النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11610 الأربعاء 20 يناير 2021 الموافق 7 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

أخطار الإحباط ومساوئ الانفعال في العمل السياسي 2 - 5

رابط مختصر
العدد 11555 الخميس 26 نوفمبر 2020 الموافق 11 ربيع الآخر 1442

3. برامج شعبية، وخطط سياسية مغرقة في طموحاتها، تلهث وراء أهداف ذات سقوف عالية، لا تتناسب وموازين القوى القائمة بين من يدعو لإنجاح تلك الخطط وبين من يقف ضدها. والحديث هنا ليس بصدد الحكم على جدوى تلك الخطط، بقدر ما هو الإشارة إلى ميلان كفة من يقف ضدها مقارنة من يعمل لتحقيقها. محصلة ذلك تمطي زمن العمل من أجل تحقيق أهداف تلك البرامج، دونما فائدة. وتتراجع المطالبات إلى مستوى المناشدات التي تتراجع هي الأخرى رويدا رويدا كي تكتسب صيغة الاستجداءات. تزرع تلك الحالة نزعة من الشكوك التي تنمو رويدا رويدا مع مرور الزمن، دونما تحقيق ما كان مطلوبا إلى حالة من الإحباط القابل للنمو عموديا في نفس كل مواطن، والانتشار أفقيا في صفوف الجهة التي تقف وراء تلك البرامج.

4. وصول مكونات العمل السياسي بمختلف ألوانها واختلاف مسؤولياتها في دوائر صنع القرار إلى درجة عالية من عدم التفاهم، او حتى مجرد الوصول إلى قرار مشترك ينظم العلاقات بين تلك المكونات، بغض النظر عن موقع أي منها في ألوان طيف تلك العلاقات. عدم التفاهم هذا يؤسس لسلوك يقترب من عدم المبالاة ينجم عنه موجة اجتياح عارمة سمتها الأساسية الإحباط السياسي. تتوالد هذه الموجة بسرعة، وتكتسب قدرة نمو داخلية لا متناهية تساعد على تفشي حالة الإحباط التي نتحدث عنها في اتجاهين الأول منهما عمودي يشل منظمات العمل السياسي بمختلف تلاوينها، والأخر افقي تصيب سهامه المواطن العادي. تتراكم كل تلك الأسباب والنتائج كي تنسج شبكة من العلاقات المجتمعية المحبطة (بفتح الطاء) تتناسل بشكل غير متوقع، وبسرعة غير محسوبة، فيدخل المجتمع برمته فيما يشبه الغيبوبة السياسية الناجمة عن ذلك الإحباط القابلة للتوالد والانتشار والنمو.

تقود هذه الأسباب أخرى غيرها نحو حالة الإحباط السياسي التي يسعى المقال إلى التحذير منها، ومن ثم بذل الجهود للحيلولة دون استمرار بقاء المجتمع العربي ضحية لها، وأسيرًا لتداعياتها. على أنه من الضرورة بمكان التأكيد هنا على أن مثل تلك الأسباب لا تعمل جميعها، وربما أخرى تضم إلى قائمتها في آن واحد، ولا تكشف عن وجهها القبيح في زمن تتابعي متواصل. فلكل منها ظروفه الملائمة الخاصة به التي تساعد على ظهوره وأداء دوره. 

لذلك فبروز أي منها على سطح ساحات العمل السياسي رهن موضوعيا بنضج الظروف الموضوعية التي تساعد على ذلك الظهور، كما أن استمرار أدائه رهن باستمرار توفر تلك الظروف، بعد نضجها.

وتحمل تلك السلوكيات في أحشائها أجنة الأخطار التي نحاول التحذير منها، والتي من أبرز مشاهداتها الحالات التالية:

1. الاستعانة بقوى خارجية، وهذا السلوك الناجم عن حالة الإحباط من أشدها خطورة على المجتمع العربي والمستقبل الذي ينتظره. ذلك أنه في المراحل المبكرة التي تتشكل خلالها العلاقة التي تربط بين الطرف المحلي العربي وذلك الأجنبي تبدو المصالح وكأنها متطابقة، ويتوهم الطرف المحلي أن نوايا الطرف الأجنبي صادقة، وأن الأهداف، على الأقل في مراحلها القصيرة متوافقة. وفي هذه المرحلة المبكرة من التعاون المشترك، لا يستطيع الطرف المحلي، بفعل حالة الإحباط إلا أن يكشف جميع أوراقه أمام من توهم أنه حليفه الاستراتيجي. بالمقابل يحرص ذلك الأجنبي أن يغلف أهدافه الاستراتيجية البعيدة، بما يوهم الطرف المحلي أن أوراق الطرفين، ومن ثم أهدافهما في سلة واحدة. يفقد الطرف المحلي رويدًا رويدا القدرة على أن يوصد أبوابه أمام الطرف الأجنبي الذي يتحين الفرص المناسبة كي ينقض على «حليفه المحلي» ويسلبه ما يريد أن يسلبه، كي يضمن سيطرته على مقدرات البلد. والتاريخ العربي الحديث والمعاصر مليء بمثل هذه الأمثلة، وليست اتفاقية سايس بيكو سوى أسطع الأمثلة على نتائج مثل العلاقة التي نتحدث عنها. أكثر أخطار الاستعانة بحليف أجنب عندما تتكاثر القوى الأجنبية الضالعة في الصراع المحلي، ولكل منها حليفه المحلي. حينها تتحول الساحة المحلية إلى حلبة صراعات بين تلك القوى الأجنبية. تتضاءل حينها المصلحة الوطنية، وتحل مكانها مصالح تلك الدول الأجنبية. ولعل ما يجري في ليبيا الكثير من العبر لفهم جسامة مثل تلك الأخطار. 

2. انتعاش النزعات، وتنجر وراءها الكثير من القيادات، ذات النزعات الانتهازية المنطلقة من مصالح ذاتية ضيقة الأفق مقارنة بتلك المصالح الوطنية ذات الآفاق الواسعة. إذا تجد تلك العناصر الانتهازية، وعلى وجه الخصوص تلك التي تمتلك مكونات الشخصية القيادية، في حالة الإحباط التي أشرنا إلى أبرز معالمها التربة الخصبة التي تمكنها من تقدم الصفوف، ونيل قبول البرامج السياسية التي تروج لها، واكتساب الشعبية التي تبحث عنها، كي تحقق تلك المصالح الضيقة على تلك الوطنية. وهي في سبيل الوصول إلى مبتغاها، لا تتردد تلك القيادات الانتهازية في دغدغة عواطف المواطن التي تقود إلى إذكاء النزعات الطائفية، ولا تحتار في الاستعانة بالأدوات الدينية بعد تزييفها وإفراغها من محتواها الحقيقي الأصيل، ولا تتوانى عن رفع سقف المطالب الوطنية التي تدرك هي أكثر من سواها أن الظروف غير مناسبة لتبنيها. كل ذلك من أجل جر الشارع السياسي نحو طرق مسدودة ترغمه على الاستنجاد بتلك القيادات الانتهازية، التي تجد حينها إن الظروف ناضجة كي تنشر فيروسات الأوبئة المحبطة، التي تجد، حينها، الفرصة الملائمة التي تبيح لها الفتك بجسم العمل السياسي، وادخاله في غيبوبة الإحباط التي أشرنا لها. وحدها تلك القيادات القادرة على زرع حالة الإحباط والمستفيدة في أن من تفشيها وازدهارها. تقوم بكل ذلك كي يتسنى لها الترويج لبرامجها الانتهازية والتربع على قيادة العمل السياسي، بعد حرفه عن مساره الصحيح لصالح برامجها المدمرة. أسوأ من ذلك بعد أن نجحت في تبوء المراكز القيادية التب قادت الحركة الجماهيرية نحو أفخاخها، بوعي وإدراك مسبق، نحوها، أن تلتفت نحو مصالحه الذاتية الضيقة الأفق فتسارع إلى عقد الصفقات التي تحقق لها المصالح الذاتية الضيقة على حساب الأهداف الوطنية التي توهم من انساق وراء تلك القيادات أنها تقوده نحوها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها