النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11700 الثلاثاء 20 ابريل 2021 الموافق 8 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:04PM
  • العشاء
    7:34PM

كتاب الايام

وداعًـا.. إسحـاق الـشيخ

رابط مختصر
العدد 11577 الجمعة 18 ديسمبر 2020 الموافق 3 جمادى الأولى 1442

طوى من العمر تسعة عقود فأتعبه المسير وأضناه، ألقى رحله أخيرًا وعانق رائحة مريم شقيقته التي أحبها ورافقت طفولته وصباه، فكان يشمُ عبق رائحتها في كل الزوايا حتى آخر العمر الذي قطع مشواره صادقًا ووفيًا ومندهشًا بالحياة.

قال لي يومًا، أحب الحياة، قلتُ له كذلك هو الجواهري شاعر العراق الأكبر، ولعل حبه للحياة ومرحها وأشواق لياليها ساعده كثيرًا على أن يمتد به العمر «93 عامًا»، تخللتها سنوات السجن والمنافي وعذابات اليسار الذي اختار الانحياز له واختاره طريقًا حتى فارق العمر.

اختلفنا واتفقنا.. زعلنا وتصالحنا، لكننا أنا وبو سامر لم نتنكر لصداقةٍ بيننا جميلة ربطت بنا على طريق الكلمة والحوار ودفق النقاش بمودة هي زادنا وزوادنا.

إسحاق بن يعقوب الشيخ، ابن الجبيل والدمام، وعاشق البحرين حتى الذبالة، كان قلبه كبيته مفتوحًا للجميع ولم يكن ليضع حواجز بينه وبين أحدٍ من الناس حتى لو عرفه للتو واللحظة، وكنتُ أقول له ممازحًا ومناكفًا «السياسي حذِر يا بوسامر، وأنت تندفع بلا حذر، ولا تحسب في علاقاتك، فتطرح كل أوراقك لمن تعرف ولمن لا تعرف».

ابتسم ثم ضحك، وقال «لم يبقَ في العمر بقية فدعني على سجيتي في علاقاتي» فابتسمت له باحترام.

في أواخر أيامه قال لي «بدأت أنسى»، وكي أخفف عليه قلت، الآن فقط بدأت هذا جميل شباب صغار يا بوسامر اخترق النسيان ذاكرتهم.

ماركسي من جيل الستالينية في أفكاره «بلدوزر» مع المختلف، وكنت أقول له، ما هكذا تورد الإبل يا سعد، فيضحك أحيانًا وأحيانًا يثور ويقول «وهل تريدني أن أطبطب عليهم».

انحاز بقوة وعي إلى مشروع الإصلاح لصاحب الجلالة حفظه الله، وكان صوتًا وقلمًا مدافعًا ومنافحًا عن الإصلاح وقلمًا صلبًا أمام جماعة الدوار والانقلابيين الخمينيين ولم يرحم «ربعه» اليساريين حين تحالفوا مع الخمينيين واصطفوا في الدوار معهم، وسامهم سياط قلمه ولسانه بجرأة في المواجهة، حقًا كنت إصلاحيًا بوسامر.

وانحاز بوعي المثقف المستنير إلى إصلاحات الأمير محمد بن سلمان في الشقيقة السعودية، ودافع عنها وتبناها وكتب عنها كثيرًا في «الأيام» التي أحب وأحب زملاءه فيها، وكان واحدًا منهم في همومهم وآمالهم وتطلعاتهم ومشاريع صحيفتهم.

في نهاية كل أسبوع كنا في الأيام على موعدٍ معه، لم ينقطع عن الزيارة المعهودة حتى أقعده المرض فانقطع غصبًا، بو سامر الذي ظل جزءًا من ذاكرة الأيام ومجلسها الأسبوعي يخوض النقاش والحوار ثم يودعنا مبكرًا، لننتظر الأسبوع المقبل.

لكنه تعب من المرض في الشهور الأخيرة وأخذ يرنو إلى أيامٍ وسنين مضت وتاريخ مزدحم بنضالات مراحل العمر وأسماء مرت ازدحمت بها ذاكرته، معظمهم ترجَّل قبله ورثاه بوسامر كرفيق درب، ولم يبقَ منهم من يرثيك أيها الصديق ممن اقترنوا بعمرك، وكأنك قدرك أن تظل بعبارتك اللماحة الأدبية لترثيهم في رحلات الوداع.

وأراك يا بوسامر معجونًا بعشق الحياة بشقاوة شابٍ في مقتبل العمر فأضحك معك من كل قلبي على شقاوتك فتهمس لي ببيت شعر وأنت تضحك.

إسحاق بن يعقوب الشيخ، الوفاء فيك طبعٌ وليس تطبعًا، والإخلاص لأصدقائك صفة جبلت عليها يا بوسامر وكنت بها الأجمل والأبهى.

وداعًا بو سامر أيها الصديق الذي رحل ولن يرحل عن ذاكرتنا، نَمْ بهدوء بعد مشوار عمر مزدحم ومليء بالترحال، نَمْ مطمئنًا فأنت أنت لم تتغير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها