزيز عليه بلقب المصلح نظير إخلاصه وما قدمه من انجازات مشهودة. وكان ذلك قبل إصابته بجلطة سببت له شللاً نصفيًا جراء إسرافه في العمل وأسلوبه الإداري المركزي، علمًا بأنه ذهب إلى أوروبا للعلاج لكن دون جدوى. وبسبب عجزه عن مواصلة العمل أحاله الملك إلى التقاعد في أواخر عام 1946م. وقتها أقيمت له حفلة شاي وداعية في «أوتيل مصر» بمكة، ألقى خلالها أحد الشعراء خطابًا هتف فيه قائلاً:

نودع طلعتكم هاتفين

ونهتف في أمل آسفين

رجلٌ إذا افتخر العراق به فقد

أصغى الحجاز بمنجدٍ وبمُتهَمِ

أما هو فشكرالجميع وودعهم بكلمة جاء فيها: «لقد دخلت مؤسسة الشرطة بشعر أسود، وخرجت منها بشعر أبيض».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها