النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11610 الأربعاء 20 يناير 2021 الموافق 7 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

غدر بك الموت كما غدرتْ بك الحياة.. (إلى صديقي فريد رمضان)

رابط مختصر
العدد 11543 السبت 14 نوفمبر 2020 الموافق 28 ربيع الأول 1442

لم يدر بخلدي يا صديقي أن تغادر سريعًا رغم الأسقام التي كانت تسكن جسدك، فجاء الخبر صاعقًا لي، كنت أعرف أنك تعاني من عدة أمراض في وقت واحد، وأن السكلر صاحَبك طويلاً، لكنني كنت أعرف أيضًا أن صبرك جميل، وأنك تقاوم المرض بصلابة وكبرياء منذ عرفتك في أسرتنا الأدبية، ومنذ ظللتنا المودة بعد ذلك وجمعتنا على الكلمة من أجل الإنسان، وسمو الأهداف التي احتضنّاها، واستطعت مع رهطك من رواد الكتابة، التآلف مع الأوجاع الخاصة والعامة. كان ذلك تجمعًا لمن اختاروا الكتابة الإبداعية طريقًا والإنسانية هدفًا، والكلمة وسيلة للارتقاء بالحياة، وكانت لك يا صديقي لغتك الخاصة في الكتابة التي جمعت بين العمق والوضوح والنفس الشعري في كل ما كتبت، ومعًا مررنا في عدة عقود بمصاعب كثيرة تخطيناها، كتفًا بكتف، وروحًا بروح، لكنك كنت الأكثر معاناة بيننا فالأسقام العديدة سكنت جسدك النحيل، وحاولت ثنيك عن السير في هذا الطريق الشاق والشائك الذي يحتاج إلى جهد ومثابرة، وصحة لم يحالفك الحظ معها، لكنك صلبت عودك، وحملت صليبك ومشيت، وكنت في المقدمة، ولك تميزك الخاص، وكتبت، متحديًا المرض بإرادتك، واعتبرت الألم والمرض تحديًا لإرادتك، لكنك كتبت وتميزت وأبدعت وأنتجت، حتى عندما أصبح المرض أمراضاً عدة، لم تستسلم أو تستريح، فأنجزت رواية المحيط الإنجليزي التي عرضت فيها بتوسع موضوعك الأثير، الهويّات، كنت دائمًا هكذا تكتب بين ألم وآخر، وبين مرض وآخر، موزعًا بين سرير المرض وطاولة الكتابة، وأنجزت لنا كتبًا جميلة في القصة والرواية، وكانت رحلة طويلة وخصبة ومرهقة يا صديقي وجميلة، وفي منعطفاتها الكثيرة التقينا، أذكر الكثير من اللقاءات الدافئة التي جمعتنا في الأسرة وخارجها، والآن وأنت تغادر دون إرادتك سأذكر دائمًا تلك النظرة الهادئة المليئة بالسلام والود والحب والصداقة والألفة التي تظلل وجهك، كنت تعرف أنني أبادلك الود، وأننا نتشابه في صفاتٍ كثيرة، فكم آلمني رحيلك، ورحت بألم أستعيد وجهك طول الوقت، وسأظل أفعل ذلك ما دمت على قيد الحياة، فالذين يغادرون من الأحبة والأصدقاء يحلون ضيوفًا دائمين في القلب والمخيلة، فُجعت يا صديقي بمصابك ورحلت في حزنٍ أستعيد الذكريات، والأمكنة التي جمعتنا، فإستعدت إبتسامتك اللطيفة المطبوعة في ذاكرتي، وعينيك التي أرى فيها ألمًا وجلدًا وأسى، وكنت مثل كل الشرفاء الذين اختاروا مهنة الكتابة إسلوبًا لحياتهم، ومهجعًا لطموحاتهم وطريقًا لآمالهم، كنت مثلهم تحلم بعالم جديدًا مختلف يعلي قدر البشر ويحقق لهم الاستقرار والسعادة. 

أذكر رحلتنا إلى بغداد، ولقاءنا الليلي الحميم في الإجازات، وحديثنا المشترك في الكتابة، وهمومنا العامة والخاصة، أحببت فيك يا صديقي نقاء سريرتك وهدوءك وبساطتك، وأعجب كيف استطعت أن توزع جسدك المنهك في عدة جهات من فضاء الأدب والفنون، وكيف استطعت أن تنجز نصوصًا أدبية في القصة والرواية، ونصوصًا أخرى للسينما. كان جسدك النحيل ومرضك يذكرني بالسياب، الشاعر الجميل الذي أحببناه معًا، أشياء كثيرة يا صديقي الأشياء التي أحببناها معًا، أشياء جميلة، أفكار وقيم ومبادئ جمعتنا في الطريق المرصف بالجراح والآلام، ما الذي دفعك يا صديقي لتختار الهويات عنواناً لك ومادة لكتاباتك؛ أشياء كثيرة أعرفها، فأنت تقدِّس الروابط الإنسانية الممتدة بامتداد العالم، وتحلم بتآلف البشر من كل القوميات، فرحت تستكشف ذلك الاختلاط الذي أصاب جغرافياتنا المجاورة، والهويات المتعددة التي تربطها المثل العليا والوثاق الإنساني، وسط هذا الكوكب المضطرب الذي تنتشر فيه الحروب والهجرات، ومثل رهط الأدباء جميعًا كنت تفكر في الإنسان الذي أصبحت همومه هي همومك. في الهويات كتبت عن الشقاء البشري المنتشر، والتقارب الإنساني، واخترت طريقك الخاص لتلقي وجعك فيه وتعبر عن خلجات الكثيرين، وتزرع فيها أزهارك وأشجارك، سأذكر دائمًا طيبتك التي تطل من وجهك دائمًا.

 غادرتنا أيها العزيز وأنت في أوجّ عطائك. وكنت أظن أن الزمن سيمنحك بعض الوقت لتنجز روايات جميلة مثل المحيط الإنجليزي، لكن الموت غدر بك كما غدرتْ بك الحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها