النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

ولادة دولة عظمى: الصين

رابط مختصر
العدد 11588 الثلاثاء 29 ديسمبر 2020 الموافق 14 جمادى الأولى 1442

الإنسان في صراع دائم مع ذاته، وهذا الصراع أفرز قوى سائدة وقوى تابعة وقوى مناهضة، وتشكلت معها هيكلة القوة في تراتبية هرمية. ومع تولد الدول ونموها صعدت قلة من الدول إلى قمة الهرم وتسمّت بالدول العظمى. كل دولة عظمى تعيش دورتها الحياتية، بين صعود وأفول، وهذه هي سنة الحياة مع الأحياء والأنظمة والدول، إن عظمة دولة هي احتمالية تاريخية بينما خلودها مستحيل، وليس من جديد في هذا القول، ولا تغيير في سنة «الصعود والأفول». كل دولة عظمى تدور في فلكها دول تابعة، بينما دول أخرى لا تستسيغ التبعية وتحب أن تستقل بذاتها وتنفرد بقراراتها مما يخلق هاجسًا عند الدولة العظمى وتكون تحت رقابتها وأدوات رصدها، وتداعبها بمناورات سياسية أو اقتصادية بغية ضمها الى فلكها بالود أو بالقسر، لأن أي خروج عن فلكها يمثل خطرًا على أمنها القومي. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز دولتين عظيمتين وكل دولة منهما تربط جميع مناطق الكرة الأرضية بأمنها القومي، فأية بقعة خارج أنظار الدولة العظمى تمثل بؤرة خطر على أمنها القومي، مما يستدعى نشر قواعد عسكرية وتشكيل تحالفات عسكرية وشبكة مصالح اقتصادية وتجارية تخدم المصلحة العليا للدولة العظمى وتسهم نسبيًا في تنمية اقتصادية وتعاملات تجارية محفزة للدول التي تدور في فلكها. حتى ترتقي أية دولة إلى مرتبة «دولة عظمى» فهي في حاجة إلى مقومات معيارية أولها استقلالية القرار السياسي وحرية التعامل التجاري النابع من نظام اقتصادي نشط ينمو يومًا بعد يوم. هذا المعيار الأولى (الجوهري) بحد ذاته ليس كافيًا، فلا بد من معايير أساسية لها قوة الدفع في رفع الدولة الطموحة إلى أعلى هرم القوة.

العلم وما يتبعه من تكنولوجيا تطبيقية هما المعيار الأساس الذي يحدد مكانة أية دولة في المجتمع الدولي ويساعد في دفعها إلى أعلى هرم القوة، خاصة وأن متلازمة العلم بالتكنولوجيا التطبيقية هي دعامة تلبية متطلبات الحاجات المدنية والعسكرية، وإذا صاحب هذا المعيار معياري الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، فإن الدولة، التي ينطبق عليها هذه المعايير تكون مؤهلة لتبوء مكانة «دولة عظمى». بعد طي صفحة الدولة السوفييتية، استفردت الولايات المتحدة بالساحة الدولية دون منازع، ولكن لحين من الوقت حسبما تقتضيه معادلات التاريخ. لقد كان الحديث قبل زمن قصير هو أن الصين على وشك اللحاق بالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، أما اليوم فإن الصين قد وصلت الى المنصة التي تقف عليها الولايات المتحدة، ولكنها بعد لم تكشف عن رؤيتها. 

ها هي الصين اليوم نجمة تتلألأ بانجازات اقتصادية وعلمية وتكنولوجية تتفوق بها على الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقًا. 

علميًا وتكنولوجيًا يكفينا هذا الخبر: «أعلنت وسائل إعلام صينية حكومية عن نجاح المسبار القمري الذي غادر الأرض في الثامن من ديسمبر، في الهبوط الخميس دون تعقيدات على الجانب المظلم من القمر، في خطوة هي الأولى من نوعها في تاريخ غزو الفضاء». و يضيف الخبر بأن المسبار الصيني (شانغي 5) قد نجح الأحد في الالتحام بالمركبة التي بقيت في مدار القمر، بعدما كان غادر الخميس سطح القمر حاملاً منه عيّنات سيعود بها إلى الأرض. وشكّل هذا الالتحام أحد مراحل مهمة المسبار الطموحة المتمثلة في العودة إلى الأرض بعيّنات من سطح القمر للمرة الأولى منذ 40 عامًا. ويتكوّن (شانغي 5)من أجزاء عدة، هي مركبة مدارية (بقيت في مدار القمر خلال تنفيذ المهمة)، ومركبة هبوط قمرية (حطّت على سطح القمر)، ووحدة صعود (من السطح إلى مدار القمر). والجزء الأخير الذي يحمل العيّنات من سطح القمر هو الذي التحم صباح الأحد بالمركبة المدارية، بحسب وكالة أنباء الصين الجديدة الرسمية عن وكالة الفضاء الوطنية. 

مع هذا الانجاز العلمي - التكنولوجي فإن الصين أثبتت أهليتها لتبوء مكانة «دولة عظمى». أما بالنسبة للمقومات الاخرى، السياسية والاقتصادية، فإن كفة الميزان تميل لصالحها أمام الولايات المتحدة، سياسيًا في الولايات المتحدة، بوادر الانقسام كانت مكنونة منذ «الصفقة الجديدة» التي نادى بها الرئيس روزفلت في بداية ثلاثينيات القرن الماضي مرورًا بعهد ريغان الذي سلم السلطات الدستورية إلى بارونات المال وصولًا إلى اليوم، عهد ترامب، حيث الصراع السياسي بين اليمين واليسار قد اقترب من نقطة حرجة، في حين أن الوضع السياسي في الصين أكثر استقرارًا. أما اقتصاديًا فيكفي أن الولايات المتحدة مثقلة بدين عام تخطى حاجز العشرين تريليون دولار وهي عاجزة أن تسدد هذا الدين لأن الدين العام في حال تراكم متواصل، فمعدّل التراكم اليومي للدين العام قد بلغ 2 بليون و 500 مليون دولار يوميًا، فهي غارقة في دين عام لا تستطيع سداده، وهذا يؤثر سلبًا على مكانتها الدولية ويعجل بانهيار الدولار، بينما الصين لها قروض مستحقة على الولايات المتحدة، واقتصادها في نمو مطرد. أما عسكريًا، فإن ميزان القوة بين الصين والولايات المتحدة يمثل عنصر ردع وحذر، فبالرغم من كل المناوشات العسكرية الأمريكية في بحر الصين، إلا أن أمريكا تعرف حدودها وهي متيقنة أن هناك خطوط حمراء صينية لا يمكن تخطيها. ما بقى للولايات المتحدة أمام الصين إلا أن تقاوم بالقدر الذي لا يدفعها إلى حماقة المغامرة العسكرية ضد الصين، فهي تعلن صراحة على لسان السيد راتكليف، مدير الاستخبارات الامريكية، أن الصين تمثل التهديد الأكبر الذي يواجهه الأمن القومي الأميركي والعالم الحر (أي الغرب عامة) منذ الحرب العالمية الثانية... الصين وليس روسيا الاتحادية التي تنافس الولايات المتحدة عسكريًا وسياسيًا. وقد كتب السيد راتكليف في مقال نُشر في صحيفة «وول ستريت جورنال» إن: «المعلومات الاستخباراتية واضحة: تعتزم بيجين الهيمنة على الولايات المتحدة وبقية العالم اقتصاديًا وعسكريًا وتقنيًا... العديد من المبادرات العامة الكبرى في الصين والشركات البارزة لا تمثل سوى غطاء من التمويه لأنشطة الحزب الشيوعي الصيني».

هذه كلها مؤشرات واضحة أن الصين تحث خطاها صعودًا إلى عرش «دولة عظمى»، ولا يخامر أحد أدنى شك أن «الصين العظمى» على قاب قوسين أو أدنى. السؤال الملح، النابع من تجارب الانسان مع الإمبراطوريات عبر التاريخ، هو: ماذا بعد؟ كيف ستتعامل دولة عظمى جديدة مع بقية الدول؟ كيف ستؤمن استدامة بريقها الاقتصادي؟ كيف ستحافظ على أمنها القومي على رقعة جغرافيا العالم؟ كيف ستدير شؤون الدول التي تدور في فلكها؟ كيف ستتعامل مع الدول صاحبة السيادة والقرار الحر؟ إنها أسئلة شرعية وواقعية ويصعب الاجابة عليها، وفي اعتقادي أن الصين نفسها لا تملك الاجابة، وأنها ستكتشف ذاتها أمام التجربة التاريخية التي في انتظارها...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها