النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11861 الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 الموافق 21 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:53PM
  • المغرب
    5:28PM
  • العشاء
    6:43PM

كتاب الايام

هل هناك مصالحة مع قطر؟

رابط مختصر
العدد 11574 الثلاثاء 15 ديسمبر 2020 الموافق 30 ربيع الآخر 1442

يبدو أن الأزمة القطرية تمرّ بمرحلة صعبة من المفاوضات الصعبة، ويبدو أن التفاوض الجاري بين المفاوضين السعوديين -الذين يمثِّلون الأطراف الأخرى- متمسكين بالموقف الثابت والمطالب المشروعة القائمة على المبادئ الستة الصادرة عن اجتماع وزراء خارجية الدول المقاطعة الذي عُقد في القاهرة بتاريخ (5 يوليو 2017م)، والتي تنصّ على: التزام قطر بمكافحة التطرف والإرهاب، وإيقاف كافة أعمال التحريض وخطاب الحض على الكراهية أو العنف، والالتزام الكامل باتفاق الرياض لعام (2013م)، والاتفاق التكميلي لعام (2014م)، والالتزام بكافة مخرجات القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي عُقدت في الرياض في (مايو 2017م)، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتوقف عن دعم الكيانات الخارجة عن القانون. 

ويتضح من ذلك أن هناك اتفاقاً موحّدًا بين الأطراف الأربعة وتضامنًا مشتركًا بينها تمثّله الحقيقة الواضحة وهي أنه ومنذ تفجّر هذه الأزمة لم تُغلق الأبواب أبدًا أمام المصالحة وفقًا للمبادئ الستة، وهذا ما يحاول الإعلام القطري وأدواته المختلفة من تزييفه وتصوير المفاوضات التي تمَّت مؤخرًا بأنها منفردة بين السعودية من جانب وقطر من جانب آخر، فالتصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية القطري مؤخرًا بأن (بلاده تشكر الجهود الأمريكية وتؤكِّد تجاوبها مع المبادرة الأمريكية.. وأن هناك موقفاً سلبياً من جانب الدول الأربع..)، تؤكِّد بأن المصالحة لم تزل بعيدة، خاصةً بعد التصريحات التي أدلى بها وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش والتي وضعت النقاط فوق الحروف وأكَّدت تماسك التحالف الرباعي عندما قال بأن (الإمارات تثمِّن جهود دولة الكويت الشقيقة والمساعي الأمريكية نحو تعزيز التضامن في الخليج العربي، وتدعم المساعي السعودية الخيّرة وبالنيابة عن الدول الأربع، وتؤكد على أن علاقات مجلس التعاون مع مصر الشقيقة ركن أساسي في المحافظة على الأمن العربي واستقرار المنطقة، وتتطلَّع إلى قمة خليجية ناجحة)، وفي هذا التصريح تأكيد لا يقبل مجالاً للشكّ بأن ما تقوم به المملكة العربية السعودية إنما هو (بالنيابة عن الدول الأربع). 

كما يبدو أن التوتر الذي تمرّ به العلاقات البحرينية القطرية بسبب قيام دوريات قطرية في (25 نوفمبر 2020م) بإيقاف زورقين بحرينيين تابعين لخفر السواحل أثناء عودتهما بعد انتهاء مهمتهما في تمرين (المانع البحري) داخل الحدود البحرية لمملكة البحرين، يعكس الوضع الذي تسير عليه المفاوضات الجارية بين (المفاوضين السعوديين) المفوَّضين من قبل بقية دول التحالف و(المفاوضين القطريين) الذين تصوّروا بأن زيارة (جاريد كوشنر) إلى منطقة الخليج خلال الأسبوع الأول من (ديسمبر 2020م) سوف تساعد على تشكيل جبهة خليجية موحَّدة وثابتة في مواجهة إيران قبل أن يغادر الرئيس ترامب البيت الأبيض في يناير المقبل! 

ولعلّه من المهم بيان أن حل الأزمة القائمة بين قطر ودول الخليج الثلاث ومصر منذ (يونيو 2017م) يرتكز على مصالح أمريكية بحتة تتمثَّل في الآتي: 

أولاً: توحيد الجهود الأمريكية الخليجية للوقوف ضد إيران في هذه المرحلة؛ لإقناع الديموقراطيين والرئيس القادم (جو بايدن) للاستمرار على ذات الاستراتيجية التي اتّبعها الرئيس ترامب بتجفيف منابع الإرهاب وتصفير مصادر الدخل الإيراني ومحاولة تغيير النظام من الداخل بثورة شعبية على غرار الثورة التي أنهت حكم الشاهنشاه محمد رضا بهلوي في (فبراير 1979م). 

ثانياً: اقتناع الإدارة الأمريكية بوجهة النظر القطرية بالتدخّل لإنجاح الاستراتيجية الأمريكية مقابل إنهاء المقاطعة التي أثَّرت على الداخل القطري بشكل كبير، وذلك باختزال حل الأزمة في فتح المجال الجوي السعودي وتمكين الطيران القطري من استخدامه بدلاً عن المجال الجوي الإيراني -وهو الوحيد المتاح حاليًا للطيران القطري- لمنع ما تحصل عليه إيران من ملايين الدولارات من قطر مقابل ذلك والتي تقدَّر ب (100 مليون دولار) سنويًا، دون الأخذ بالاعتبار الأسس التي قامت عليها المقاطعة الرباعية العربية. 

من خلال تحليلي لإرهاصات (الأزمة القطرية)، وقراءتي الدقيقة لتطوراتها، والمستجدات على الساحة الدولية والإقليمية، يمكنني أن ألخّص المشهد المتوقع لمستقبل هذه الأزمة في النقاط الآتية: 

1. إنّ أيّ مصالحة مع قطر يجب أن تتمّ وفق المبادئ الستة الصادرة عن اجتماع وزراء خارجية الدول المقاطعة الذي عُقد في (5 يوليو 2017م). 

2. من غير المتوقع أن تكون هناك مصالحة في الأيام الأخيرة لولاية الرئيس ترامب الذي سيغادر البيت الأبيض في (يناير 2021م). 

3. لم يعد بإمكان دولة قطر -التي مازال يحكمها الأمير الوالد خليفة بن حمد آل ثاني والشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس الوزراء الأسبق- التوصّل إلى حل مع دول المقاطعة مهما بذلت من جهود ومهما استغلت من ضغوط أمريكية في هذا الشأن، بسبب تورطها الشديد مع تركيا التي نفَّذت اتفاقًا عسكريًا وأرسلت قوات نظامية إلى الدوحة لحماية النظام القطري من الانهيار الداخلي أو الانقلاب العائلي في أسرة آل ثاني، وليس من (الغزو) الذي يدّعيه المسؤولين القطريين وصوّره الإعلام القطري الموجّه. 

4. لم يعد النظام القطري -الذي يمسكه الأمير الوالد بقبضة من حديد- يستطيع الفكاك من الالتزامات المالية الباهظة والمقدَّرة بالمليارات التي دفعها لمساعدة النظام الإخواني على الوقوف من جديد بعدما تعرَّضت تركيا لمقاطعة وإجراءات اقتصادية صارمة من الاتحاد الأوروبي وانهار اقتصادها وعملتها إلى أدنى مستوى. 

5. من المتوقع جدًا أن تفقد تركيا أهميتها وموقعها الاستراتيجي كقاعدة أمامية مهمة أمام الاتحاد الروسي بعد أن تسحب الولايات المتحدة الأمريكية قواتها وتنقلها من (قاعدة إنجرليك العسكرية) -التي تستخدمها أمريكا منذ خمسينيات القرن الماضي لحماية مصالحها من خطر الاتحاد الروسي- إلى الكويت أو الإمارات؛ بسبب السياسة الخارجية التركية والتقارب التركي الروسي، وبعد أن تغيَّر مصدر الخطر على أمريكا وأوروبا وإسرائيل، وأصبحت إيران وتطلعاتها التوسعية هي الخطر، بسبب تهديداتها المستمرة بمنع ناقلات النفط العملاقة من الإبحار إما بضربها أو الهجوم العسكري عليها وحجزها في الموانئ الإيرانية الجنوبية أو التهديد بوقف الملاحة التجارية بمضيق هرمز. 

6. سيتسبَّب الانسحاب الأمريكي من قاعدة (قاعدة إنجرليك العسكرية) بخسائر مالية ضخمة على الاقتصاد التركي، الذي يعتمد على عوائد الخدمات اللوجستية المُقدَّمة للجنود الأمريكان وعوائلهم، من إيجارات وتعليم ومواصلات ومواد غدائية وأطعمة تركية من المحال والمطاعم الموجودة داخل القاعدة وخارجها، وغيرها من الخدمات والمستلزمات اليومية التي يستفيد منها المواطن التركي. 

إن إنهاء (الأزمة القطرية) يقوم على أساس المبادئ الستة، ويجب على قطر تنفيذها ابتداءً، وأهمها (التوقف عن تمويل الإرهاب)، حيث إنه أمر لا يمكن تجاوزه أو التهاون فيه، فأثر الدعم القطري للإرهاب ولجماعة الإخوان المسلمين واضح للعيان، وخير دليل عليه هو الصراعات والحروب التي تشهدها عدد من الدول العربية، وهو ما تؤكده التقارير الأوروبية كذلك، فقد صرَّح (جون برنارد بيناتل) المسؤول في الاستخبارات الفرنسية بأن (من أولويات أيّ مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة (2022م) هو مكافحة خطر الإخوان المسلمين الذين يشكَّلون تهديدًا كبيرًا على أمن فرنسا، فهذه الجماعة الإرهابية رسّخت صورة ذهنية سلبية في أوروبا عن المجتمع الإسلامي دون التفريق بين المسلمين السلميين والإخوان الذين لديهم أجندة سياسية.. ودور قطر تاريخي في دعم الإخوان في فرنسا حيث موَّلت ما يقرب من (500) مسجد ومئات من المنظمات التابعة للتنظيم.. وقطر الأكثر تأثيرًا ونفوذًا وسيطرة على إخوان فرنسا ومتورطة جدًا في هذا الانحراف والتطرّف.. وعلى جميع المسؤولين الفرنسيين الذين يريدون خدمة فرنسا والدفاع عن مصالحها أن يدركوا الآن الدور الضار لقطر على أمن وسلامة فرنسا..). 

فهل هناك مصالحة بعد أن حاولت قطر الترويج لها ووجّهت إعلامها للتصوير بأن الدول الأربع قد خضعت لمطالبها؟ وهل تستطيع قطر -بوضعها الحالي- إنهاء أزمتها بعد أن اتضح انعكاس سياستها المتهورة وتدخلها في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون ومصر وتمويلها للإرهاب على أمن واستقرار منطقة الخليج العربي، وتعاونها ومشاركتها في تفعيل السياسة الأمريكية في ولاية الرئيس أوباما التي أعطتها الضوء الأخضر للمضي قدماً في تنفيذ خطة الفوضى الخلاَّقة لإسقاط الأنظمة الحاكمة في مصر والسعودية والبحرين والإمارات ليتبع ذلك انهيار كل الأنظمة الخليجية الحاكمة، ليَليه -حسب المخطط- قيام نظام إخواني جديد يدين بالولاء لزعماء الإخوان المسلمين المقيمين في الدوحة، وهو عين ما ذكره أمير قطر السابق (حمد بن خليفة) في التسجيلات الموثَّقة التي سربها الرئيس الليبي الراحل معمَّر القذافي قبل تصفيته على يد المخابرات القطرية والفرنسية، وتضمَّنت معلومات خطيرة لأهداف السياسة القطرية المتهورة في المنطقة. 

إن الأزمة لها أسبابها الموضوعية، والإجراءات الحاسمة التي اتخذتها الدول المتضررة من السياسات القطرية بعيدة كُل البعد عمَّا روّجت له قطر من أنها (تمسّ سيادتها وفيها إملاءات مرفوضة وتدخل في شؤونها الداخلية)، لذلك فإن حرص قطر على تكريس الخطأ الذي أوصل المنطقة إلى حالة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الخليجية، يجعل المنطقة تعيش في حالة غليان مجهولة النهاية والمصير، وفي ذلك جواب للسؤال (هل هناك مصالحة مع قطر؟).

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها