النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

أخطار الإحباط ومساوئ الانفعال في العمل السياسي 5-5

رابط مختصر
العدد 11576 الخميس 17 ديسمبر 2020 الموافق 2 جمادى الأولى 1442

من يستعرض التاريخ العربي الحديث، بل وحتى المعاصر منه، يكتشف دون عناء تناوب حالات الإحباط والانفعال في العمل السياسي على السلوك العربي. ويمكن التوقف عند محطات بارزة في هذا التاريخ كي نلمس اجتياح موجات من الإحباط تمظهرت بشلك واضح، وأخرى انفعاليه لم تخف نفسها هي الأخرى. 

وكانت مراحل الصراع العربي – الإسرائيلي منذ نكبة فلسطين في العام 1948 مرايا ساطعة كشفت ذلك التناوب وأبرزت أسبابه، بعد أن أتاحت المجال أمام المراقب السياسي كي يتمكن من تلمس معالم كل منهما على حدة.

ولعل أبرز تلك المحطات، وأكثرها حضورا هي تلك التي أعقبت هزيمة حرب 1967، والتي عرفت بحرب الأيام الستة. فقد أعقبتها موجة احباط عارمة لم حتى حرب أكتوبر 197 والتي عرفات باسم حرب العبور. ولربما يصعب الحديث عن حلول سحرية بوسعها أن توقف تناوب تلك الموجات ليس في التاريخ العربي فحسب، بل في التاريخ الإنساني على حد سواء. إذ يحتاج الوصول إلى التوازن المطلوب الذي يحول دون سريان موجات الإحباط السياسي، او تفشي أوبئة نقيضه الانفعال السياسي إلى حلول لمعادلات معقدة تتداخل فيها عوامل متغيرة كثيرة، البعض منها سياسي محظ، لكن هناك العديد بينها الذي تنطلق جذوره من عناصر اقتصادية وأخرى اجتماعية.  ولا بد من التحذير هنا من أية نزعة مثالية تنحو نحول الوصول إلى حالة نموذجية يغيب فيها بشكل مطلق الإحباط، أو يختفي على نحو مماثل الانفعال. فهما، وعند كل الشعوب، ظاهرة اعتيادية. لكن التحذير ينطلق لمعالجة حالة التحول لأي منهما عندما تصبح سلوكا مستمرا يسيطر على حركة المجتمع ويحول دون تقدمها. فهما في كل الأحوال تصرفا اجتماعيا متوقعا، وبل وربما مبررا في مراحل معينة، إلا عندما ينتقل من الحالة الآنية القصيرة المدى، إلى تلك السرمدية التي يستحيل التخلص منها، ومن تداعياتها التي لا يمكن إلا أن تكون سلبية، وفي حالات معينة، مدمرة للمجتمع الذي تمسك بتلابيبه.

لكن من أجل تخفيف حدة أي منهما، أو تقليص فترة انتشارهما، بوسع الفكر السياسي العربي أن ينحو نحو مجموعة من السلوكيات الحضارية المتقدمة التي يمكن إيجازها على النحو التالي:

1. التفاعل الإيجابي المتوازن البعيد عن الانفعال، والمتحاشي للإحباط، مع تجارب الشعوب الأخرى، دون تعال غير منطقي، ولا تبعية ليس مقبولة. فلا تنتمي الشعوب العربية، كما قد يتوهم البعض منا، لحضارة معينة تضعها في خانة معزولة تحرمها من ذلك التفاعل. فالانفعال الناجم من الشعور بالتفوق لم يعد مقبولا، والإحباط الذي مصدره الإحساس بالدونية لم يعد مجديا هو الآخر. لذا ينبغي البحث الجدي الصادق مع الذات من أجل الوصول إلى تركيبة سلوكية تنبذ الإثنين: الإحباط والانفعال، وتضع مكانهما ذهنية متفتحة قادرة على معالجة تفشي أي من السلوكين.

2. غرس قيم التوازن المطلوب الذي يزرع قيم تحاشي الإحباط، وتجنب الانفعال، في مناهج ومقررات التعليم في المراحل المبكرة، من أجل خلق أجيال عربية متعاقبة تلك القدرة على التفكير السليم المتوازن القادر على محاربة الإحباط وقطع شأفة الانفعال. وهنا ينبغي التيقن من تكامل المنهج المعمول به، مع مواد المقررات التي تدرس. وتبدأ نقطة الانطلاق هنا من وضع حد للمنهج التلقيني واستبداله بذلك القائم على التحليل الجدلي للمواد المقررة بعد هضمها من أجل استيعابها، وتطبيق ما جاء فيها على نحو ابداعي مبتكر بدلا من اجترارها، بعد حفظها، بشكل سردي من جانب، وتشجيع ذهنية التحدي المتوازن لدى الطالب المتلقي من جانب آخر.

3. المسارعة لمواجهة انتشار أي من السلوكين في المراحل المبكرة من خلال تلمس تفشي أي منهما. هنا يقتضي الأمر العمل على معالجة الأسباب، وفي مراحل مبكرة، بدلا من الإنسياق غير الواعي نحو التصدي للأعراض، التي غالبا ما تكون مضللة، وتقود إلى طرق مسدودة تنعش حالات الإحباط، وتسرع من عمليات الانفعال. يقود ذلك إلى فشل ذريع في معالجة أي منهما. بل ربما تقود إلى انتعاش الحالة السائدة، رغم الأوهام بأنها تعالجها، وتحاول أن تضع حدا لتداعياتها.

4. نبذ القبول بالحقائق على أرض الواقع كمسلمات أجلية لا يمكن معالجتها، من أجل تغييرها. ونضرب مثالا على ذلك ما جرى بعد هزيمة 1967، حث سرت موجة من الإحباط، عكست نفسها في القبول بحقيقة أن الكيان الصهيوني حقيقة قائمة، تضع بين يدي العدو الصهيوني قدرات تفوق غير اعتيادية لا يمكن أن تتوفر لدى الشعوب العربية. زرعت تلك النظرة سلوكا سياسيا يائسا عند المواطن العربي لم نستطع أن نتخلص منه حتى يومنا هذا، رغم نجاحات العسكرية التي حققتها الجيوش العربية في حرب أكتوبر 1973، ومعارك أخرى غيرها خلال الفترة الممتدة من الثمانينات حتى يومنا هذا.

5. الترويج لمدارس التفكير الجدلي القادر على التمييز بين ما هو قائم، وما يمكن أن يجري تغييره. ولعل فيما جاءت به موجة الانفعال السريع الذي واكب انتصارات العرب في حرب أكتوبر، وقادت إلى الحيلولة دون جني المكاسب المنطقية التي أتاحتها تلك الانتصارات، الكثير من العبر التي تكشف الخسائر الناجمة من الانفعال السياسي الذي يولد نشوة مزيفة، غالبا ما تكون آنية، ونتائجها مدمرة، كما لمسنا في السنوات التي أعقبت تلك الحرب.

6. تشجيع إنشاء مراكز الأبحاث، ومؤسسات الدراسات القادرة على تلمس الأعراض المحبطة منها والمنفعلة في المراحل المبكرة من تفشيها، ووضع الحلول المناسبة لها القادرة على اقتراح البديل المتزن القادر على تشخيص الأسباب الكامنة وراء ذلك التفشي، من أجل الحيلولة دون تحولها إلى واقع مزمن يصعب معالجته، دع عنك التخلص منه.

ليس المقصود من كل ما تقدم محاولة بناء جمهورية أفلاطونية مثالية لم يستطع الإنسان عبر محاولته التاريخية من تأسيسها، بقدر ما كان الهدف القاء الأضواء على سلوك إنساني يحول صاحبه، والمجتمع الذي يعيش فيه، إلى أسير لحالة إحباط غير مبررة، أو العكس يدفعه نحو  تصرف انفعالي أهوج يدمر صاحبه ويقود المجتمع الذي ينتمي له نحو طرق مسدودة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها