النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

مسؤولون من طينة أخرى..!

رابط مختصر
العدد 11567 الثلاثاء 8 ديسمبر 2020 الموافق 23 ربيع الآخر 1442

  • آن الأوان للقيام بعملية فرز بين الصالح والطالح، بين من يدعم مسيرة الوطن ومن يعرقلها..!

 

المسؤولية قيمة من القيم الإنسانية والأخلاقية والقانونية عند الإنسان، فهناك من عرفها بأنها الدور الذي يلعبه كل منا وفقًا لما يتصل بهذا الدور من حقوق والتزامات والقدرة على مواجهة الأزمات والمشكلات، وأيضًا هناك من عرفها بأنها تعني التزام الشخص بما يصدر عنه قولاً أو عملاً، هناك من هو أهل للمسؤولية، يتحملها باقتدار بكل شروطها ومقتضياتها، وهناك من لا يعرف للمسؤولية معنى أو التزامًا، يتنصل أو يتهرب من مقتضياتها، وليس جديرًا بأن يسند إليه أي شكل من أشكال المسؤولية، هناك من ينظر لها من زاوية المكاتب الفخمة، والاستقبالات والحفلات و«القعدات» الخاصة، والبدل والمكافآت، وحب الأضواء والجلبة و«الشو» الإعلامي الفارغ والخالي من الدسم، وكأن ذلك يعوضهم عن العمل ذاته..!

عندما نجد مسؤولاً مثالاً في الاستقامة والنزاهة والإخلاص في العمل والتعامل، مُنتج، مبادر، فاعل، لا يتقيد بالروتين، لا يحابي أحدًا، ولا يعطي امتيازًا دون وجه حق، ولا يمنح استثناءً لقريب أو حسيب أو تابع أو متبوع، ولا يستغل منصبه في مصالح شخصية، ولا يخالف القانون، مسؤول يرفض ثقافة الحاشية والنفاق والتطبيل والبهرجة، ولا يتقبل أن يحاط بحاشية من الموظفين والإداريين والأتباع، يسيرون خلفه كنوع من «البرستيج» وتأكيد الأهمية، لا يتسربل بالشكليات والروتين و تعطيل «المراكب السائرة»، ولا يتصرف كسلطة على الناس، بل يتصرف كسلطة في خدمة الناس.

عندما نجد مسؤولاً لا يستعيض بالشكل عن المضمون، ولا ينشغل بتشكيل اللجان، واللجان الفرعية، واللجان المنبثقة، واللجان الدائمة والأخرى المؤقتة، وكأنه يختبئ وراء اللجان ليداري بها عجزه، وبالبهرجات أو الزيارات التفقدية الإعلامية التي يُراد منها ان تخلق انطباعًا بأنه يتابع ويوجه ويعمل ويبدع، ويأبى الجمود والانغلاق، وأنه يسعى لسماع شكاوى ومقترحات الناس، ويدعم الابتكار والإبداع والتطوير، فيما حصيلة كل ذلك لا شيء ملموس على أرض الواقع، والعمل عنده يتحول إلى شعارات لا صلة تجمعها على أرض الواقع، والخطط والمشاريع والبرامج حبر على ورق..!

وعندما نجد مسؤولاً يماثل «أبو الهول» في صمته، أو مسؤولاً إن تحدث تجد الهيمنة لكلمة «أنا» ولا يتقبل أن يستعيض عنها بكلمة «نحن»، أو مسؤولاً يجمع حوله خبراء واستشاريين ومساعدين ومن في حكمهم، ولكن لا يؤخذ برأي أي منهم، أو مسؤولاً يصرح بشيء ويفعل العكس، وعاجز عن التفاعل والانفتاح على التغيير والتطوير بتحولاته، بالمقابل هناك المسؤول الذي له حضور دائم، وجهود مميزة، وتواصل مع الناس، ويستمع إلى شكاويهم، ولا يعطل مصالحهم، ولا يؤخر معاملاتهم، ولا يتبنى التسويف معهم، ولا يتعامل مع سياسة أنصاف الحلول، ولا يخضع الإدارة للأهواء، ولا يتهرب من اتخاذ القرار، ويتقبل المسؤولية على قاعدة الشفافية والمساءلة، ولا يتنصل من مسؤولية أي إخفاق، ولا يحمّل الآخرين تبعات أي تقصير في تحقيق ما هو مطلوب، ولا يعيق مواطنًا أو تاجرًا أو مستثمرًا في سبيل الحصول على «المقسوم» من تحت الطاولة أو فوقها ويستند في كل مسارات عمله على الكفاءات، والتعينات المرتكزة على قواعد الجدارة والاستحقاق، مسؤول لا يشعرك بأنه فوق القانون، ولا تحل عليه مساءلة ولا محاسبة، باختصار، يمكن القول إن هذا مسؤول من طينة أخرى، مسؤول لم يشيّع ضميره إلى مثواه الأخير..!

عندما نجد هذا المسؤول، ونراه منكبًا على اقتلاع ثقافة البيروقراطية، وبناء ثقافة بديلة تعتمد على زرع أفكار الإنجاز والتكيف والمبادرة والابتكار والشفافية، ويتبنى منطق الكفاءة ووضع المناسب، رجلاً كان أم امرأة، في المكان المناسب، ولا يجعل المصلحة العامة مطية لمصالح خاصة، أو يمارس التجاوزات أو الفساد باسم المصلحة العامة، مسؤول يرسي دعائم دولة القانون والمؤسسات، ويعي بأن هذه الدولة هي القادرة على تحديد الأهداف ورسم السياسات والخطط والبرامج، وهي التي تنظر إلى المواطنين كمشاركين فعلاً في صنع القرار لا رعايا يساقون كيفما أريد لهم..! 

حينئذ نكون أمام نوعية من المسؤولين تحتاجهم البلاد اليوم، ربما أكثر من أي وقت مضى، مسؤولون قادرون كما يجب على السير في كل ما يخدم المصلحة العامة في الاتجاه الأسلم قدر الإمكان، في وقت تزداد فيه المشكلات والأزمات، وفي المقدمة منها تلك المتصلة بتداعيات «كورونا» والتي ستكون لها أبعاد وامتدادات بعيدة المدى، وفي ضوء تعاظم الهواجس والمخاوف التي بدأت تطل برأسها على الجميع، مواطنون، تجار، مستثمرون، عمال، موظفون، لا بد من الاعتماد كليًا على هذه النوعية من المسؤولين.

لابد أن نعي أن عصر المسؤول العاجز، أو الفاشل، الذي لا يعمل ولا يتحرك ولا يحل أو لا يبت في أمور ومشاكل الناس، أو ينهض بواقعهم، أو يقوم بواجباته، إلا بتعليمات من فوق، أو استجابة لما قد ينشر في هذه الجريدة أو تلك، أو يسمع مناشدة لمواطن أو مواطنة عبر الإذاعة، حتى يظهر بمظهر المستجيب، المتعاون، المتفاعل مع قضايا وهموم الناس، وكأنه يحقق إنجازًا، وأي انجاز، وليس واجبًا من صلب مسؤولياته القيام به، هذا عصر يجب أن ينتهي..؟! 

وبالقدر ذاته يجب أن ينتهي عصر نوعية من المسؤولين يشعرون من يتعامل معهم بالضجر، وجودهم يفرض تساؤلات عن الآليات التي صعدت بهؤلاء إلى مواقع المسؤولية، والمعايير التي على أساسها صعدوا، وإلى متى تستمر صلاحية هؤلاء ومعهم أولئك الذين دأبوا على إطلاق وعود وبرامج ومشاريع لا ينفذ منها شيء، وأحيانًا خطط عمل واستراتيجيات يبذل فيها الكثير من الجهد والوقت والمال دون أن تربط بمدد زمنية محددة، ودون أن يسأل أو يساءل عن ماذا تحقق منها وما لم يتحقق، ربما لثقته بأنه ما من متابع، أو ربما لأنه يظن، رغم أن بعض الظن إثم، بأن الناس تنسى..!

لابد أن نقتنع بأنه لابد من التغيير، ولابد أن ندرك أن من أهم مرتكزات هذا التغيير ضخ دماء جديدة في شرايين العمل العام، خاصة أن هناك كفاءات من أجيال جديدة لم تأخذ فرصتها، ومنها وللأسف ما انتهى تحت أقدام التسلق والوصولية والطرق التي خبرناها، وهذا يعني طالما ثمة احاديث عن المستقبل، فإن الأمر يقتضي أن يكون التركيز على إيجاد جيل من المسؤولين من طينة أخرى، هذا لن يتحقق إلا بإعلاء مكانة أهل الخبرة والتخصص، وأهل العلم والإبداع والابتكار، وجعل هؤلاء بديلاً عن أولئك الذين أظهرتهم الصدفة، أو أولئك الذين وكأنهم هبطوا علينا «بالباراشوت»، فقط لكونهم من أهل الثقة، وهذا ولدنا وذاك من جماعتنا، وهذا محسوب علينا، إلى آخره، مرة أخرى، هذا عصر يجب أن ينتهي..!!

هذا واقع يدركه المحنكون في تهميش أو إحباط أو اغتيال أصحاب الكفاءة معنويًا، ناسين أو متناسين أو متجاهلين أن عنصر الشباب الكفؤ والمتخصص والمتصل بمفاهيم العصر وتقنياته المتغيرة باستمرار، هؤلاء هم الرهان الرابح في المسيرة المستقبلية، وهؤلاء ومن ورائهم ومن خلفهم، يدركون أيضًا أن هناك من ترك لنا في هذا الشأن ميراثًا يدير الراس حقًا، وأنه آن الأوان القيام بعملية فرز بين الصالح والطالح، بين الفاشل والناجح، بين من يكون إضافة داعمة لمسيرة هذا البلد وبين من يكون عبئًا على هذه المسيرة..!

ملاحظة.. أرجو ألا يحاول أي من القراء الكرام إسقاط أي من تلك الصفات على مسؤولين بعينهم، ففي معظم مواقع العمل والمسؤولية نجد تلك النماذج موجودة، أسوأهم أولئك الذين يسايرون ويواكبون في المظهر، ويماطلون ويعترضون ويعرقلون في الجوهر، لذا اقتضى التنويه!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها