النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11610 الأربعاء 20 يناير 2021 الموافق 7 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

أخطار الإحباط ومساوئ الانفعال في العمل السياسي (3ـ5)

رابط مختصر
العدد 11562 الخميس 3 ديسمبر 2020 الموافق 18 ربيع الآخر 1442

  • البحث عن الكتلة التاريخية القادرة على تحريك عناصر التغيير الإيجابي في المجتمع

 

3. زرع ذهنية اليأس من جدوى العمل السياسي في نفوس الشباب العربي، وغرس البديل له، وهو الإحباط في سلوكهم. هذا يكتب الفشل بأحرف كبيرة على جبين مستقبل العمل السياسي العربي ويحول الأمة العربية إلى جيش من المنصرفين عن خوض أي شكل من أشكال العمل السياسي. يقود ذلك إلى إفراغ الساحة السياسية العربية من أي قادم يحمل مؤهلات القيادة السياسية، ويجعلها لقمة سائغة في أيدي الفاشلين، كي لا نقول الانتهازيين والمتسلقين. هنا يدخل العمل السياسي في نفق مظلم نهاياته تنذر بأكثر من جدار أصم يصدم به قطار مستقبل الحركة السياسية العربية. الأخطر من ذلك أن ينتكص سلوك قائد ذلك القطار، وبدلاً من أن يخطط لعمل سياسي حاضر يبني أسس المستقبل، يعود نحو الماضي الغابر يجتر من خلال بعض المراحل المضيئة فيه، ويستخدمها كانتصارات مخدرة يغيب بواسطتها، وبدون وعي، وربما بوعي مسبق، احتمالات نهوض سياسي عربي. وأخطر مستقبل يتربص بأي أمة هو انحرافها من جادة العمل السياسي المعاصر بآفاقه المستقبلية الزاهرة، نحو أزقة اجترار انتصارات تاريخية عفي عنها الزمان، والاستمتاع باجترارها، كي تتحول إلى ما يشبه المهدئات التي تهاجم الأعراض ولا تعالج الأسباب. جراء ذلك تقبل الأمة العربية أن تكون مرآة تاريخية عاكسة لما هو قديم، بدلا من أن تكون منظارًا مستقبليًا يبني على الحاضر ويخطط للمستقبل. 

4. محاربة أية دعوة لتأسيس أي شكل من أشكال العمل السياسي المشترك المنظم (بفتح الظاء) من مستوى الجبهات، أو التحالفات الوطنية، بما فيها تلك الأشكال التي يبيحها دستور البلاد المعنية، ولا تشكل تهديدا للنظام القائم. تأخذ هذه الأساليب أشكال الحروب المعلنة حينا والمبطنة أحيانًا أخرى، وتتعدد أنماطها كي تكون نتيجتها تفتيت العمل السياسي، وانحرافه عن أهدافه الساعية نحو البناء والتغيير باتجاه الأفضل. أسوأ من ذلك كله هو انحراف الصراع من مجراه الرئيس نحو أزقته الضيقة عندما تنشب الصراعات بين القوى السياسية الباحثة عن التغيير. ينعكس ذلك سلبا على حركة الشارع المؤازر للعمل السياسي المشترك، الذي يجد نفسه تائها في دوامة الصراعات الداخلية الثانوية بدلاً من تكريس الجهود نحو الأهداف الوطنية الكبرى. أخطار هذه الحالة هي تلك الضريبة الباهظة غير المنطقية التي تتحملها الحركة السياسية العربية، وتكون محصلتها انتكاسات متتالية في المشاريع الوطنية لصالح تلك الباهتة أو الثانوية. 

مقابل تلك الأسباب التي أشرنا لها والتي تقف وراء حالة الإحباط التي يمكن أن تعاني منها أية حركة سياسية، والمخاطر التي تفرزها، تقف الأسباب المناقضة لها والتي تولد حالة الانفعال التي ينبغي التحذير منها، والأخطار التي تنبثق عنها، وتتوالد جراء تفشي تلك الأسباب وانتعاش عناصر تأجيجها. حينها تجد الحركة الجماهيرية نفسها أمام انفعالات متفرقة تنمو كي تتحول إلى كتلة متنامية يمكن أن تقود إلى نتائج مدمرة، يصبح التحكم فيها مسألة في غاية الصعوبة، إن لم تكن شكلا من أشكال الاستحالة.

ويمكن رصد الأسباب التي تقف وراء انتعاش حالة الانفعال، وهي حالة سلبية مدمرة للعمل السياسي الهادف نحو قيادة التغيير المطلوب، وفي الاتجاه السليم، على النحو التالي:

1. غياب القيادة المؤهلة. وكما تؤكد معظم النظريات أن القادة التاريخيين يولدون ولا يصنعون. ومن هنا فتوفر القيادة الناجحة القادرة على توفير مقومات النجاح لأي مشروع سياسيي يعتمد، إلى حد بعيد، كما يقول الباحث محمد بدر المطيري «على توافر سمات وخصائص محددة في شخصية القائد، تتمثل في السمات الجسمية، والعقلية، والانفعالية والاجتماعية.... (كما أن) القيادة سمة موحدة يتميز بها القادة بشكل عام، بصرف النظر عن طبيعة شخصياتهم أو مواقفهم أو ثقافاتهم... (ومن الطبيعي أن) يفقد القائد سمة أو أكثر من تلك السمات، وعلى الرغم من ذلك فإنه ينجح في قيادته». هذا يقودنا نحو ضرورة تعريف القيادة السياسية التي تبحث عنها البرامج السياسية الناجحة. وهي كما يعرفها الباحث جلال عبد الله معوض بمثابة العملية (Process) تتمحور حول «قدرة وفاعلية وبراعة القائد السياسي - بمعاونة النخبة السياسية في تحديد أهداف المجتمع السياسي وترتيبها تصاعديا حسب أولوياتها، واختيار الوسائل الملائمة لتحقيق هذه الأهداف بما يتفق مع القدرات الحقيقية للمجتمع، وتقدير أبعاد المواقف التي تواجه المجتمع واتخاذ القرارات اللازمة لمواجهة المشكلات والأزمات التي تفرزها هذه المواقف. ويتم ذلك كله في إطار تفاعل تحكمه القيم والمبادئ العلیا للمجتمع».

2. افتقاد الكتلة التاريخية القادرة على تحريك عناصر التغيير الإيجابي في المجتمع. والمقصود بذلك هو ما ذهب إليه المفكر المغاربي محمد عابد الجابر في إحدى مداخلاته، حيث عرف مفهومه الخاص المنطلق أساسا مما ذهب إليه المفكر الإيطالي غرامشي. يرى الجابري في تلك الكتلة، أنها «تاريخية ليس فقط لكون الأهداف المذكورة أهداف تاريخية، بل لأنها تجسيم لوفاق وطني في مرحلة تاريخية معينة. إنها ليست مجرد جبهة بين أحزاب بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع أو القادرة على ممارسة ذلك الفعل، ولا يستثنى منها بصورة مسبقة أي طرف من الأطراف، إلا ذلك الذي يضع نفسه خارجها وضدها. وهكذا يمكن القول، إن القوى المرشحة لهذه الكتلة في بلد مثل المغرب». وفي السياق ذاته بشأن تأكيد أهمية الكتلة التاريخية في عملية التحول السياسي الناجح، يقول ممثل حركة النهضة بتونس نورالدين العرباوي أن الأمة العربية «ليست في حاجة إلى الكتلة التاريخية فقط وإنما في الحاجة إلى انعقادها بالنظر لما يجري بالمنطقة والإشكالات التي تعرفها الكثير من الأوطان العربية، مشددا على أن الكتلة التاريخية يجب أن تتحول إلى ضرورة وبناء أركانها الأساسية وبناء التوافقات وجبهات موحدة». وطالما ظل مكان الكتلة التاريخية، بوصف كونها الرافعة التاريخية، التي يقع على عاتقها انتشال المجتمع العربي من مأزقه التاريخي، غير قائم، تنفتح الأبواب أمام الانفعال السياسي التلقائي والعفوي الذي يقود، بدوره، نحو المآسي التاريخية التي ينبغي على المنخرطين في العمل السياسي تحاشي سلك دروبها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها