النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

اليوم العالمي للفلسفة

رابط مختصر
العدد 11549 الجمعة 20 نوفمبر 2020 الموافق 5 ربيع الآخر 1442

اليوم العالمي لأي شأن من شؤون الحياة الانسانية، هو دعوة لجميع الناس للحضور الذهني والنفسي للشأن الذي خصص له يوم من أيام السنة، والدعوة هي لَمٌّ لجميع الناس فيما يشبه عيدًا، فنحن أمام أعياد عالمية ودولية، لا للاحتفال ببعده التقليدي، ولكن لمعايشة موضوع العيد، ولتذكر الموضوع، لأهميته الانسانية، بغيــة التفكر فيه واستذكار قيمته الوجدانية وأهميته الانسانية، وتوجيبًا لحق التاريخ علينا، والتاريــخ هو سجل الانسان في الحياة. 

تحتفل البشرية كل عام بعدد من الاعياد الدولية، وتبادر منظمة اليونسكو بين حين وآخر إلى إضافة يوم جديد، خدمة للتعاون الدولي، بين الشعوب، في مجالات التربية والعلوم والثقافة، مما يساهم في تقريب الشعوب بعضها الى بعض، وتكريس نهج الحوار بينها ليحل محل الصراع والحروب. موضوع لم يدر بالبال أن يحدد له يومًا عالميًا، كون الناس تنظر إليه من منظور أن الموضوع نخبوي، وهو موضوع «الفلسفة». أرادت منظمة اليونسكو أن تؤكد بأن «الفلسفة» شأن انساني وفي متناول كل انسان، وليس فيه طلاسم تستعصي على فهم الانسان، كان من كان هذا الانسان، فقررت تحديد يوم للفلسفة، وتم الاحتفال به لأول مرة في 21 نوفمبر 2002، بقرار أممي للاحتفال بالفلسفة في يوم الخميس الثالث من نوفمبر كل عام. 

فهذا اليوم (العيد) العالمي للفلسفة قد كسر طوق النخبوية عن «الفلسفة»، وفتح أبواب الفلسفة لعامة الناس دون استثناء، ولا تمييز ولا تمايز. وهذا يحيلنا إلى السؤال الحرج، هل الفلسفة شأن خاص ونخبوي، أم أنه شأن إنساني عام؟ إن هذا السؤال، الفلسفي في صياغته، يحمل في ثنايا كلماته إيحاءُ بأن الفلسفة شأن عقلي وهي روح العقل، والعقل ليس حكرًا على فئة دون فئة ولا على فرد دون فرد ولا على الذكر دون الأنثى، فالعقل مَلَكَةٌ لكل البشر. 

والفلسفة باشتقاقها المصطلحي من الاصل اليوناني تعني «حب الحكمة»، والحكمة من الحكم السليم والرأي السديد المجرد من الاهواء ومن النزوات، ويستحيل للحكم السليم إلا أن يتأتى من أنوار المعرفة ومكارم الاخلاق والفضيلة وهي من التفاعلات الذهنية التي تختمر في العقل. إن العلاقة بين العقل والفلسفة هي علاقة الصنو بالصنو، فلا عقل دون فلسفة، ولا فلسفة دون عقل، فهما زوج خالد لا انفصام ببنهما. من لحظة خروج الطفل من رحم أمه وعقله يحفزه لكشف المستور عن البيئة الجديدة التي أُخْرِجَ إليها ودُفِعَ فيها، وكان تصديره إلى بيئة جديدة كوضع الانسان أقدامه على كوكب جديد. أتى الانسان إلى عالم الحياة دون إرادة منه، واضطرته هذه الحال أن يحرك الارادة بملكة العقل. 

بداية المسيرة الفلسفية، والانسان مازال طفلًا، هو التحسس عن طريق الفم ومن ثم اللمس، وعند اكتسابه بعضًا من الكلمات، خرجت من على لسانه تساؤلات عديدة وأكثرها محرجة. ليس من النوادر ولا من العجائب أن يسأل طفل أمه أو أباه هذا السؤال الفلسفي البريء: «من أين أتيت؟... كيف أتيت؟». هذا السؤال هو من نطق الروح في عقل الطفل، إنه سؤال فلسفي بامتياز، إنه السؤال الذي يشغل عقول المفكرين الكبار، الذين يعرفون بالفلاسفة، منذ ما قبل سقراط، ومازال السؤال دون جواب قاطع يسد باب السؤال. يقول الطفل من أين أتيت، والسؤال الفلسفي الخالد هو «كيف نشأ الكون؟» سؤال عن ماهية الكون! سؤال عن العلاقة السببية والزمكانية (الزمان والمكان) بين الوجود والعدم... سؤال مازال يشغل المفكرين وعلى رأسهم نخبة الفلاسفة. إن السؤال البريء من الطفل هو استفسار عن سر الكون وأصله. إن علامة السؤال (؟) هي رمز الفلسفة، والفلسفة هي تعبيد الطريق بازالة الاشواك والعراقيل إلى مواضع الحقيقة ورياض الفضيلة - أبو الفلاسفة سقراط كان يدعو إلى سبر غور الحقيقة لأنها السبيل إلى الفضيلة. فمن سأل ما ضاع، ومن لم يسأل ضاع ؛ فغياب الفلسفة، أي الامتناع عن الاستفسار والسؤال، متاهة مظلمة يضيع فيها الانسان، ويتلاطم بعضه في بعض. ميزة الفلسفة أنها لا تعتمد على منبهات تحفز الاثارة في النفس، بل على مغذيات تنشط الفكر في العقل..

يولد الانسان فيلسوفًا بعقل حر طليق، والتربية اللاحقة تغتال فيه الفلسفة، اسريًا واجتماعيًا ومدرسيًا، وهذه التربية تحيط عقل الطفل باسوار المنع والتحذير من الانسياق لتفاعلات العقل، فتنغلق في العقل مخارج الاستفسار، ويرتعب النقد، ويتعفن العقل. يعقدون عقله بعقد العقيدة، وإرث البديهيات والمسلمات والمعصوميات والمحرمات، ويكبل عقله ويحرم عليه السؤال بفعل قبول قسري يتراكم يوما بعد يوم ليتحول الى قبول طوعي تسليمي. وهكذا يتشكل الصرح الفكري للانسان، فهو يولد حر الفكر وينمو ويترعرع ويتربى ويشب مكبل الفكر، والازمة الانسانية كلها تكمن في هذا النهج من مسخ حرية الفكر، وقفل أبواب الاستفسار والنقد. 

إن مبادرة اليونسكو تحديد يوم عيد للفلسفة، رغم أنها جاءت متأخرة، إلا أن ورودها ونشر أنوارها أمر عظيم يخدم قضية الانسان الاولى، وهي مصير الانسان الذي يترنح بين الحروب والصراعات المتواصلة شبه المستدامة، والسلام العصي على المنال وأشبه بالمستحيل. إن تعميم الفلسفة ومشاعيتها للجميع دون استثناء، وانزالها من البرج العاجي المصطنع، يساهم في الارتقاء بفكر الانسان وثقافته، ونهج التعاطي في حل قضاياه بالحوار الفكري الهادئ وإرواء نبتة المحبة والسلام، لا باستعراض القوة وتعميد الفرقة. عندما تسود ثقافة الحوار تميل بوصلة حل القصايا في اتجاه السلام.

وحبذا، إكرامًا للانسان ورحمة بانسانيته، لو تتلقف وزارات التربية والتعليم في العالم مبادرة اليونسكو وتضيف مادة الفلسفة في مناهجها، بدءًا من المراحل التعلبمية الاولى، لأن الانسان الطفل في بداية مسيرته التعلبمية يكون حر الفكر وقابلًا لطرح الأسئلة والاجابة على الاسئلة ونقد ما يتلقاه بروح من جرأة حرية الفكر دون خوف ولا تردد. وهكذا يمكن بناء الانسان الحر الواثق من نفسه... 

وعنــدما يلتقي الحر بالحر في ساحة الاحرار، تزول الفــوارق وتنهار الامتيازات، وتعم الفضيلة، وهو الامل المنشود الذي نــادى به قبل ألفين وأربعمائة عام أبو الفلاسفة سقراط.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها