النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

مجلس الرئيس .. وداعًا

رابط مختصر
العدد 11547 الأربعاء 18 نوفمبر 2020 الموافق 3 ربيع الآخر 1442

لم يكن على موعد مع الوداع ذلك القلب الذي توقف فجأة عن الحياة، ولم يكن أحد رفقاء الطريق على موعدٍ آخر مع الألم عندما وصل إليه مؤكد من الأنباء بأن الفارس الكبير قد ترجَّل، وأن الأب الرئيس قد اختار رحيله الكبير، من دون أن يلقي على أحبائه نظرة السلام الأخيرة.

الاختيار قدر وقضاء، ومن كان عزيزًا على شعبه لن يكون غريبًا في السماء، فخليفة بن سلمان لم يكن مجرد رئيسًا لوزراء، أو قائدًا جسورًا لشعب كان يسعى إلى التقدم والازدهار، لكنه كان روحًا تستمد منها بلاده مذاق الحياة والارتقاء، تمامًا مثلما كان حنونًا صارمًا يعرف في فنون الاستلهام عن بعد، وفي علوم الاستباق للأحداث، فكان يصوب بوصلة المنحرفين عن الصراط المستقيم، ولا يعد إلا وكان قد أوفى، ولا يرتبط إلا وعروته الوثقى تسبقه إلى كل مُريد، تنتمي إلى مديد أمتنا، وإلى عظيم مناقبنا، وإلى جذور ماضينا لذا لم يكن غريبًا على صاحب عمود «مجلس الرئيس» الذي تواصل نشره طوال السنوات السبع الأخيرة أسبوعيًا من دون توقف أو ترجل أو تواجد خارج الديار، أن يُبكي المشاهدين من دون أن يبكي وهو يتحدث في تلفزيون البحرين عن مناقب الفقيد، عن ذكرياته معه.

الرئيس المؤسس للجامعة الأهلية، رئيس مجلس الأمناء البروفيسور عبدالله بن يوسف الحواج وطوال أربعة عقود وربما يزيد لم يتأخر عن مجلس الرئيس الذي كان يلتئم كل أحد، وكان البروفيسور الحواج دائم المقاربة بين مجلس خليفة بن سلمان ومجالس المأمون والرشيد في خوالي أيامنا العربية المجيدة، كان في عمود الأسبوعي يتحدث عما دار في هذا المجلس، عن تلك الحالة الاستثنائية التي تفيض حبًا ونورًا من قائد لشعبه، ومن ثاقب بصيرة لنخب جاءت من كل حدب وصوب كي تتعلم من خصالنا العربية، وعاداتنا المنسية ما تساقط منها عبر غربال الزمن الطويل بعد اتساع تضاريسه، وتضارب مشاربه، وتناقض مآربه، تحدث الحواج بعيون أبت إلا أن تدمع فأدمعت المشاهدين، وبكلام لم تمنعه حشرجات الأحزان فخرجت من القلب العليل برسالة ملؤها الأسى والألم على فقد العزيز وأي عزيز.

مجلس الرئيس الذي اعتدت أن أقرأ عنه في صحيفة شقيقة، قد لا أراه مجددًا من دون الرئيس، من دون البرلمان الشعبي الذي يحمل في أركانه لفيف الذكريات، وأصداء القضايا والحوارات ورنات التوافق على وصايا حق لم يُراد بها باطل.

لقد كان الراحل الكبير في مجلسه الأسبوعي عين لا تُخطئ ضالتها المنشودة، فكان يعرف كل المريدين، وكل الضيوف العابرين، وكان سموه رحمه الله يقظًا نبيلاً دبلوماسيًا بارعًا عندما يكون الحوار المفتوح تحت قبة برلمانه العتيد، مكتسيًا بقضية، أو منبريًا بفكرة، أو منبهرًا بمثلٍ يحتذى.

بين الرئيس ومجلسه، وكاتب مجلس الرئيس ودموعه، رحلة في رحاب خالقها، ذكريات في عقول وقلوب المصلين صباحًا ومساء، والذين شاهدوه، والذين تابعوه، والذين تشبثوا بالنصيحة الخالصة، وتمسكوا بالحكمة الصادقة، وانتهوا إلى ما ينتهي إليه كل مؤمن بقضاء الله وقدره، متقبلين الرحيل الكبير بقلبٍ ملؤه الإيمان، وبصدر يعتصره الألم، وبعيون تُسبلها الدموع. 

لا أحد يعرف إذا ما كان الكاتب سوف يتغلب على أحزانه أم لا، ولا أنا شخصيًا رغم حزني على الراحل الكبير وعرفاني بأفضاله على تشكيل رؤانا حول القضايا المفصلية في حياتنا المعاصرة، وحدة وانقسام، تشرذم واحتدام، اختفاء دول، وبروز جماعات، هزائم جيوش وانتصار مليشيات، تهديدات من هنا وهناك، مفترقات طرق لا تصون لكنها تبدد، نصائحه إلينا جميعًا رحمه الله بأن نصون تراثنا، وأن نحمي تاريخنا، وأن نلتف حول قضايانا الوطنية، وثوابتنا المصيرية، متحلين بالكلمة السواء، وعقائدنا الغراء، وانتمائنا لرب الأرض والسماء، رغم ذلك ورغم أنني على مقربة من مجلس الرئيس عاشقًا وقارئًا ومتابعًا لكاتبه الكبير البروفيسور عبدالله الحواج صديقًا وعزيزًا غاليًا، ومفكرًا باهرًا، إلا أنني لا أستطيع التكهن بما يمكن أن نأخذه من عبرٍ عن طريق مجلس مهيب أفهم تمامًا كيف كان مؤثرًا، وكيف أصبح جزءًا فاعلًا من تاريخ.

رحمة الله عليك يا أبا علي، لقد توقف مجلسكم المهيب عن الحياة، لكن مآثره، مآربه، وذكراه، ستظل ماثلة في الأذهان، خالدة في الشجون والشئون ودوامة الأيام، سيكون مجلسكم ممتدًا في الروح والمسيرة، في العطاء والشعيرة، في الإباء الذي تعلمناه منك، والوفاء الذي خضنا من أجله أنبل معاركنا في الحياة.

رحمة الله عليك، والصبر والسلوان لأمة البحرين والعرب والمسلمين، وعظم الله أجرك يا وطن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها