النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

مناهج التعليم واللغة العربية والرقمنة

رابط مختصر
العدد 11548 الخميس 19 نوفمبر 2020 الموافق 4 ربيع الآخر 1442

في الحلقة الرابعة والأخيرة من مقالتي «مستقبل العالم»، توقفت عند قضية التحدي الذي يواجه العرب إن هم أرادوا التخطيط لمستقبلهم الذي ينتظرهم بحلول العام 2050. وأسهبت في ضرورة أن يراجع العرب واقع المنظومة التعليمة كي يعيدوا بناءها من جديد على أسس مختلفة، وبمعايير عصرية تتلاءم والثورة الرقمية التي تعصف بكل من يرفض أن يسايرها.

بعد نشرها تلقيت مكالمة هاتفية من أستاذ جامعي ضليع في اللغة العربية، ومهتم بالشأن العام، يلفت النظر إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن أحد أسباب عجز المنظومة التعليمية العربية اليوم عن مواكبة التطور المطلوب، الذي يؤهل العرب لشغل موقع متقدم بين الأمم المتحضرة بحلول ذلك العام هو ضعف مواد المناهج التي تدرس، وأكثر تلك المقررات تخلفًا هو ذلك الخاص بتدريس اللغة العربية.

وكان منطقه الذي يقف وراء تلك الدعوة لإعادة النظر في مناهج اللغة العربية، لإصلاحها، وإحداث ثورة حقيقية في مكوناتها وطرق تدريسها، حتى يتسنى لها مواكبة الثورة الرقمية التي مست عصب المنظومة التعلمية على مستوى العالم.

توقفت طويلاً عند تلك الملاحظة الخاطفة كونها تحمل في أحشائها دعوة صادقة لإعادة النظر في واقع اللغة العربية الحالي، وقدرتها على أن تؤهل نفسها كي تسير في ركب الرقمنة، دون أن تفقد شيئًا من مقوماتها، التي أصبحت ضحية لمن يرون فيها، دون وجه حق، وقبل أن يبذلوا جهدًا في الوصول إلى ما يدعون له، من كون اللغة العربية لغة بالية وغير قادرة مواكبة عصر الثورة الرقمية.

وبعد البحث الذي لا يدعي أنه عميقًا بالمستوى المطلوب، نظرًا لضيق الوقت، وجدت أن هناك الكثير من الاجتهادات المخلصة التي تشارك صاحب المكالمة فيما ذهب إليه.

فهناك أستاذ التعليم العالي محمد بنلحسن، الذي ينقل عن الباحث اللساني محمد لهلال، رؤيته حول واقع اللغة العربية بقوله: «إن المشتغلين بالشأن اللساني في العالم العربي لم يستطيعوا استيعاب التقدم التقني والمعرفي الذي وسم أنماط التفكير الغربي الذي تعرفه مختلف المجالات العلمية الدولية... إن أي تطوير لآليات معالجة اللغة العربية ومقاربة قضاياها وظواهرها، يفرض إعادة النظر في الاستراتيجيات التي وجّهت لعقود من الزمن البحث اللغوي العربي في كل الأقطار العربية بخاصة منظماتها اللغوية والتربوية».

وتشارك المديرة التنفيذية بمركز بيت اللغة في لبنان ضحى الأسعد في مقالتها، «تكنولوجيا تعلم اللغة العربية»، ما ذهب إليه بلهلال، حين نجدها تؤكد ضرورة «الاعتراف بحاجتنا الماسة والملحة لنهضة لغوية شاملة، قادرة على تلبية مطالب، ومقتضيات العصر، شرط ألا يلقى ذلك على عاتق اللغويين فقط، بل لا بد من وجود التقنيين، والفنيين، في مجال الحواسيب، والمتمرين في مجالات الكتابة الإبداعية للوصول إلى صيغ ومصطلحات ومفردات عربية سليمة دقيقة علمية وعملية». 

ويدعو إلى ما ذهبت إليه تلك المكالمة الهاتفية الباحث عبدالعزيز التويجري، حين يشخص واقع اللغة العربية ومناهج تدريسها، والطريق المفتوح أمامها إن هي أرادت أن تسهم في بناء منظومة تعليمية قادرة على تهيئة المواطن العربي لولوج العالم من مدخل متفوق عندما يصل ذلك العالم العام 2050. فنجده يصر على «أن اللغة ترتقي في مدارج النضج والكمال إذا ما سارت في اتجاهين متوازيين، الذيوع والانتشار، والتجديد والابتكار. فإذا انتشرت اللغة من دون أن تتجدد، مبنًى ومعنًى، أصولاً وقواعدَ، أبنيةً وأوعيةً، اصطلاحًا وأخيلةً، افتقدت الضمانات التي تفتح أمامها السبل نحو النضج والتفوّق. فهذا التوازن الدقيق بين مسارَيْ التطور، هو الذي يقي اللغة من الجمود ويقوّيها ويكتب لها الخلود، ويحقق (النقلة النوعية) للغة، التي هي نقيض ما عبرنا عنه بـ(النقلة الرقمية)، التي لا تعكس طبيعة التطور الذي عرفته اللغة، ولا تكشف حقيقة التقدم نحو المستويات الأحسن والأرقى والأجمل الذي تسير في ركابه». 

استحضرت تلك المكالمة ما جاء في كتاب الباحث كتاب نبيل على «اللغة العربية والحاسوب» الصادر في العام 1985. ويعد ذلك الكتاب من الاجتهادات المبكرة التي تنبهت إلى ضرورة الربط بين اللغة كوعاء حاضن للثقافة، ومطور للفكر، وبين النهضة الرقمية التي بدأت معالمها في مطلع الثمانينات من القرن العشرين.

هذا ينقلنا إلى الجزء الثاني مما جاء في تلك المكالمة وهو المقررات. والحديث عن المقررات، ومن بينها تلك التي تتناول اللغة العربية يتوزع على شقين: الأول منهما هي المواد، والثاني هو طرق التدريس، والإخلال بهما يتحول إلى مصيبة، وبأحدهما يقود إلى السير بشكل أعرج.

فاكتمال الإصلاح المطلوب لانتشال اللغة العربية من واقعها السيئ ومصيرها المستقبلي الأسوأ، رهن بإعادة العرب نظرهم في المقررات أولاً، وطرق تدريسها ثانيًا، على ألا يتم ذلك بالهروب من تطوير مدارس الدولة نحو الالتحاق بمدارس القطاع الخاص.

فإصلاح المنظومة التعليمية العربية بمقوماتها الرئيسة، ومن بينها المقررات، التي نوهت إليها تلك المكالمة، وفي صلبها اللغة العربية بحاجة إلى إعادة النظر، ومن منطلقات لا تقبل المساومة تعيد إصلاح كل ركيزة من ركائز تلك المنظومة، دون ان أي تجزئة لذلك المدخل.

فالمطلوب تلك النظرة الشمولية الجامعة التي تصهر مكونات تلك المنظومة في بوتقة استراتيجية متكاملة، لا تتعالى على الموروث الحضاري، لكنها في الوقت ذاته، والقدر ذاته، لا تقزم نفسها أمام إنجازات الآخرين، بل تمتلك الثقة في حضارتها، ولا تستنكف أن تتفاعل مع الحضارات الأخرى وتغرف من معين منتجاتها دون انتقائية عشوائية مصدرها الوجل من الجديد الذي تحمله تلك الحضارات الأخرى. تلك مهمة في غاية الصعوبة والتعقيد في آن، وبحاجة إلى البحث عن الموارد البشرية الكفوءة قبل رصد الموازنات الفلكية. فالإنسان قبل الأموال هو من يقوم بالثورة التعليمية التي بوسعها أن تضع المقررات السليمة التي تحافظ على لغتنا العربية دون ان تشيد بين تلك المقررات العربية والمقررات الأخرى سور صين جديد يعزلنا عن العالم، فنعجز عن مواكبة العالم، ونفشل في التهيؤ لأن نكون جزءًا منه عند بلوغه العام 2050.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها