النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

الإنسان بين مفهومي الخسارة والهزيمة!!

رابط مختصر
العدد 11598 الجمعة 8 يناير 2021 الموافق 24 جمادى الأولى 1442

الحياة أخذ وعطاء، اليوم تعطي وغدًا تأخذ وبعد غد تعطي، وهكذا تنشط دورة الحياة وتتنامى، ومع دورة الأخذ والعطاء تنعكس دورة الربح والخسارة، وما صعد نجم إلا وهبط نجم آخر، الربح والخسارة متلازمان ومتساويان، ماديًا في كفتي الميزان، ولكن النفس الرابحة لا تتساوى مع النفس الخاسرة، والنفس الخاسرة في دورة الربح والخسارة تبلع الخسارة بروح من الواقعية والتي دأب الناس على وصفها «روح رياضية». والروح الرياضية، التي تشع بعلاقات التآخي بين الطرفين، تلطف من أثر الخسارة على الخاسر وتستمر العلاقات بين الرابح والخاسر دونما أية تفاعلات ارتدادية سلبية والتي قد تلوث طبيعة العلاقات وتعكر صفو الحياة، وقد تفتح بابًا من الصراع لا مبرر له ولا جدوى منه. «يوم لك ويوم عليك» مثل شعبي شائع يصب في مجرى «الروح الرياضية»، ولكن ليس كل الناس على استعداد نفسي لتقبل واقع انقلب عليها بعد أن كان لها، وأن هذا الواقع قابل أن يعود لها ثانية على مسار الفلك الذي يتموضع عليه دورة الحياة.

هناك من الناس من أقنع نفسه في عمق ذاته أنه من ديدن آخر، لا يمكنه أن يتساوى مع بقية البشر، فهو الارقى وهو الناصع البياض وهو الاجمل وهو الاذكى وهو الاقوى، وهو الذي يجري في عروقه الدم الطاهر الصافي الذي يستحيل أن يتساوى او يتشابه مع دم العامة من الناس، وهم مجرد رعاع بالنسبة لهذه الفئة المتعالية، (في عصور ما قبل عصر النهضة كان ملوك اوروبا وحاشيتهم من النبلاء يعتقدون ان لون دمهم ازرق ودم العامة من الناس لونه احمر، ودارت الايام وتفجرت عروق أولئك الملوك والنبلاء بلون دم العامة، وكان الدم الازرق لعنة عليهم). رغم أن وهم الدم الازرق قد تبدد وأصبح مهزلة وأضحوكة في مزبلة التاريخ، إلا أن ديدن (DNA) «الذات النبيلة» لم يتبدد مع وهم اللون الازرق، فبقت فئة من الناس على مذهب ملوك ونبلاء الدم الازرق رغم عدم قدرتهم على انكار أن دمهم على لون دم الرعاع! (عامة الناس).. يا للعار!! لأن الطبيعة البيولوجية لا تفرق بين الناس من حيث البنية الجسدية، ولأن الحقائق العلمية لا تفرق بين الناس من حيث الملكة الفكرية ولا تربط هذه الملكة بموضع الطبقة الاجتماعية، فإن الفئة المتعالية تشعر في اعماق نفسها المريضة بالاستفزاز، وتقنع نفسها سيكولوجيًا بأنها رغم الحقائق الطبيعية والعلمية تمتلك نَفْسًا (ذاتًا) أرقى، وأن هذه الذات الارقى تؤهلها أن تكون هي الأعلى، وهي زبدة البشرية التي من حقها الإلهي! أن تهش وتكش قطيع البشر، وأن تسود وتتحكم وتستفرد بخيرات الطبيعة وتستغل جهود الرعاع، إن «الأنا والآخر» هو نبيذهم المعتق الذي به ينتشون ويسكرون ومع تطاير كحوله يفتون بأنهم القلة النبيلة الراقية والمختارة. إن ديدن «الأنا والآخر» (أنا الأفضل والآخر أدنى) لا ينظر الى الاخذ والعطاء في دورة الحياة بنسبية مقياس الربح والخسارة، بل بمقياس مطلق بين الانتصار والهزيمة، فمكانه في الحياة عرش المنتصر، والانتصار حق له وملك يديه، لا يمكن للهزيمة أن تلحق به لأنه منزه عن الهزيمة، وكأنه المختار بين الناس أجمعين (المؤمن بأنه شعب الله المختار يعيش نفس الوهم). 

من طبيعة هذه الفئة المريضة بجرثومة الذات النبيلة أن تميل بقوة وعنفوان في اتجاه اليمين سياسيًا والعنصرية اجتماعياً والاستغلال اقتصاديًا، وهذه النزعات في وحدتها تفتح أبواب الغزو والحروب والسيطرة علي مقدرات الشعوب التي لا حول لها ولا قوة. فلا غرابة إذاً عندما يدعي الرئيس الامريكي الاسبق السيد بوش الابن أنه تلقى أوامر من الله أن يغزو العراق، ولا غرابة كذلك اليوم أن يرفض الرئيس الامريكي السيد ترامب، المنتهية فترته الرئاسية، نتائج الانتخابات الرئاسية التي خسر فيها أمام المرشح الديمقراطي السيد بايدن. إن السيد ترامب، وهو أحد فرسان «الذات النبيلة» والعنصرية الفجة، ينظر إلى نتائج الانتخابات على أنها هزيمة وليست خسارة، وهو من موقعه النبيل المتعالي لا يقبل بالهزيمة، وأن من حقه أن يعيد عجلة الانتخابات الى نقطة الانطلاق (الصفر) حتى يخوض غمار حرب، وليس منافسة، انتخابات معادة يستجمع لها قواه ويحقق الانتصار الذي هو من حقه دون منازع. إنه يستميت حتى لا تثبت عليه الهزيمة ولا يخرج من البيت الابيض، لكن شاءت الاقدار له أن ترتد عليه، وهذه سنة الحياة التي لا يعيها، مع الاسف، السيد ترامب. كل ماعلى السيد ترامب هو أن يحول عقليته (mind set) من مفهوم الهزيمة إلى مفهوم الخسارة، حتى ينعم بالروح الرياضية وترضى نفسه ويعد العدة لانتخابات مقبلة بعد اربع سنوات علله يربح دون انتصار، وهذا من حقه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها