النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11609 الثلاثاء 19 يناير 2021 الموافق 6 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:49PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الأمير خليفة بن سلمان.. لن نقول وداعًا بل إلى جنة الخلد

رابط مختصر
العدد 11545 الإثنين 16 نوفمبر 2020 الموافق 1 ربيع الآخر 1442

  • خليفة بن سلمان هو امتداد الماضي بالحاضر، بين الأصالة والحداثة، وحجر الزاوية في هذا الوطن

 

جميعًا يعلم بأن لكل أجل كتاب، وأن الحياة والموت بيد خالقها، وأن هناك السابقين واللاحقين، وهذا إيماننا بالقدر، ولكن ما يحز في النفس وتدمع العين وتفطر القلوب له هو فقد رجل أعطى كل ما يملك لتحقيق الرفاهية لشعبه، أعطى صحته ووقته ومشاعره لشعب أحبه، لذا تنهمر الدموع لرحيله والبكاء على فقده، خليفة بن سلمان لم يكن رجلاً عاديًا، بل كان قائدًا بمعنى الكلمة، فمنذ أن تفتحت آذاننا وأعيننا في الدنيا ونحن نسمع اسمه ونرى أعماله، وما خفي من الأعمال الخيرة كان أعظم مما رأينا، لن نقف عن مقال واحد، ولا خطبة جمعة واحدة، بل سنردد اسمه ما حيينا.

 

استقلال البحرين

فأكثر من سبعين عامًا وهو واقف في شموخ وعز وكرامة، يعمل بالليل والنهار لأبناء وطنه، فهو يعلم قيمة هذا الشعب، ويعلم تضحياته، لذا قابلها بصدق وعزيمة لتعزيز أمنه واستقراره، فقد سعى لأن يكون هذا الشعب العروبي حرًا أبيًا، ذا إرادة مستقلة، لذا وقف مع الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في وجه الأطماع الإيرانية لضم البحرين في العام 1970م حتى اعترفت الأمم المتحدة باستقلال البحرين، وأنها دولة عربية إسلامية، وما المكانة العالية التي تتمتع بها البحرين اليوم إلا إحدى ثمار الجهد الذي قام به سمو الأمير الراحل.

 

إحباط مؤامرة 2011م

لقد وقف سمو الأمير الراحل خليفة بن سلمان في وجه المخطط التدميري الذي استهدف البحرين وأمنها، وهو المشروع الذي حاول إشعال نار الطائفية والاحتراب الأهلي، فوقف سمو الأمير الراحل ليدافع عن وطنه وشعبه بعد أن رأى بنظرة الثاقب، وخبرته الطويلة أهداف ذلك المشروع منذ اللحظات الأولى لاحتلال دوار التعاون، فنزل سموه -رحمه الله- للكثير من المواقع ليطمئن الناس، فقد شوهد كثيرًا في التجمعات البشرية بالمحرق والرفاع ومجمع السيتي سنتر والبسيتين للتصدي لتلك المؤامرة، وكان يخطب بالناس ويهدئهم وينصحهم، أو الحوادث والكوارث مثل حريق سوق المحرق وحريق السوق الشعبي بمدينة عيسى، فقد كان سموه أول المطمئنين على سلامة وأمن المواطنين والمقيمين، جميعها من أجل سلام الوطن، فقد كان يردد دائمًا (أطمنكم البحرين بخير، ولن يصيبكم مكروه).

 

علاقاته بالناس

الأمير الراحل خليفة بن سلمان هو امتداد الماضي بالحاضر، بين الأصالة والحداثة، وحجر الزاوية في هذا الوطن، فقد كان مدرسة بحد ذاتها، وفي جميع المجالات، وكانت عباراته حكم ودروس ينقلها أصحاب الأقلام، بأسلوبه السهل الممتنع يشد كل الحاضرين إليه دون ملل ولا كآبة، فقد كان مقبلاً على الناس بقلب مفتوح وابتسامة جميلة وحضور متميز، وقد كانت أمنية الكثيرين من الناس السلام عليه ومصافحته.

فقد تميز سمو الأمير الراحل خليفة بن سلمان بمعرفته للناس، كل حسب منطقته، فسموه يعرف الأشخاص ولو كانت رؤيته لهم من زمن طويل، بل ويتعرف على آبائهم وعوائلهم وسيرهم، فهو يعرف الشخص والمنطقة التي عاش بها، بل ويتذكر أصدقاءه القدماء، وكثيرًا ما كان يسألني شخصيًا عن أصدقائه القدماء بالمحرق، ويسأل عن صحتهم وأولادهم، لذا يقدم لكل من يلاقيه النصائح كل حسب ما يقرأه في عينيه وما يفرضه الحال.

 

التسامح والتواصل المجتمعي

لقد تميز سمو الأمير الراحل خليفة بن سلمان بروح التسامح، فهو يلتقي ويجتمع بأتباع الأديان والمذاهب والثقافات في مجلسه العامر، ويتحاور معهم لما يمتلكه من رؤية ثاقبة وعقل نير وإخلاص في العمل، بل ويسرد عليهم مواقف أبيه صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة واستقباله لأتباع الأديان وأكرامهم وتقديرهم، فمجلس سمو الأمير الراحل كثيرًا ما يستقبل أتباع الأديان والثقافات، فيجمعهم ويشكرهم على دورهم في تعزيز الاستقرار في نفوس الناس.

إن سمو الأمير الراحل خليفة بن سلمان آل خليفة قد ساهم في نشر قيم التواصل في المجتمع البحرين، فهو لا يتأخر عن زيارة الناس في مجالسهم، فيبارك لهم ويعزيهم ويسأل عن مريضهم، خاصة في شهر رمضان، فقد كانت له عادة في زيارة المجالس والسؤال عن الناس، وهو الأمر الذي جعل سموه على مقربة من شكاوى الناس.

 

روح الإنسانية 

مواقف الأمير الراحل خليفة بن سلمان الإنسانية كانت كثيرة وعلى جميع الأصعدة، وقد ترك بغيابه فراغًا كبيرًا، وحزنًا عظيمًا، فسمو الأمير الراحل كان يهتز وينتفض إذا ما سمع عن فقير أو محتاج أو مريض، فيسارع بتوجيه المسؤولين لديه لمعرفة الأمر، فيخرج في الطرقات والأزقة، وأحيانًا في أوقات الظهيرة بفصل الصيف الحار، وهو رئيس الوزراء والأمير الملكي، فكنا نسير معه في أزقة المحرق القديمة، ويدخل بيوت المحتاجين لتلمس حاجاتهم، الفقراء والمساكين والأرامل والمطلقات والأيتام، ولا يخرج حتى يلبي حاجاتهم ويدخل السرور في قلوبهم، وكانوا يبادلونه الحب بالحب، والوفاء بالوفاء، وقد دخل ذات يوم على امرأة في بيتها خلف مدرسة مريم بنت عمران بالمحرق وكاد أن يغمى عليها لما رأته أمامها في حوش البيت فأخذت تبكي وتدعو له، وما خرج حتى أمر بمساعدتها وببناء بيتها.

وحينما وصل إلى مسامعه عن وضع بعض بيوت حالة بوماهر خرج مسرعًا ليرى تلك البيوت بعينيه، ولم يغادر المنطقة حتى أمر بإعادة بناءً بيوت حالة بوماهر، فتم بناء البيوت حسب المعايير الدولية والصحية.

وقد أمر سمو الأمير الراحل بصرف المعونات السنوية من مساعدات مالية وعينية ومنها الأرز على الأسر الفقيرة والمحتاجة، فكانت أياديه الإنسانية البيضاء تدخل تلك البيوت لتدخل السرور عليها، وهذا بشكل سنوي.

سمو الأمير الراحل خليفة بن سلمان من جوانبه الإنسانية هي وقفته ومساندته للخطباء والأئمة، كان يساندهم ويقف معهم لما لهم من دور في رعاية بيوت الله، وكانت هذه عادته السنوية، كذلك لا أنسى وقفاته الإنسانية للأسر المتعففة، وأتذكر امرأة بالرفاع في منطقة الحجيات كانت تعاني من أمراض باطنية وقد عجزت عن التشافي وذلك لضعف الحالة وقصر اليد، وحين أوصلنا الموضوع للأمير الراحل أمر من فوره بعلاجها بالخارج، فتعالت والحمد لله تشافت، وكذلك فتاة صغيرة عانت من مرض عضال فأمر سموه بسرعة معالجتها بأوروبا، فكان لها ذلك، والقصص في هذا الباب كثيرة وستخصص لها مساحات أكبر.

 

تقديره للصحافة البحرينية

ما من مجلس كان يجلس فيه الأمير الراحل خليفة بن سلمان إلا وأثنى على الصحافة وأصحاب الأقلام، وكثيرًا ما كان يمازح الجسم الصحفي مع نصحه وإرشاده لهم بأن يكونوا مرآة المجتمع، فسموه كان قارئًا لكل ما يكتب وينشر، وكثيرًا جدًا ما كان يعالج القضايا التي تنقلها الصحافة البحرينية، وكان يحملها مسؤولية القلم وأمانة الكتابة، فكان سموه دائم الإطراء للكتاب والصحفيين، وإشادته بدورهم وعملهم وتضحياتهم، حتى خصص لهم جائزة سنوية باسمه (جائزة خليفة بن سلمان للصحافة).

 

في مرضه رحمه الله

في سنواته الأخيرة وهو في المستشفى العسكري كان سمو الأمير الراحل خليفة بن سلمان يباشر عمله الحكومي من هناك، وهو مريض كان يسأل عن كل كبيرة وصغيره، وينتظر الفرصة للعودة إلى مجلس الوزراء ليباشر عمله، فمصلحة المواطن مقدمة على كل شيء، مقدمة حتى على صحته وسلامته، فكم كان يعمل من أجل راحة المواطن، وقلما غاب عن العمل الحكومي طيلة السبعين عامًا من عمره، حتى في أيام الإجازات الرسمية كان -رحمه الله- يخرج من منزله بالرفاع لزيارة الناس والاطمئنان عليهم، ولا يغادرهم حتى تعالج المشكلة، ففي الوقت الذي يتمتع فيه الجميع بأيام الإجازات كان سموه حاضرًا متواجدًا، مضحيًا بصحته ووقته وكل ما يملك من أجل الوطن، قبل خبر وفاته كان الجميع يسأل عنه وعن صحته، وكان أبناء البحرين والخليج يتقصون أخباره، خوفًا عليه وحبًا صادقًا له، فالجميع يعلم حجم التضحيات التي قدمها سمو الأمير الراحل.

برحيله فقدت البحرين والدها الحنون الذي عمل من أجلها، ومن أجل أمنها واستقرارها، ومن أجل تقدمها وازدهارها، فقد كان شخصية فذة لما تمتع به من إنسانية وحب للبحرين، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فإنا لله وإنا اليه راجعون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها