النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

ماذا بعد نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية؟

رابط مختصر
العدد 11583 الخميس 24 ديسمبر 2020 الموافق 9 جمادى الأولى 1442

  • مشروع ينقل الورقة العربية من مقاعد المتلقين إلى مصاف الفاعلين

 

أسدل الستار على انتخابات الرئاسة الأمريكية، وخرج الجمهوريون من البيت الأبيض كي يحل مكانهم الديمقراطيون. وكشفت مسيرة تلك الانتخابات المتعرجة الكثير من الحقائق التي كان البعض منا يجهلها، والبعض الآخر لا يملك إلا أن يغض الطرف عنها، أخذا بعين الاعتبار الظروف المحيطة بها، وطبيعة العلاقات التي تفرزها. لكن ما هو أهم من كل ذلك، هي تلك الحقائق التي ستمسنا نحن كعرب، وسوف تترك بصماتها على موقع العرب القادم في موازين خريطة العلاقات الدولية خلال الفترة القصيرة، إن لم يكن المتوسطة، المقبلة. ومن هنا فقد أصبح العرب مطالبين بأن يضعوا استراتيجيات سياساتهم الخارجية ذات العلاقة بمستقبل الشرق الأوسط التي تضمن خدمتهم لمصالحهم بما يتناسب والنتائج التي تمخضت عنها تلك الانتخابات بغض النظر عن موقفنا منها، والحقائق التي ولدتها على أرض واقع العلاقات الدولية على ساحة العمل السياسي الشرق أوسطية. 

ولكي يتمكن العرب من قول كلمتهم في ذلك المستقبل، ينبغي عليهم فهم الحقائق التالية، التي تشكل محور السياسة الخارجية الأمريكية، وتضع أساسات ثوابتها.

الحقيقة الأولى، أن واشنطن هي دولة مؤسسات، مهما خدشت بعض تصرفات أي من الحزبين جدران عناصر قوة تلك المؤسسات. والقول بذلك لا ينبغي يوقع صناع القرار السياسي العربي في نوع من المثالية التي تفترض كمال جسم سلوك هذه المؤسسات، وعدم وقوعها، في مراحل معينة من تطور أي مجتمع، مهما بلغ من التطور، في الخطأ، واضطرار صناع القرار فيها إلى الانحياز عن الطريق المتوقع أن تسلكه تلك المؤسسات أزاء القضايا التي تواجهها، بما في ذلك مسألة مصيرية من مستوى الانتخابات الرئاسية.

الحقيقة الثانية، أن الولايات المتحدة لم تعد تلك القوة الناشئة التي عرفت بها منذ أعقاب الحرب الكونية الثانية، عندما طرحت مفاهيمها السياسية بديلا لما كان قائما حينها، سواء بالنسبة للمعسكر الشيوعي، أو حتى النظام الرأسمالي. فقد نظر العالم إلى واشنطن حينها، بوصف كونها البديل التاريخي الذي بوسعه أن يضع حدا للتوسع السوفياتي من جانب، وينتشل المعسكر الرأسمالي التقليدي من أزماته المتلاحقة التي قادته نحو حربين عالميتين خلال أقل من أربعة قرون، من جانب آخر. ومن الطبيعي أن يكون سلوك الدولة والنظام السياسي الذي يسير دوائرها في مراحل الهرم مختلفة، بل ربما يكون سلوكها في فترات الشيخوخة متعارضا، إن لم تكن مناقضا لذلك الذي كان يسير مؤسساتها في مراحل الشباب والنمو.

الحقيقة الثالثة هي أنه آن الأوان كي ننزع نحن العرب من أذهاننا تلك النظرة المفتونة بواشنطن، والتي تضع الولايات المتحدة في مواقع القديسين الذين لا يأتي سلوكهم السياسي الباطل من أمامه ولا من خلفه، ولا يشوب نتائجه السياسية أي غبار. وأن ننظر إلى ما آلت إليه نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية من زاوية برغماتية سياسية حذقة، تسبر أغوار أية تحولات في تلك السياسة، وتضع المصالح العربية فوق كل اعتبار، وتبني سياساتها الخارجية بما يخدم تلك المصالح.

تأسيسًا على ذلك، ينبغي أن ننطلق عند تحديد سياساتنا تجاه تلك النتائج الأمريكية من الحقائق الآتية:

الأولى منها أن الثقل الاقتصادي العربي لم يعد يحظى بتلك المكانة المرموقة، التي كان يحتلها بفضل النتائج التي فجرتها ثورة الأسعار في الصناعة النفطية، في السبعينات وما تلاها من سنوات لاحقة في القرن العشرين. وذلك يعود لأسباب كثيرة لعل الأبرز بينها هو التدهور غير المتوقع في تلك الأسعار منذ العقد الثاني من هذا القرن من جانب، وتحول الاقتصاد العالمي، بشكل فجائي وسريع نحو الاقتصاد المعرفي الذي ضاءل من أهمية بعض مرتكزات الاقتصاد التقليدي فيما يتعلق بالمواد الخام الطبيعية، وفي مقدمتها النفط. ثم جاءت جائحة كوفيد-19 كي تقضم ظهر البعير، فتعزز من مكانة الاقتصاد الأول وتقلص من أهمية حجم الاقتصاد الثاني. وبالتالي فعلى العرب أن يدركوا، بشكل واعٍ، الحيز الذي بات يحتله الاقتصاد النفطي في معادلة خريطة موازين القوى في العلاقات الدولية.

أما الثانية منها فهو أنه مهما اهتز عرش صناعة القرار الأمريكي المتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، خاصة تلك المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، تبقى هناك بعض الثوابت المفصلية التي لا تملك أية إدارة أمريكية، جمهورية كانت تلك الإدارة أم ديمقراطية، ذلك الهامش الواسع الذي يبيح لها مرونة الحركة في مساحته الضيقة. ومن ثم فمن غير المنطق توقع انحيازات واسعة لصالح العرب في المرحلة القصيرة المقبلة. ومن غير المتوقع أن تكون للعرب كلمة مسموعة تجبر أيا من اللاعبين الأساسيين فوق ساحة الشرق الأوسط المعقدة، والحبلى بالمفاجآت على تغيير سياسات بما يخدم أي مشروع عربي. هذا على افتراض أن هناك مشروعا عربيا محدد الملامح يمكن الإشارة له، ولو من بعيد. وربما من المتأخر اليوم حث العرب على وضع هذا المشروع كي يكون مؤثرا على المدى القصير، وفي فترة تسبق انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، التي لا ينبغي لنا استبعاد بعض المفاجآت التي سوف تحملها للعالم بأجمعه، بما فيه منطقة الشرق الأوسط.

ثم تأتي ثالثة الأثافي، وهي إن لم يسارع العرب، وفي فترة قصيرة جدا، وسارعوا إلى حل خلافاتهم الثانوية الداخلية، ووضعوا حدا للتداعيات التي ولدتها في جسد الكيان العربي، التي أضعفت من قدراتهم على التقدم بمشروعهم العربي المتكامل الذي يجبر الآخرين على أن يحسبوا للعرب الحسبان عند وضع أي خطة، أو طرح مشروع مفصلي يتعلق بترتيب أوراق بيت منطقة الشرق الأوسط. ففي غياب موقف عربي منسق، كي لا نحلم ونذهب إلى القول الحالم بموقف عربي موحد. فإذا ما استمرت المطاحنات العربية على النحو الذي هي عليه اليوم، ومنذ ما يزيد على القرن من الزمان، سوف تبقى الورقة العربية هي الأضعف بين الأوراق الشرق أوسطية الأخرى. لذا يصعب توقع ما سوف يؤول إليه مستقبل الأوضاع العربية في ضوء نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، ما لم نشهد موقفا عربيا ناضجا يضع المصلحة العربية الشاملة فوق كل اعتبار قطري، أو طائفي، أو حتى فئوي، يحول الورقة العربية من مقاعد المتلقين إلى مصاف الفاعلين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها