النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11609 الثلاثاء 19 يناير 2021 الموافق 6 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:49PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الانتخابات الأمريكية ودول مجلس التعاون

رابط مختصر
العدد 11553 الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 الموافق 9 ربيع الآخر 1442

  • دعم البيت الأبيض للربيع العربي في عهد باراك أوباما إلى حدوث فوضى شاملة

 

عاشت الدول العربية - وخاصة دول الخليج العربي - حالة ترقّب قصوى وهي تتابع سير انتخابات الرئاسة الأمريكية التي جرت في (3 نوفمبر 2020م)، بعد أن ظهرت علامات خسارة ترامب نظراً لأفكاره التجارية والاقتصادية التي وضعت مصالح الولايات المتحدة فوق كل شيء، وأدَّت إلى وقف دعم الربيع العربي الذي قادته الإدارة الأمريكية السابقة مع حلفاء متناقضين جمعتهم مصالح مشتركة وهما قطر وإيران وكان وراء الانهيار التام لبعض الأنظمة العربية. 

فقد أدى دعم البيت الأبيض للربيع العربي في عهد باراك أوباما إلى حدوث فوضى شاملة في منطقة الشرق الأوسط، وما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم في بعض الدول، ومازالت هناك أيادٍ تلعب في الخفاء للعبث من جديد لتغيير الأنظمة الشرعية للدول العربية وتنتظر فرص جديدة على أبواب البيت الأبيض بدخول الرئيس الجديد الديموقراطي (جو بايدن) الذي فاز بالرئاسة ليُعلن انفراجًا في العلاقات بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي الذين توتَّرت العلاقات بينهما إلى حد العداء بسبب تصرفات الرئيس السابق ترامب مع رئيسة مجلس النواب. 

ولكن، لماذا يهمّ بعض الدول العربية - وخاصة دول مجلس التعاون - استمرار الرئيس السابق ترامب لولاية ثانية؟ 

تتعدَّد أسباب ذلك وتتلخَّص في الآتي: 

1. القوة النووية الإيرانية، والخشية من سياسة الحزب الديموقراطي في مهادنة النظام الإيراني والاعتراف بالأمر الواقع على ذات السياسية الأمريكية السابقة في عهد أوباما. 

2. تعتقد إيران بأنه من المهم لأمنها الاستراتيجي أن تمتلك سلاحاً نووياً لحماية (نظام الوليّ الفقيه) لنشر مبادئ ثورة الخميني والمذهب الشيعي في أرجاء الدول المجاورة لها وخاصة دول الخليج والعراق وسوريا ولبنان ومصر واليمن، وتصبح بذلك لها القوة والهيمنة السياسية والعسكرية في بسط نفوذها كونها مُحاطة بقوى نووية مثل إسرائيل والهند وباكستان، فالدول التي تمتلك القوة النووية لا يمكن للنظام الدولي أن يحاول فرض عقوبات عسكرية عليها كما هو الحال مع كوريا الشمالية التي نجحت حتى الآن في تنفيذ برنامجها النووي، لذا يُشكِّل إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي قلقاً وهاجساً لدول مجلس التعاون. 

3. ترى دول مجلس التعاون بأن استمرار البرنامج النووي الذي تقوم به إيران والذي حظي بموافقة الدول الخمس الكبرى بما فيها الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس السابق أوباما في (يوليو 2015م)، يشكِّل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار في المنطقة، حيث ستلجأ إيران إلى استخدام سلاحها النووي في حال نشوب حرب ضدها كوسيلة للدفاع عن سيادتها وأمن أراضيها؛ وسيؤدي بالتالي إلى حرب نووية سيكون لها تأثيرات كارثية على مختلف الصُعُد، بيئية وأمنية ونفسية وتدمير شامل للبنية التحتية في الإقليم بكاملة. 

4. ترى دول مجلس التعاون في هذا السلاح المدمِّر تهديد إيراني قد يُستخدم لتحقيق الأهداف التي قد لا تتمكَّن إيران من تحقيقها دون استخدام القوة والتهديد المباشرة، خاصة فيما يتعلَّق بشعارات المظلومية وانتهاكات حقوق الإنسان التي يعانيها الشيعة العرب كما تصوّره إيران للعالم، أو تتخذه عذراً لتنفيذ أهدافها التوسعية في المنطقة الخليجية التي تبعد عنها بحوالي (150 ميلاً بحرياً) فقط. 

5. ترى دول مجلس التعاون بأن امتلاك إيران للسلاح النووي الذي أطلقته خلال حربها مع العراق (1980م وحتى 1988م) للتعويض عن حظر الأسلحة الأمريكية التي كان يستوردها النظام الشاهنشاهي السابق، سوف يؤدي إلى سباق نووي محموم في المنطقة لامتلاك هذا السلاح، كما حصل بين الهند وباكستان، الأمر الذي سيُدخل منطقة الخليج العربي في دائرة الخطر النووي، خاصة بعد خروج العراق من دائرة التوازن الإقليمي الاستراتيجي بعد إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس صدام حسين في عهد بوش الأبن، والذي كان مهماً لديه الإطاحة بالعراق وتدميره وتسليمه على طبق من ذهب للنظام الإيراني من خلال الأحزاب العراقية الشيعية الموالية لإيران قلباً وقالباً، وهو ما زاد من قوة إيران السياسية والعسكرية وقيامها بتصرفاتها غير المقبولة في التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون والدول العربية المحيطة بها لتصل إلى درجة تصريح أحد نواب البرلمان الإيراني بأن خمس عواصم عربية تخضع للسيطرة الإيرانية! 

6. حتى هذه اللحظة يمكن القول بأن الولايات المتحدة لم تزل ملتزمة بأمن دول مجلس التعاون وحماية الممرات المائية الدولية بالخليج التي يمر من خلالها أكثر من (40%) من النفط والغاز إلى العالم، ويُعتبر استقرار هذه المنطقة أمراً مهماً لاستمرار عجلة الصناعة الغربية والآسيوية لكافة الدول، إلا أن وصول (جو بايدن) إلى البيت الأبيض، وتصريحاته ما قبل الانتخابات التي مست المملكة العربية السعودية، واستمرار حصول إيران على القوة النووية التي يجيزها الاتفاق النووي الموقَّع في (يوليو 2015م) سيؤدي كما ذكر المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في أحد تصريحاته بأن (.. جميع الدول الأعضاء في مجلس التعاون سوف تضطر للحصول على التكنولوجيا النووية؛ لأن المنطقة أصبحت على نحو متزايد من الخطر كبرميل زيت قابل للانفجار..)، وقد دفعت سياسة الرئيس بوش الأبن إلى زيادة الانفاق العسكري الخليجي بعد أن وجدت دول مجلس التعاون أهمية ضخ الأموال في سبيل حماية أمنها واستقرارها مستفيدة من دروس غزو صدام حسين للكويت في (أغسطس 1990م). 

لقد تنامت القدرات العسكرية الخليجية بصورة كبيرة جدًا في الفترة الأخيرة، وقطعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة شوطاً كبيراً للحصول على الطاقة النووية للاستخدامات السلميّة، وتقدَّمت الأنظمة العسكرية الخليجية بإدخال منظومات دفاعية متطورة بالتعاون مع الولايات المتحدة التي تعتبر حليفاً مهماً ورئيسياً لها لردع إيران ومشروعها النووي، إلا أن التصريحات الانتخابية للرئيس الديموقراطي (جو بايدن) لا تُبشِّر بخير في إطار علاقات الصداقة المستقرة بين الجانبين، حيث ترى دول المجلس بأن خروج العراق من معادلة الأمن الإقليمي في المنطقة بعد تفكيك الولايات المتحدة لقوته العسكرية خطأ استراتيجي متعمَّد أدى إلى صراعات عرقية ومذهبية عنيفة شهدها العراق منذ الانسحاب الأمريكي منه، واستفادت منه إيران أقصى استفادة لتحقيق أهدافها وأصبحت هي المحرِّك والمهيمن الرئيسي على العراق الذي تحوَّل إلى محافظة إيرانية تابعة. 

وقد حاولت إيران في أكثر من مناسبة عرض نواياها السلميّة لإقامة تعاون سياسي واقتصادي مع دول مجلس التعاون بشرط سحب القوات الأجنبية من المنطقة، والذي تراه دول مجلس التعاون أمراً غير ممكن لأسباب عديدة، منها: 

1. يهدِّد سحب القوات الأجنبية الأمن والاستقرار في المنطقة بسبب التفوق الإيراني بالعدّة والعتاد وشبه امتلاكها للسلاح النووي، إلى جانب تمكّنها من تحريض بعض من العرب الشيعة داخل دول المجلس وقدرتها على تدريبهم وإشراكهم في عمليات إرهابية في الوقت الذي تريد، إلا أن مبادرة مهمة كتلك تتطلَّب من الجانب الإيراني خطوات عملية حقيقية لبناء الثقة بين الأطراف، والتي من أهمها قبول دعوة الإمارات العربية المتحدة للمفاوضات المباشرة حول الجزر الإماراتية الثلاث أو إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية، والالتزام بعدم التدخّل في الشؤون الداخلية الخليجية، والتوقف عن تمويل المنظمات الإرهابية التي تمارس نشاطها من الخارج أو الداخل الخليجي. 

2. الخشية من كارثة نووية قد تعرِّض دول المجلس لخطر تسرب الإشعاعات النووية من المنشآت والمفاعلات النووية الإيرانية في منطقة بوشهر القريبة جداً من السواحل الخليجية، وما قد تسببه هذه الإشعاعات والمخلفات النووية من مخاطر بيئية وخسائر بشرية مروّعة، وما قد تتعرَّض له هذه المنشآت من زلازل أو قصف جوي من شأنه أن يوثر على محطات تحلية المياه المنتشرة على طول سواحل دول الخليج. 

تلك هي بعض الهواجس التي أراها بعد نجاح (جو بايدن) في انتخابات الرئاسة الأمريكية، إلا أنه من المعروف بأن سياسات الدول تقوم دائماً وأبداً على المصالح، وكل دولة من دول مجلس التعاون لديها مصالحها وخياراتها السيادية في التعامل مع القادم الجديد في البيت الأبيض، كما أن للقادم الجديد خياراته هو الاَخر التي تضع المصالح الأمريكية فوق كل الاعتبارات. 

وستكشف الأيام القادمة مسار السياسة الأمريكية الجديدة تجاه منطقة الخليج العربي وإيران؛ إلا أن الاحتمالات هي أن يربط البيت الأبيض علاقاته مع دول الخليج والمنطقة بمدى نجاحها في حماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، وهو ما يتطلَّب من دول مجلس التعاون العمل على تنفيذ مزيد من الاصلاحات الدستورية وتعزيز المشاركة الشعبية في إدارة الحكم التي ستكون هي السدّ المنيع والحصن الحصين الذي يحمى سيادتها الوطنية ويعزِّز مكانتها الدولية التي تتطلَّب في الوقت ذاته البحث عن حل جاد للأزمة القائمة بينها لعودة المياه إلى مجاريها، وتعزيز جسور الثقة والتعاون وتأمين مصالح شعوب دول المجلس وتحقيق المواطنة الخليجية الكاملة. 

 

 المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها