النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11800 الخميس 29 يوليو 2021 الموافق 19 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:33AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:27PM
  • العشاء
    7:57PM

كتاب الايام

رحيل أغلى الرجال

رابط مختصر
العدد 11549 الجمعة 20 نوفمبر 2020 الموافق 5 ربيع الآخر 1442

  • خمسة وثمانون قدمها الراحل بنكران ذات عجيب للوطن ولم يوفر منها لراحته شيئًا

 

 بين لحظة الولادة ومعانقة الوجود والالتصاق به، وبين وداع هذا الوجود والرحيل عنه إلى عالم البرزخ يمتد شريط يطول أو يقصر من التفاصيل التي تجري في نهر الحياة. هذه الحياة هي التي تعطي معنى لولادة هذا الإنسان من البشر أو ذاك، وإلا فلا معنى لمثل هذه الحياة إذا لم تقترن بالعطاء والإنجاز ففي هذه الحالة يمكن مساواتها بالعبث أو بالعدم وكلاهما أشد من الموت وأقسى؛ لأن من الناس عظماء كانوا أعظم من الموت قهروا الفقدان رغم قساوته بما تركوه من آثار دالة عليهم شاهدة بأنهم بيننا خالدون.

 ضمن هذا الإطار أعتقد جازما أن تاريخنا الوطني المجيد كفيل بأن يسجل في صفحاته وبحروف من نور العطاء السخي والمستمر لحياة عزيز البحرين وصانع مجدها صاحب السمو الملكي الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رحمه الله وغفر له وطيب ثراه، الشيخ خليفة الذي غادرنا بعد أن أفنى عمره في خدمة وطنه ليجعله مثالاً في التنمية البشرية يشار إليه بالبنان لا نراه إلا علامة وضاءة خطت البحرين بحروف من ذهب سيرتها العطرة في مدونتها الملحمية وخاصة منها ملحمة بناء البحرين المدنية الحديثة، ففي كل ناحية من هذا الوطن أثر جليل ما لصاحب السمو الملكي فقيد البحرين الراحل الشيخ خليفة رحمه الله. في نوفمبر 1935 ولد سمو الأمير خليفة بن سلمان، وها نحن اليوم بعيون دامعة وقلوب موجوعة نودعه إلى مثواه الأخير بعد أن استمر يدير الشأن العام بكفاءة عالية بدون كلل أو ملل يملأ الحياة عطاء ويُغني واقعها بإنجازات مذهلة منذ البواكير الأولى من خمسينيات القرن الماضي حتى أنهكه العمل ونال منه فترجل راحلا إلى الأبدية في نوفمبر 2020، أي بعد خمسة وثمانين عاما من العطاء المستمر تاركًا خلفه كنزًا من القيم الوطنية والمُثل العليا والعبر في فضاء الوطن. خمسة وثمانون قدمها الراحل بنكران ذات عجيب للوطن ولم يوفر منها لراحته شيئًا.

 المجال هنا لا يكفي ولا أظنه مناسبا لنعدد ونحصي معًا إنجازات فقيدنا العزيز التي هي باتساع الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه؛ لأن الشعب البحريني يدرك تمامًا العطاء غير المحدود والإنجازات الضخمة التي طبعها رحمه الله ببصمته الخليفية لتبقى شاهدة على عصر ذهبي سوف يستمر إلى ما شاء الله، ولكننا هنا نتذاكر مع البحرينين الذين صرف من أجلهم الفقيد فترة شبابه وكهولته وشيخوخته في ما ينفعهم وينفع وطنهم. فأين ما وليت وجهك تجد منجزًا لا يمكن إلا أن يفاخر به المواطن. الاقتصاد المتنوع والبنية التحتية الجاذبة للاستثمارات الأجنبية والإعمار الحديث الذي تتباهى به البحرين، والحفاظ على المعمار القديم وترميمه لجعله مقصدًا للزائرين من مشارق الأرض ومغاربها تستثمر فيه البلاد سياحيًا وثقافيًا، وهناك الإسكان والتعليم والصحة وقبل كل هذا وذاك الأمن والاستقرار الذي هو سمة من سمات هذا المجتمع، لم تكن هذه فحسب شواغل سموه اليومية التي أبدع فيها رغم كثرة التحديات ونجح في أن يجعل البحرين منارة في مختلف المجالات المذكورة فحسب، بل وتصدى سموه رحمه الله وغفر له إلى جانب كل ذلك لكل ما كان يحاك للبحرين من دسائس في الداخل والخارج، وكانت مواقفه في ذلك مشهودة وسدًا منيعًا تكسرت على جدار وطنيته الصلب كل المؤامرات. 

 ولعلنا نتذكر في هذا الإطار أحد مواقفه الوطنية العروبية مع صاحب العظمة الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان طيب الله ثراه عشية الانضمام إلى الأمم المتحدة عندما تحركت غريزة الاستعمار لدى شاهنشاه إيران ليعيد اسطوانته الممجوجة المشروخة بالمطالبة بالبحرين، فحشدا رحمهما الله معًا الرأي العام لتثبيت البحرين عربية مستقلة ذات سيادة، وقد كان لهما ذلك. لقد كانت البحرين لدى فقيدنا العزيز الراحل موطنا وفضاء وظف فيه سموه ما حباه الله من يقظة وفطنة وغيرة ووطنية، فبادلته البحرين حبًا بحب، وحباه الله حب أهل البحرين كبيرهم وصغيرهم؛ لأنهم رأوا فيه الصدق والجد والعزم والحزم والأمل والعمل والذكاء وكل ما يبني البحرين القوية العزيزة المنيعة.

 رحيلكم سيدي إلى دار الخلود لا يعني غيابكم أبدًا، فالغياب لا يسجل إلا للنكرات، للذين يقفون على هامش التاريخ وأنتم أحد صناع هذا التاريخ الزاهي لوطننا الجميل. وعزاؤنا في القيادة الفذة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد حفظه الله وأمد في عمره، وفي ولي عهده المؤهل تأهيلا أنتم أشرفتم عليه إلى جانب جلالة الملك لقيادة الحكومة على النسق والكفاءة والرشد الذي اشتغلت به كل الحكومات التي كنت قائدها.

 حضوركم في الوطن سيدي من أقصاه إلى أقصاه يبقيكم في عالم الأحياء في أنفة وكبرياء وشموخ. فنم قرير العين يا أغلى الرجال، عسى أن تكون جنة الخلد مثواكم الأبدي وعظم الله أجرنا نحن أهل البحرين جميعًا، فقد فُجعنا برحيل أغلى الرجال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها