النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

خيار الإنسان للطاقة بين النووي والشمسي

رابط مختصر
العدد 11568 الأربعاء 9 ديسمبر 2020 الموافق 24 ربيع الآخر 1442

عندما يواجه الإنسان قضية، بغض النظر عن طبيعتها وحدتها إن كانت مصيرية أو عابرة، فهو يميل إلى الحلول اليسيرة بين عدد من الخيارات المتاحة أمامه، حتى وإن كانت تبعات الحل المختار سلبية على حياة الانسان وليست ودية تجاه الطبيعة... والقرار في الاختيار محكوم بمدارك الانسان وسعة معرفته وعمق فهمه والوسائل المساعدة المتوفرة لديه... إن حرية الخيار عند الانسان محكومة بعدد من العناصر التي تحد من قدرته على اختيار الأمثل. إن قصة الانسان مع الطاقة، أو قضية الطاقة مع الانسان وهي بيت القصيد، هي الحلقة الحرجة التي تربط الانسان بالطبيعة في آلية مواجهة القضايا واختبار الحلول أمام عدد من الخيارات. الطبيعة وفرت للانسان كل الموارد التي تعينه على وحود مستدام على سطح الكرة الارضية. ومن أكثر الموارد إلحاحًا وحرجًا ومصيريًا بالنسبة لاستدامة الوجود هو الطاقة. قصة الانسان مع الطاقة وصلت، مع نهاية القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، إلى منعطف حاد و«خطير»، حيث أن طاقة سحرية، تسمى «النفط»، قد استخرجت من أعماق في باطن الارض، و فجرت هذه الطاقة ثورة عارمة في حياةالانسان، أتبعتها ثورات و تغييرات نوعية، فهي التي فجرت الثورة الصناعية وساهمت في بناءهيكل مستدام النمو من التكنولوجيا ذات الاذرع الاخطبوطية، وتسببت في تفجر سكاني أخلبمعادلة الزيادة بشكل حاد ومرعب، وصارت نعمة مسمومة للانسان ونقمة على الطبيعة، وبسببها اندلعت حروب وصراعات ومازالت دماؤها ساخنة. والأدهى والأمر أن طاقة النفط قدعرجت بالانسان إلى مسار المواجهة ضد الطبيعة، والطبيعة تئن من طعنات الإنسان في بيئتها. 

هذه الطاقة، كأي مورد آخر في كوكبنا، آيلة إلى النفاذ مجبرًا الانسان بقوة إلى تدبر أمره قبلأفول عهد النفط، وقبل فوات الاوان. عودة إلى بداية الكلام عن الانسان والقرار في اختيار البديلمن بين بدائل عدة، فهو ميَّال إلى اختيار الأيسر، خاصة إذا كان هذا الأيسر يحمل في جعبته قوة موازية تعينه على السيادة والهيمنة. بعد الانعطاف إلى عهد النفط، واقتراب أفوله اليوم، فالانسان أمام تحدٍ مصيري وخيار جديد وعهد جديد من طاقة بديلة ملحة لا بد منها. البدائل موجودة والتكنولوجيا المساعدة موجودة والمعرفة تتزايد وتتكامل يوما بعد يوم. في جوف الارض اكتشف الانسان الطاقة السحرية الكامنة في كيمياء النفط، وفي جوف الأرض اكتشف الانسان، حديثًا، مصدرًا لطاقة جهنمية من عنصر طبيعي اسمه «يورانيوم»، رغم أن هذا العنصر قد تماكتشافه عام 1789م (عام الثورة الفرنسية) من قبل الكيميائي الالماني مارتن كلابروث، إلا أن اكتشاف الطاقة النووية الكامنة فيه قد تم في أعوام ما بين الحربين العالميتين. وكان من نتائج اكتشاف هذه الطاقة الكاسحة لجميع أشكال الطاقة (طاقة جهنمية مجنونة) هو تدمير مدينتين بكامل سكانهما في نهابة الحرب العالمية الثانية، و بناء محطات لتوليد الطاقة الكهربائية بدءًا منخمسينيات القرن الماضي. أمام هذه الطاقة الجهنمية هناك بدائل طبيعية ناعمة، صديقة للانسان ولبيئة الطبيعة، كامنة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. مع اقتراب نضوب النفط، الانسان أمام خيارين، إما الشمس والرياح أو النووي. الخيار النووي هو الأيسر والأسرع خاصة وإن استعمالاته قائمة، وهو الأكثر أغراءً بالنسبة للنخب السياسية، و لكن هذا الخيار يحمل فيطياته مخاطر ظاهرة و مخاطر كامنة. من أهم المخاطر الظاهرة والتي هي جزء ملازم له هي تراكم النفايات النووية، وهي مشعة، والتي لا يمكن لا تدويرها ولا التخلص منها، إن تراكم النفايات النووية سيكون بألوف الأطنان يوميًا، وتأثيراتها كارثية على الانسان وعلى الطبيعة، إضافة إلى تسرب الاشعاع النووي من مراكز الطاقة، إن محطات ومراكز الطاقة النووية في حالة نشاطها الانتاجي تكون عرضة لمشاكل فنية وعملياتية ينتج عنها إشعاعات نووية تغطي مساحات شاسعة. إذًا فهذا الخيار، وبالرغم من كل إغراءاته، بمثابة قنابل نووية موزعة على كامل الكرة الارضية وقابلة للانفجار خارج ارادة الانسان في أية لحظة. على المدى البعيد إنه خيار كارثي... ويكفي البشرية التعيسة كوارث كامنة بسبب الكم الهائل من الاسلحة النووية التي بإمكانها تدميرالكرة الارضية مئات المرات. الطاقة النووية مهما كانت مغرية فهي كالنفط آيلة إلى النفاد، مخزون اليورانيوم في جوف الارض، كميته محدودة، وحتمًا سينفد مع الاستهلاك، ناهيك أن هذا العنصر السحري سيكون وازعًا لصراعات سياسية ومغامرات عسكرية من قبل القوى الكبرى، مثلما الحال مع النفط والغاز. فكفانا صراعات وحروب بسبب مصادر الطاقة. أما الشمس، وهي المصدر السماوي للطاقة، يستحيل على الانسان أن يحتكرها، فهي للجميع دون استثناء، وهذه الشمس، التي تمد الارض باسباب الحياة، وعندما يختارها الانسان لتكون مصدرًا لحاجته من الطاقة، ستساهم نوعيًا في تلطيف الأجواء السياسية وتصفير (صفر) الحماقات والمغامرات العسكرية.

البديل الشمسي وبمؤازرة من طاقة الرياح هو الخيار الأمثل و الأسلم للانسان وللطبيعة، وهو الضمان لحياة مستدامة وآمنة على الكرة الارضية... والشمس مصدر طاقة خالدة لا تنضب، والاستثمار فيها هو الأفضل والأكثر حكمة. إن الشمس التي تمدنا بأسباب الحياة هي التي ستمدنا بأسباب السلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها