النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11855 الأربعاء 22 سبتمبر 2021 الموافق 15 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

زكي نجيب محمود الفيلسوف والأديب

رابط مختصر
العدد 11592 السبت 2 يناير 2021 الموافق 18 جمادى الأولى 1442

وسط ازدحام الأحداث وإيقاع الحياة السريعة بعد ثورة الاتصالات الحديثة لا ينسى كل قارئ عربي العقل المصري الذي قلما أنعم علينا الزمان بمثله، صاحب الفضل الكبير على الثقافة العربية والعقل المصري الفيلسوف زكي نجيب محمود، الأديب الموسوعة الذي رحل عن دنيانا عام 1993.

هذا الرأي للكاتب المصري مصطفى طاهر، الذي يعتقد أن الفيلسوف زكي نجيب محمود المولود في عام 1905 نجح طيلة تسعة عقود في صناعة ملحمته الخاصة، ولا تبدو القيمة العظمى للفيلسوف كمجرد كاتب أكاديمي نابغ أو استاذ الفلسفة الكبير في كلة الآداب، لكن معجزة زكي نجيب محمود انه كان قنطرة حقيقية للفكر نجحت في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ في عبارات أدبية جذابة، نجح من خلالها في فك المسائل الفلسفية وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليومية، واستطاع بكتاباته أن يخرج الفلسفة من بطون الكتب وأروقة المعاهد والجامعات لتؤدي دورها في حياة الناس بشكل عام.

عند قراءة مقالات زكي نجيب، كانت تبدو كأنها كتابات من المستقبل، فحتى الآن لا تستطيع أن تصدق أن تلك المقالات لكاتب رحل عن عالمنا ما يزيد على ربع قرن، ما ساعد على نضوج تجربة هو حياته المليئة بالزخم والترحال منذ سنوات الطفولة الأولى.

وصفه عباس العقاد قائلاً: «إنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، فهو مفكر يصوغ فكره أدبًا، وأديب يجعل من أدبه فلسفة»، وربما تحمل كلمات العقاد مفتاحًا أساسيًا لفهم تركيبة عبقري الفلسفة المصري التي تصفها إحدى الدراسات الأكاديمية التي ناقشت حياته -والتي ارتكز عليها تعريفه على بوابة المعرفة- بأنها مرت بثلاث مراحل أساسية للتطور، وانشغل في أولها بنقد الحياة الاجتماعية في مصر وتقديم نماذج من الفلسفة القديمة والحديثة والآداب التي تعبر عن الجانب التنويري، تبدو ثمار تلك المرحلة واضحة في ثلاثة كتب اشترك في تأليفها مع الأستاذ أحمد أمين، قبل أن يدخل للمرحلة الثانية بعد العودة من أوروبا، وامتدت تلك المرحلة من حياته حتى الستينات عندما بلغ سن التقاعد الأكاديمي.

ودعا زكي نجيب في تلك الفترة إلى تغيير سلم القيم إلى النمط الأوروبي، والأخذ بحضارة الغرب بصفتها حضارة العصر، بخاصة مع اشتمالها على الجوانب الإيجابية في مجال العلوم التجريبية والرياضية، وتقدير قيمة العلم والجدية في العمل واحترام الإنسان، وهي القيم التي كانت مهدرة ومفتقرة نسبيًا ذلك الوقت في العالم العربي.

أما المرحلة الثالثة فهي شهدت عودته إلى التراث العربي قارئًا ومنبقًا عن الأفكار الجدية فيه، بعد أن كان رافضًا له من قبل، وبدأ في البحث عن سمات الهوية العربية التي تجمع بين الشرق والغرب وبين الحدس والعقل، وبين الروح والمادة.

هكذا تعبر مراحل زكي نجيب محمود الثلاث التي تصفها الدراسة عن شخصيته الرجل الذي كان يمتلك من الثقة القدر الكافي الذي لا يجعله يقع أسيرًا لأفكاره، فنجح في التطوير عبر السنوات والأفكار والمدارس الفكرية.

اتصل زكي نجيب محمود بالصحافة في فترة مبكرة من حياته، وكانت بدايته المنتظمة مع مجلة الرسالة التي أنشأها الأديب أحمد حسن الزيات منذ صدورها سنة 1932، وصار يواليها بمقالات ذات الطابع الفلسفي أسبوعًا بعد آخر.

وعن طريق اتصاله بمجلة الرسالة تعرف على الأستاذ أحمد أمين الذي ضمه معه إلى لجنة التأليف والترجمة والنشر التي كانت يترأسها، وتضم في عضويتها عددًا من أعلام العصر وكبار رجال الفكر، وقد توثقت العلاقة بين الرجلين، وأثمر ذلك كما أشرنا سلفًا اشتراكها في تأليف ثلاثة كتب، هي قصة الفلسفة اليونانية، وقصة الفلسفة الحديثة، وقصة الأدب والعالم.

وفي أثناء هذه الفترة ظهرت مجلة الثقافة برئاسة أحمد أمين وبمعاونه لجنة التأليف والترجمة، فاشترك في تحريرها زكي نجيب محمود ووالاها بمقالاته المتعددة.

وفي سنة 1964 عهدت إليه وزارة الثقافة في عهد وزيرها محمد عبدالقادر حاتم بإنشاء مجلة فكرية رصينة تعنى بالتيارات الفكرية والفلسفية المعاصرة، فأصدر مجلة «الفكر المعاصر» ورأس تحريرها، ودعا كبار رجال الفكر في مصر للكتابة فيها، وشارك هو فيها بمقال شهري ثابت تحت عنوان «تيارات فلسفية»، وظل يرأس تحريرها حتى سافر إلى الكويت للعمل في جامعتها.

تقول إحدى الدراسات: يعتبر المفكر زكي نجيب محمود من أول المساهمين وأثراهم في توليد المصطلح الفلسفي الحديث، فقد أمد اللغة العربية المعاصرة بعدد من المصطلحات الفلسفية المبتكرة.

ذلك ان هذه اللغة لم تعرف حركة نقل فلسفي منذ القرن التاسع الميلادي، حين ازدهرت حركة الترجمة الفلسفية في أروقة «بيت الحكمة» في بغداد زمن الأمين والمأمون بالخصوص.

فقد عرفت في عصريهما العديد من مفردات الفلسفة الاغريقية، ليدخل بعدها المصطلح الفلسفي العربي مرحلة ركود، امتدت ما يقارب إلى عشرة قرون.

لم يكن التوليد المصطلحي ليستعيد حركته إلا في أربعينات القرن العشرين، من خلال القفزة النوعية التي دشنتها كتابات محمود وفيه ترجم وابتكر عشرات المفردات المجردة، لا سيما في مصنفة «قصة الفلسفة الحديثة» (1936) كذلك في نقله لـ«محاورات افلاطون» وفيها برع في استخدام المفاهيم والمفردات التي اشتقها من العربية الاصلية، فاستعاد ما في تيارات الفلسفية الغربية الحديثة والوسطى من مبادئ ومقولات تغطي كل الحقول الدلالية،

على أن الإسهام الأكبر لهذا المفكر يكمن في محاولات الجريئة لتطبيق مفاهيم الفلسفة التحليلية التي حصرت مهمة الفلسفة في «التوضيح المنطقي للفكر» حسب عبارة كارناب، على التراث العربي وانجاز قراءة توضيحية لكل ما كتب طيلة قرون في مختلف ميادين المعرفة الانسانية من فلسفة وأدب وكلام وعلوم. 

كما أسفرت هذه المسيرة الفكرية الدؤوبة عن ضخ جرعة كبيرة من أدوات المنطق الصوري - التحليلي في شرايين الثقافة العربية.

حمل زكي نجيب محمود مشروعًا نقديًا متكاملاً، ضم بين دفتيه رؤية نسقية لكل قضايا إنسان ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى منتصف التسعينات، أي قبيل الثورة الاعلامية والرقمية حين كان العالم لا يزال يحلم بالمواءمة -ضمن الرؤية الفلسفية الواحدة- بين اقتضاءات الروح والعقل، الحرية والجبر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها