النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11692 الإثنين 12 ابريل 2021 الموافق 30 شعبان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:57AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:59PM
  • العشاء
    7:29PM

كتاب الايام

مرحلــــــة الكـــــــــــــورونا

رابط مختصر
العدد 11597 الخميس 7 يناير 2021 الموافق 23 جمادى الأولى 1442

يلج العالم العام 2021 وهو ما يزال يقاوم تداعيات جائحة الكورونا، وعلى أكثر من مستوى. وتتراوح التقديرات بين تلك المتفائلة التي تتوقع تعافي العالم منها بنهاية هذا العام، وبين تلك المغرقة في تشاؤمها التي ترى أن معاناة العالم ستمتد إلى ما هو أطول من ذلك.

لكن، وبغض النظر عن دقة أي منهما ينبغي الاعتراف أن ما ألحقته تلك الجائحة بالإنسان تصل إلى مستوى التدمير، وعلى نحو يكاد أن يكون شموليًا، ولا يشكل التدمير الاقتصادي والمالي سوى قطعة الثلج الطافية التي تخفي تحتها جبل الجليد الذي يحمل مؤشرات التقويض التي شهدنا طلائعها مع تفشي ذلك الفيروس قبل أكثر من عام تقريبا.

ولسوف تقرأ الأجيال القادمة تاريخ العالم بعد تمييزه بين فترتين فاصلتين الأولى منهما تسبق الجائحة وتداعياتها، والأخرى تلك التي تعقبها. وقد تمظهرت تلك التداعيات على أكثر من صعيد.

فعلى الصعيد الاقتصادي وجهت، كما يقول تقرير صادر عن البنك الدولي، «جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) ضربة موجعة إلى اقتصاد عالمي يعاني بالفعل من الهشاشة. ومع أن النطاق الكامل للآثار البشرية والاقتصادية للجائحة لن يتضح قبل مرور بعض الوقت، فإن الخسائر في هذين المجالين ستكون كبيرة... تُخلِّف حالات الركود الحاد تداعيات مستديمة على الناتج المحتمل من خلال تقليص معدلات الاستثمار والابتكار، وتآكل رأس المال البشري للعاطلين، والانسحاب من دائرة التجارة العالمية، وانقطاع الصلة بسلاسل التوريد. وستكون الأضرار الطويلة الأجل لجائحة كورونا شديدة للغاية في الاقتصادات التي تعاني أزمات مالية، وفي البلدان المصدرة لمنتجات الطاقة بسبب انهيار أسعار النفط. وفي المتوسط في فئة اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، على مدى خمس سنوات، قد يؤدي كساد تصاحبه أزمة مالية إلى انخفاض الناتج المحتمل نحو 8%، أمَّا في البلدان المصدرة للطاقة من بين هذه الفئة، ففي المتوسط قد يؤدي كساد يصاحبه انهيار أسعار النفط إلى انخفاض الناتج المحتمل بنسبة 11%».

وجاء في تقرير صادر عن جامعة سيدني الأسترالية، «أن 147 مليون شخص فقدوا وظائفهم حول العالم، مما تسبب في انخفاض مدفوعات الرواتب بواقع 2.1 تريليون دولار. وانخفض مستوى الاستهلاك العالمي بنسبة 4.2 في المئة، أي ما يعادل 3.8 تريليون دولار، وهو ما يوازي الناتج الإجمالي المحلي لدولة مثل ألمانيا».

أما على الصعيد السياسي فقد كانت بصمات كورونا واضحة، وإن لم تكن هي السبب الوحيد وراء مجموعة من الأحداث السياسية المفاجئة في أكثر من بلد، كان الأبرز بينها، كما جاء في تقرير نشره موقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، الانتخابات الأمريكية، واحتجاجات هونغ كونغ، وأزمة تيغراي في إثيوبيا، والأزمة السياسية في إسرائيل. ويكفي التوقف عند الانتخابات الأمريكية التي جاءت بالحزب الديمقراطي بدلا من الجمهوري. وكان تعامل الجمهوريين مع الوباء وتداعياته من بين الأسباب المهمة التي قادت إلى نجاح غريمهم الجمهوري. هذا ما أفصح عنه أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية آلان ليتشمان، وهو الذي ابتكر نظرية «13 مفتاحًا» نجحت في استقراء نتائج الانتخابات الأمريكية بشكل صحيح منذ العام 1984. 

يرى ليتشمان أن «استجابة ترامب الفاشلة للوباء هي التي أدت إلى هزيمته (ترامب)، (مضيفًا) إن ترامب قلل من شأن الوباء وفشل بالتالي في احتواء العدوى بسرعة، الأمر الذي كلفه المفتاح الاقتصادي قصير الأجل والمفتاح الاقتصادي طويل الأجل، (مشيرًا)، إلى أن الوباء ساعد أيضًا في تحقيق أعلى نسبة مشاركة للناخبين منذ أكثر من قرن، فقد خلق الوباء إحساسًا حقيقيًا بحالة الطوارئ الوطنية، وأعتقد أن ذلك أقنع الشعب الأمريكي، المؤيدين لترامب والموالين لبايدن، بأن هذه الانتخابات كانت أهم حدث في حياتهم».

أما على المستوى الاجتماعي، فقد أدى تفشي الوباء، كما جاء في تقرير صادر عن «الإسكوا»، إلى انخفاض «نشاط قطاع الخدمات بمعدل النصف، ونظرًا إلى أن هذا القطاع هو المصدر الرئيسي لفرص العمل في المنطقة العربية، فأي تأثيرات وخيمة تطال نشاطه ستترجم إلى خسائر كبيرة في الوظائف. وقد تتقلص الطبقة المتوسطة في المنطقة العربية أكثر فأكثر، مما قد يدفع 3.8 مليون شخص إضافي إلى شباك الفقر».

وفي السياق الاجتماعي يؤكد تقرير صادر عن الأمم المتحدة على أن الجائحات تؤدي «إلى تضخيم جميع أوجه عدم المساواة القائمة وزيادة حدتها. وتؤثر أوجه عدم المساواة هذه بدورها على المتضررين بالجائحة، وعلى حدّة تأثيرها، وعلى جهودنا الرامية إلى التعافي. ولقد خلقت جائحة كوفيد-19 وآثارها الاجتماعية والاقتصادية أزمة عالمية لا مثيل لها في تاريخ الأمم المتحدة - وهي أزمة تتطلب استجابة المجتمع بأسره لتتناسب مع حجمها وتعقيدها. ولكن هذه الاستجابة، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، ستضعف إلى حد كبير إذا لم تأخذ في الحسبان كيف أن أوجه عدم المساواة قد جعلتنا جميعًا أكثر ضعفًا في وجه تأثيرات الأزمة». 

ولن تخلو تأثيرات التداعيات التي نتحدث عنها عن البعد النفسي، هذا ما تعترف به محررة الإعلانات والطالبة في الثلاثينيات من العمر سوزان كيمب، التي كانت تعيش حياة مفعمة بالنشاط والحيوية قبل جائحة كورونا المستجد. لكن، وكما نشر حالتها بعد تفشي الوباء موقع «البي بي سي»، تعترف كيمب قائلة بأن «إن الضغوط النفسية الإضافية أصبحت تدفعني إلى حافة الانهيار التي كنت من قبل أستطيع تفاديها». 

فهي كما يقول الموقع «أصبحت ترتعد خوفًا من المواصلات العامة، وزاد حرصها على نظافة أدوات المائدة والأكواب وينتابها الخوف والحزن كلما رأت صور خلايا فيروس كورونا».

هذه أبرز مظاهر التأثيرات السلبية التي ولها تفشي الجائحة، والتي وجد الإنسان نفسه عاجزًا عن مواجهتها على الصعيدين الذاتي الضيق والوطني أو الأمم على نحو أكثر شمولية.

وكما أشرنا، ربما ستقرأ الأجيال القادمة، عندما تقرأ تاريخ العالم أن تقسيماته تشمل مرحلتين واضحتي المعالم الأولى تسبق تفشي الكورونا، وتلك التي تأتي بعدها.

لكنها ستقرأ أيضًا أن الإنسان، وهو في أوج قمة تبجحه بإنجازاته، واستعراض قوته، وقف عاجزًا أمام جرثومة لا يتجاوز تكوينها الخلية الواحدة، أجبرته على تغيير سلوكه الاجتماعي، بعد أن كشفت أمام عينتيه هشاشة تلك الإنجازات!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها