النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11610 الأربعاء 20 يناير 2021 الموافق 7 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

حديث عن إعادة الهيكلة..

رابط مختصر
العدد 11546 الثلاثاء 17 نوفمبر 2020 الموافق 2 ربيع الآخر 1442

سمعنا، وقرأنا، وتابعنا، وتبلّغنا منذ مدة طويلة وحتى الآن من يبشرنا بإعادة هيكلة القطاع العام، وقيل في شأن إعادة الهيكلة الكثير من الكلام، والكثير من الوعود، والأمل عند بعضهم، او كثير منهم ربما، بأن تتحقق هذه الوعود التي من المؤكد انها اذا انتقلت فعلاً وحقًا من موقع الوعود والأمنيات كاملة الفخامة إلى موقع التنفيذ الصحيح والسليم والمطلوب سوف تُستقبل بالترحاب والارتياح والتفاؤل..!

آخر من دعا إلى إعادة الهيكلة ديوان الرقابة المالية والإدارية، ففي تقريره الأخير للسنة المنتهية 2019 - 2020 الصادر مؤخرًا، وتحت عنوان إجراءات الحوكمة وجدنا الديوان يشير إلى أهمية تسريع وتيرة العمل في إعادة الهيكلة، ويطالب بإعادة هندسة الإجراءات الحكومية واستكمال تنفيذها في إطار زمني محدد، عبر إعادة هندسة العمليات في الجهات الحكومية وتعزيز القيمة المضافة للمستفيدين من الخدمات الحكومية، وتقديم الخدمات بانسيابية عبر أساليب ومنصات أسهل وأيسر.

إعادة الهيكلة لا يجب أن تفهم على أنها تقليص في أعداد الموظفين، او تصفية او دمج إدارات أو أجهزة معينة، أو معالجة عسر مالي، أو تعثر إداري، أو المباشرة في مساءلة من لا تحل عليهم مساءلة، ولا تسري عليهم محاسبة..! كما لا يجب حصر الإعادة في حدود العقاب والجزاء، والتنبيه لأساليب البيروقراطية الذكية أو المواربة التي تساير وتواكب في المظهر وتماطل وتعرقل في الجوهر، وتتصرف كسلطة على الناس وليس سلطة في خدمة الناس..!

إعادة الهيكلة لا تعني تصعيد البعض الى مناصب رفيعة، وبعضهم منصب تلو منصب، دون استحقاق، وبلا معايير واضحة، وبشكل غامض، وكأن هناك من يتفضل بهم علينا، ومهارات معظم هؤلاء انهم يجيدون خلق البطانات، ومعرفة كيفية خلق انطباعات عن العمل لا يمكن أن تكون عوضًا عن العمل والانجاز الحقيقي، ومن هؤلاء قد نجده يردد مقولات عن قواعد الجدارة والكفاءة، ومبادئ الادارة الحديثة، و قد يردد مقولات أخرى عن أنظمة الجودة والنظريات الإدارية الحديثة، وان أبوابنا مفتوحة، والتكليف لا التشريف، والواجب والمستوجب لنكتشف سريعًا البون الشاسع بين القول والفعل، بين الشعار والتنفيذ.. !

إعادة الهيكلة ليست نوايا حسنة للتطوير والإصلاح، ولا تعني القدرة على فرض الانضباط، الضبط والربط والدوام وما الى ذلك، هي عملية كبيرة، ومعقدة، متعددة الجوانب، ومسؤولية جسيمة، تشمل كفاءة الأداء، النهوض بالواجبات والمسؤوليات، كما تشمل التكاليف، وبيئة العمل، والهياكل التنظيمية، وأساليب العمل والتعامل، وتفعيل الرقابة والمساءلة، وحسن إدارة الموارد البشرية، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، هي تعني بعبارة اخرى ادارة مرنة فاعلة، مدركة بأناسها، ونصوصها، وطرقها، وأساليبها، ومفاهيمها، وآليات عملها، وشفافيتها وجعلها ادارة فاعلة تقدم الخدمات، وتسهّل المعاملات، وتحمي مصالح الناس، وتعاملهم باحترام، وتعالج مشاكلهم ولا تجعلها تتراكم وتتشعب، وتكسب ثقتهم وثقة المستثمرين، ولا تجعل من يتعامل معها بأن ينجز معاملته بشق النفس، بأمر من فوق، أو يبحث له عن «واسطة»، هذا إذا لم يعتمد وسائل أخرى، ومنها ما يمكن وضعه في خانة الشطارة والتياسير..!

إعادة الهيكلة هي التي تخلق قيمة نوعية من الكفاءات قادرة على بلوغ رؤية واضحة لمعطيات الحاضر وآفاق واضحة للمستقبل، وتجيد الابتكار والانتاج والابتعاد عن المراوحات بقدر ما تتقن تشخيص ومعالجة المشكلات، ولا تجعل مسؤولاً يتنصل من مسؤولياته، أو مسؤولاً لا يدرك بان شرعية وجوده في اي موقع مسؤولية تستمد من رضا الناس، كما هي التي تحول دون جعل الأردأ يصعد، والأكفأ يهبط، فتحرم الدولة من عطاء العقول المبدعة، بهذا المفهوم لإعادة الهيكلة نقول، هيَّا عجِّلوا..! 

هل يمكن يا ترى ان نقتنع بان العقليات التي كبلتنا بالمراوحة والمعضلات هي نفسها التي يمكن أن تكون نماذج ادارية خلاقة وفعالة وتمتلك كل المقومات التي ترتكز عليها إعادة الهيكلة والإصلاح الإداري الحقيقي والمنشود، أم أن تحقيق هذا الهدف أول متطلباته اقتلاع هؤلاء عاجلاً لا آجلاً، فهم كما قلنا يسايرون في المظهر، ويعرقلون في الجوهر، ويدركون بأن أي نهوض إداري حقيقي يجب أن يبدأ بهم، ويرتكز على نوعية من المسؤولين والقادة تماثل تلك النوعية التي قادت مجتمعات في آسيا، من أهل الكفاءة والنزاهة والخبرة والعلم والتميز ممن لم يخضعوا الادارة لمواقع نفوذ أو اعتبارات لا تجعلها تكتسب مبرر وجودها، باختصار نوعية رفعت مجتمعاتها الى مستوى عالٍ من التطور والنجاح وفتحت آفاق واعدة لها.

هل يمكن يا ترى وضع ملف إعادة الهيكلة والاصلاح الاداري في قلب الاهتمام العام، بعيدًا عن اسلوب البيروقراطية الذكية التي تفتح الباب جزئيًا ليغلق بعد حين، دون خطوة معتبرة إلى الأمام، تلك خطوة مطلوبة قبل فوات الأوان، فهيَّا عجِّلوا..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها