النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11610 الأربعاء 20 يناير 2021 الموافق 7 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

شـــــــيء عــــن الـمــــذكـــرات

رابط مختصر
العدد 11556 الجمعة 27 نوفمبر 2020 الموافق 12 ربيع الآخر 1442

سألني سائل كيف كتبت أن «المذكرات أو سرد الذكريات ليست وثائق تاريخية»، وهو ما كتبته شخصيًا في معرض تعليقي قبل يومين على مذكرات باراك أوباما «أرض الميعاد».

المؤرخون ودارسو التاريخ في الجامعات المعتبرة يتفقون أكاديميًا على أن المذكرات ليست محايدة وليست موضوعية لأنها تعكس مواقف وآراء وأفكار كاتبها أو من يرويها، وبالتالي تخضع لنوازع ومشاعر شخصية وذاتية وتحكمها هذه المشاعر والنوازع، سواء كانت أيديولوجية أو دينية أو مذهبية أو طائفية أو عرقية أو غيرها من نوازع تؤثر على الشخص الذي يكتب أو يروي ذكرياته ومذكراته.

وهذه الإشارة لا تعني ولا نقصد منها عدم الاهتمام أو إهمال وتجاوز المذكرات أو قراءاتها والاطلاع عليها، فهذا مطلوب لكن ضمن التحوط والحذر مما ذكرناه من ملاحظات عليها حتى لا تتحول كل مذكرات وكل سرديات إلى وثائق وأدلة لا تقبل الدحض أو لا تقبل حتى المساءلة عن دقتها ومدى صدقيتها وموضوعيتها وحياديتها وخلوّها من النوازع الشخصية والمواقف الأيديولوجية.

فالواقعة أو الحديث شيء والموقف منه شيء آخر محكوم أساسًا بالأيديولوجية وبموقفك السياسي وموقعك من الصراع في المجتمعات وموقفك الاجتماعي من الحدث نفسه أو من الواقعة.

فواقعة تفجير مطعم يعج بالمدنيين المسالمين وإزهاق أرواح من فيه، ستعتبره الجماعة التي قامت به والدولة التي موّلت العملية «عملاً بطوليًا شجاعًا وجسورًا» بينما سنعتبره عملاً إرهابيًا دمويًا وعدوانيًا ضد المدنيين المسالمين، ولو كتبوا مذكراتهم سيقولون ذلك ولو كتبنا مذكراتنا سنقول العكس عنه.

هكذا تأخذ المذكرات سياقها السردي لتعبر عن تحليل صاحبها النابع أصلاً من مواقفه السياسية وموقعه الفكري والأيديولوجي.

هتلر كتب قصة حياته وسرد مطولاً ذكرياته ودوّن مذكراته في كتابه «كفاحي» واعتبر نفسه فيها بطل ألمانيا الأوحد ومقاتلها الجسور، فيما العالم اعتبر هتلر مجرمًا وإرهابيًا ديكتاتوريًا دمويًا هدد السلم العالمي والسلام الاجتماعي.

أوباما في أرض ميعاده وفي سرد ذكرياته اعتبر نفسه الرئيس الأمريكي الأول في الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم وفي الكرة الأرضية، بينما اعتبرنا حقوق الإنسان التي رفعها في خطاباته وتصريحاته وأقواله وأحاديثه كانت يافطة لتمرير مشروع أوباما في إسقاط أنظمة معينة في منطقتنا واستبدالها بحكومات مجموعات تأتمر بأمره وتنفذ أجندته وفق مصالح حزبه آنذاك.

سعيد الشهابي المؤسس لفروع حزب الدعوة في أوروبا وأحد القياديين البارزين لفرع حزب الدعوة في لندن اعتبر حزب الدعوة أيقونة العرب، فهل حزب الدعوة كذلك، أم هو حزب يتبنى العنف لإسقاط شرعية الأنظمة التي لا تسير في فلك أيديولوجيته الطائفية والعنصرية.

ومع ذلك من المهم أن نقرأ المذكرات ونستمع إلى السرديات والروايات باهتمام وحرص لنستطيع الاستدلال بها في تحليلاتنا وفي قراءاتنا، ولتعزيز وجهة نظرنا وآرائنا بشهادة من الجانب الآخر الذي نحلله ونفككه ونعيد تركيبه وفق رؤيتنا، وفي ضوء ما ورد في مذكراته.

ومن هنا فقط تكتسب المذكرات أهميتها للباحث والمحلل والكاتب، لا لترديدها كما جاءت أو للتأثر بها والخضوع لما ورد فيها، ولكن لإعطاء تحليله وقراءته الشخصية دعمًا وبراهين وربما أدلةً تستند عليها تحليلاته وتعزز قراءاته وترفدها، وبالتالي فالمذكرات في أحسن أحوالها شهادات شخصية وليست وثائق تاريخية مجردة وموضوعية ومحايدة تمامًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها